التفسير من سنن سعيد بن منصور - محققاصفحات 544-583

ِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

صفحات 544-583
عن هذه الطبعة
عَلَم
سعيد بن منصور
الكتاب
التفسير من سنن سعيد بن منصور - محققا
المؤلف
أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني (المتوفى: 227هـ)دراسة وتحقيق: د سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد
الناشر
دار الصميعي للنشر والتوزيع
الطبعة
الأولى، 1417 هـ - 1997 م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي التحقيق]

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ] 180- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ذَكَرُوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) 1 وَإِيمَانَهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (1) كَانَ بيِّنًا لِمَنْ رَآهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا آمَنَ مُؤْمِنٌ أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ .2

181- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ 1 لِعَبْدِ اللَّهِ: عِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ مَا سَبَقْتُمُونَا بِهِ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ مِنْ رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: نَحْتَسِبُ إِيمَانَكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ تروه (2) . = وهو في المطبوع (3 / 69 رقم 2899) ، فقال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش ... ، فذكره بنحوه.
وأخرجه ابن منده في "الإيمان" (2 / 371 رقم 209) من طريق جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ الأعمش، به نحوه.
ومن طريق الأعمش أخرجه ابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" (1 / 41) . وعلقه البغوي في "تفسيره" (1 / 47) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ.
وانظر الحديث الآتي بعده.

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ] 182- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ؛ قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا أَبُو الأشْهب (1) ، عَنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي رَجَاءٍ 1 ، قَرَأَ أَحَدُهُمَا: (غُشَاوَة) والآخر: (غَشْوَة) .23 = وعمرو بن شرحبيل، وآخر ذكره، فكان علم هؤلاء وحديثهم انتهى إلى سفيان ابن سعيد، وكان يحيى بن سعيد بعد سفيان يعجبه هذا الطريق ويسلكه)) ، وذكره ابن حبان في الثقات، وكان أبو موسى الأشعري - فيما يظهر - حريصًا على الصلاة عليه، فإنه صلى عليه بعد ما صُلّي عليه.
انظر "المعرفة والتاريخ" للفسوي (1 / 221 و 714) و (2 / 558) و (3 / 142 و 365) ، و"التهذيب" (2 / 154 - 155 رقم 266) .

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ ] 183- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ 3 قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: ﴿يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ .12 = يروي عن أبي رجاء العُطَارُدي والحسن البصري وأبي نضرة وغيرهم، روى عنه هنا هشيم، وروى عنه أيضًا ابن المبارك ويحيى القطان ويزيد بن هارون وابن عليّة وغيرهم، وهو ثقة، روى له الجماعة، ووثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: وقال ابن المديني: ((ثقة ثبت)) ، وقال ابن سعد: ((كان ثقة إن شاء الله)) ، وقال الإمام أحمد: ((صدوق)) ، وفي رواية: ((من الثقات)) ، وكانت ولادته سنة سبعين أو إحدى وسبعين للهجرة، ووفاته سنة خمس وستين ومائة.
اهـ. من "الجرح والتعديل" (2 / 477 - 478 رقم 1942) ، و"التهذيب" (2 / 88 رقم 135) ، و"التقريب" (ص140 رقم 935) .

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ] 184- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ (1) أَوْ غَيْرِهِ (2) ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، قَالَ: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ الْمَعْصِيَةَ، وخلقه لها.12 = حديثه عن درجة الحسن، فهو صدوق حسن الحديث، وأولى الأقوال به قول الساجي: ((صدوق)) ، وهذا هو الذي اختاره الذهبي - رحمه الله -؛ حيث ذكره في "السير" (7 / 181) وقال: صدوق إمام)) ، وذكره في "الميزان" (2 / 365 رقم 4113) وقال: صدوق، وكذا قال في ((من تكلم فيه وهو موثق)) (ص105 رقم 173) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وابن أبي نجيح يروي التفسير عن مجاهد، وقد اختُلف في صحة روايته للتفسير، فقال يحيى بن سعيد القطان: ((لم يسمع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد)) ، في حين قال وكيع: ((كان سفيان - أي: الثوري - يصحح تفسير ابن أبي نجيح)) ، والذي يظهر - والله أعلم - أن روايته للتفسير صحيحة، لكنه لم يسمعه من مجاهد إلا بواسطة القاسم بن أبي بَزَّة، يقول ابن حبان: ((ابن أبي نجيج نظير ابن جريج في كتاب القاسم بن أبي بزّة عن مجاهد في التفسير، رويا عن مجاهد من غير سماع)) . انظر الموضع السابق من "التهذيب".
ويقول شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله -: ((وأخص أصحابه - يعني ابن عباس - بالتفسير: مجاهد، وعلى تفسير مجاهد يعتمد أكثر الأئمة، كالثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.
والشافعي في كتبه أكثر الذي ينقله عن ابن عيينة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مجاهد، وكذلك البخاري في "صحيحه" يعتمد على هذا التفسير، وقول القائل: لا تصح رواية ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ جوابه: أن تفسير ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ من أصح التفاسير، بل ليس بأيدي أهل التفسير كتاب في التفسير أصح من تفسير ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، إلا أن يكون نظيره في الصحة)) . اهـ. من "الفتاوى" (1 / 408 - 409) ، وانظر "مقدمة تفسير مجاهد" للشيخ عبد الرحمن السورتي (ص58 - 60) . وأما الواسطة بين مجاهد وابن أبي نجيح فهو القاسم بن أبي بَزَّة - بفتح الموحدة وتشديد الزاي -، المكي، المخزومي، مولاهم، أبو عبد الله، ويقال أبو عاصم، القارئ، وهو ثقة روى له الجماعة، ووثقه ابن معين والعجلي والنسائي وغيرهم، وقال ابن حبان: ((لم يسمع التفسير من مجاهد غير القاسم، وكل من يروي عن مجاهد التفسير، فإنما أخذه من كتاب القاسم)) . اهـ. من "تاريخ الثقات" للعجلي (ص368 رقم 1364) ، و"التهذيب" (8 / 310 رقم 560) ، و"التقريب" (ص449 رقم 5452) . =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ] 185- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ الْحَسَنِ، فَسَأَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ 1 ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿وَأَعْلَمُ (2) مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ، مَا الَّذِي كَتَمَتِ الْمَلَائِكَةُ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ، رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ خَلْقًا عَجَبًا، فَكَأَنَّهُمْ دَخَلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَأَسَرُّوا ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، فَقَالُوا: وَمَا يَهُمُّكم مِنْ أَمْرِ هَذَا الْمَخْلُوقِ؟ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَخْلُقُ خَلْقًا إِلَّا كُنَّا أَكْرَمَ عليه منه.
= وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (1 / 114 رقم 338) من طريق محمد بن مسلم، عن علي بن بَذِيمة، به مثله.
وأخرجه ابن جرير أيضًا برقم (631 و 636) من طريق القاسم بن أبي بَزَّة وعبد الوهاب بن مجاهد، كلاهما عن مجاهد، به مثله، زاد عبد الوهاب في روايته: ((وعلم من آدم الطاعة وخلقه لها)) . وأخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" (ص70) من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ ابن جريج عن مجاهد، به مثله.

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ] 186- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا الْحَسَنُ بْنُ يَزِيدَ الأصَمَّ (1) ، قَالَ: سَمِعْتُ السُّدِّي 1 يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ قَالَ: رَبِّ خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ، وَنَفَخْتَ فيَّ مِنْ رُوحِكَ، فَسَبَقَتْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ، أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ، وَأَصْلَحْتُ، هَلْ أَنْتَ رَادُّنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قال: قيل: نعم.23 = وقال ابن معين: ((ليس بشيء)) ، وقال أبو حاتم: ((متروك الحديث كذاب)) ، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: ((ترك أبو زرعة حديث الحسن بن دينار ولم يقرأه علينا، فقيل له: عندنا مكتوب، قال: اضربوا عليه)) ، وقال النسائي: ((ليس بثقة ولا يكتب حديثه)) ، وفي رواية: ((متروك الحديث)) . اهـ. من "الجرح والتعديل" (3 / 11 - 12 رقم 37) ، و"الكامل" لابن عدي (2 / 710 - 717) ، و"الميزان" (1 / 487 - 489 رقم 1843) ، و"اللسان" (2 / 203 - 205 رقم 918) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12 = روى عنه سعيد بن منصور وزكريا بن يحيى زحمويه وسريج بن يونس وغيرهم، وهو ثقة، قال الإمام أحمد: ((ثقة ليس به بأس، إلا أنه حدث عن السدي، عن أوس بن ضَمْعَج)) ، وقال ابن معين: ((ثقة)) ، وقال أبو حاتم: ((لا بأس به)) ، وقال الدارقطني: ((لا بأس به، ثقة مستقيم الحديث)) ، وذكره ابن حبان وابن شاهين في ثقاتيهما.
اهـ. من "الجرح والتعديل" (3 / 43 رقم 183) ، و ((من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال)) لابن طهمان البادي (ص94 رقم 292) ، و"تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص60 رقم 200) ، و"تاريخ بغداد" (7 / 450 - 451 رقم 4021) ، و"تهذيب الكمال" المطبوع (6 / 346) ، و"التهذيب" (2 / 328 رقم 571) . وقد خالف ابن عدي هؤلاء الذين وثقوا الحسن بن يزيد، فذكره في "الكامل" (2 / 738 - 739) وقال: ((ليس بالقوي)) ، وذكر له بعض الأحاديث التي انتقدها عليه وهي قليلة، ومنها الحديث الذي أشار إليه الإمام أحمد، وهو الذي يرويه الحسن، عن السدي، عن أوس بن ضَمْعَج، عن ابن مسعود مرفوعًا: ((يؤم القوم أقرؤهم ... )) الحديث.
وهذا الحديث والأحاديث التي ذكرها ابن عدي ليس عندنا ما يدل على تحميل الحسن بن يزيد تبعتها، فقد يكون الخطأ فيها من السدي، وهو صدوق يهم كما تقدم في الحديث [174] ، فالحسن أوثق منه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قيل له: نعم، قال: رب، إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ، هَلْ أَنْتَ راجعي إلى الجنة؟ قيل له: نعم، قال الله تعالى: ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ [الآية (122) من سورة طه] . وهذا الذي ذكر السُّدِّي أخذه عن ابن عباس بواسطة.
فقد أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (1 / 135 رقم 411) من طريق إسرائيل، عن السدي، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: قال: آدم ... ، فذكره بنحوه، وزاد فيه: ((وعطسْتُ فقلتَ: يرحمك الله، وسبقت رحمتك غضبك؟ قيل: بلى، وكتبت عليّ أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى)) . وهذا سند ضعيف للكلام في حفظ السدي، وجهالة شيخه، وقد روي من غير هذا الطريق.
فأخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (1 / 542 رقم 775) من طريق ابن عطية، عن قيس، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ المنهال بن عمرو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس، به نحو سياق المؤلف، وزاد فيه: ((قال: أي رب، ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى)) . والحديث بهذا الإسناد موضوع.
فمحمد بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الأنصاري، الكوفي، أبو عبد الرحمن، القاضي صدوق، إلا أنه سيء الحفظ جدًّا، وهو يروي عن أخيه عيسى، وعن نافع مولى ابن عمر وأبي الزبير المكّي وعطاء بن أبي رباح والمنهال بن عمرو وغيرهم، روى عنه ابنه عمران وشعبة والثوري وقيس بن الربيع وغيرهم، قال شعبة: ((ما رأيت أحدًا أسوأ حفظًا من ابن أبي ليلى)) ، وقال ابن المديني: ((كان سيء الحفظ واهي الحديث)) ، وقال الإمام أحمد: ((كان سيء الحفظ مضطرب الحديث، كان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه)) ، وقال أبو حاتم: ((محله الصدق، كان سيء الحفظ، شغل بالقضاء فساء حفظه، لا يتهم بشيء من الكذب، إنما ينكر عليه كثرة الخطأ، يكتب حديثه ولا يحتج به)) ، وقال ابن حبان: ((كان فاحش الخطأ، ردي الحفظ، فكثرت المناكير في روايته، تركه أحمد ويحيى)) ، وقال الدارقطني: ((كان رديء الحفظ كثير الوهم)) . =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وكانت وفاته سنة ثمان وأربعين ومائة.
اهـ. من "الكامل" لابن عدي (6 / 2191 - 2195) ، و"التهذيب" (9 / 301 - 303 رقم 501) ، و"التقريب" (ص493 رقم 6081) . وقيس بن الربيع تقدم في الحديث [54] أنه صدوق، إلا أن تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به.
ومحمد بن الفضل بن عطية بن عمر العَبْدي، مولاهم، الكوفي، نزيل بخارى يروي عن أبيه وأبي إسحاق السبيعي وزيد بن أسلم وعمرو بن دينار وقيس بن الربيع وغيرهم روى عنه قيس بن الربيع وهو من شيوخه، وبقيّة بن الوليد وأبو أسامة حماد بن أسامة وعيسى بن موسى غنجار وغيرهم، وهو كذاب، كذبه ابن معين وعمرو بن علي الفلاس والنسائي وابن خراش وغيرهم، وقال الإمام أحمد: ((ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب)) ، وقال الجوزجاني: ((كان كذابًا، سألت ابن حنبل عنه فقال: ذاك عجب يجيئك بالطامات)) ، وقال صالح بن محمد: ((كان يضع الحديث)) ، وكانت وفاته سنة ثمانين ومائة.
اهـ. من "الكامل" (6 / 2170 - 2174) ، و"التهذيب" (9 / 401 - 402 رقم 656) . وقد روي عن قيس من وجه آخر.
فأخرجه ابن جرير أيضًا (1 / 543 رقم 776) من طريق محمد بن مصعب، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن كليب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس نحو سابقه.
وسنده ضعيف جدًّا لما تقدم عن حال قيس، وفيه محمد بن مصعب بن صدقة القَرْقَساني، وتقدم في الحديث [179] أنه صدوق كثير الغلط.
وعليه فالحديث لا يصح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما.

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ ] 187- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( (إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ) 1 السَّجْدَةَ، فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ! أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ، (فَلَهُ) (1) الْجَنَّةُ، (وأمرتُ) 2 بِالسُّجُودِ، فأَبَيْتُ، فَلِيَ النار)) .3

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ ] 188- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ بَيَان 1 ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَعْدَة بْنِ هُبَيْرة (2) ، قَالَ: الشَّجَرَةُ الَّتِي افْتتَنَ بِهَا آدَمُ: شَجَرَةُ الكَرْم (3) ، وَجُعِلَتْ فِتْنَةً لِوَلَدِهِ بَعْدَهُ.
= وأخرجه الإمام أحمد في "المسند" (2 / 443) من طريق وكيع ويعلى بن عبيد وأخيه محمد.
والمروزي في "زوائده على الزهد" لابن المبارك (ص349 رقم 981) من طريق الفضل بن موسى ومحمد بن عبيد.
ومسلم في الموضع السابق من "صحيحه" (1 / 88 رقم 81) من طريق وكيع.
وابن خزيمة في الموضع السابق من طريق جرير.
وأبو نعيم في "الحلية" (5 / 60) من طريق عبد العزيز بن مسلم.
والخطيب في "تاريخه" (7 / 324) من طريق يعلى بن عبيد.
والبغوي في "شرح السنة" (3 / 147 - 148 رقم 653) من طريق يعلى بن عبيد وجرير ووكيع، وفي "تفسيره" (2 / 227) من طريق يعلى بن عبيد.
جميعهم عن الأعمش، به نحوه، إلا أن وكيعًا قال: ( ... عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هريرة أو عن أبي سعيد - شك الأعمش - ... ) إلخ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12 = يعقوب بن شيبة: ((كان ثقة ثبتًا)) ، وقال الدارقطني: ((هو أحد الثقات الأثبات)) . اهـ. من "الجرح والتعديل" (2 /424 - 425 رقم 1687) ، و"تهذيب الكمال" المطبوع (4 / 303 - 305) ، و"التهذيب" (1 / 506 رقم 941) ، و"التقريب" (ص129 رقم 789) .

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ﴾ ] 189- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا خَالِدُ بْنُ صَفْوان (1) ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (2) ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَنُعِيَ (3) إِلَيْهِ ابْنٌ لَهُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ اسْتَرْجَعَ، وَقَالَ: فَعَلْنَا كَمَا أَمَرَنَا الله تعالى [ل111/ب] : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ .12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123 = ابن حبان في "الثقات" (6 / 257) ، روى عن زيد بن علي، ولم يذكروا أنه روى عنه سوى هشيم، لكن أورد الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (2 / 51) خبرًا من رواية محمد بن ذَكْوان عنه.

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ ] 190- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُصَيْن 1 ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ (2) - فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: يعني الحِنْطة.
= أو قريبًا منها، لكن الحديث صحّ من وجه آخر عن ابن عباس كما سيأتي برقم [231] ، وفيه أن الذي نعي لابن عباس هو أخوه قُثَم، وليس ابنه.
وسيعيد المصنف هذا الحديث برقم [232] بنفس الإسناد مع اختلاف يسير في المتن.
والحديث أخرجه البخاري في "تاريخه" (3 / 156) من طريق قتيبة، عن هشيم، عن خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أنه أصابته مصيبة فصلى.
وأخرجه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (1 / 222 رقم 201) من طريق يحيى بن يحيى، عن هشيم، به نحو لفظ المصنف.
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (2 / 269 - 270) من طريق عمرو بن عون الواسطي، عن هشيم، عن خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ، عَنْ زَيْدِ بن علي بن الحسين، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: جاءه بعض أهله وهو في سفر ... ، الحديث بنحوه.
كذا رواه الحاكم موصولاً بزيادة علي بن الحسين والد زيد، ثم قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ، ووافقه الذهبي.
ورواية الحاكم هذه خطأ، والصواب رواية المصنف؛ لأنه وافقه قتيبة بن سعيد عند البخاري في "التاريخ" كما سبق ويحيى بن يحيى عند محمد بن نصر.
وذكر السيوطي الحديث في "الدر" (1 / 163) وعزاه للمصنِّف وابن المنذر والحاكم والبيهقي في "شعب الإيمان".
والحديث صحيح لغيره بالطريق الآتي برقم [231] .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12 = حفظه في الآخر، فإن الراوي عنه هنا هو خالد بن عبد الله الطحان الواسطي، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط كما تقدم.

191- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ وَسُئِلَ عَنْهُ 1 ، فَقَالَ: كَمَا يَقْرَأُ عبد الله (وثومها) .2 = مخرج الفاء من مخرج الثاء)) . اهـ.

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ ] 192- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ 1 ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ ، قَالَ: هِيَ السَّوْدَاءُ شَدِيدَةُ السَّوَادِ.2

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ] 193- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَوْ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، ولكنَّهم شدَّدوا، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما وجدوها)) .1 = صفراء)) ، يعني بها سوداء، وإنما قيل ذلك في الإبل؛ لأن سوداها يضرب إلى الصفرة ... ، وذلك إن وصفت الإبل به فليس مما توصف به البقر، مع أن العرب لا تصف السواد بالفُقُوع، وإنما تصف السواد - إذا وصفته بالشدة - بالحُلُوكَة ونحوها، فتقول: هو أسود حالك....، ولا تقول: هو أسود فاقع، وإنما تقول: هو أصفر فاقع، فوصفه إياه بالفقوع من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأوَّل قوله: ﴿إنها بقرة صفراء فاقع﴾ المتأوِّل بأن معناه: سوداء شديدة السواد)) . اهـ. بتصرف.
ولما ذكر الحافظ ابن كثير قول الحسن هذا في "تفسيره" (1 / 110) قال: (وهذا غريب، والصحيح الأول؛ ولهذا أكَّد صفرتها بأنه: ((فاقع لونها)) . اهـ. والقول الذي صححه ابن كثير هو قول من قال: إنها كانت صفراء.

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ] 194- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ؛ قَالَ: نا خَالِدُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقُولُوا 1 لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ قَالَ: لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ، لِلْمُشْرِكِ، وَغَيْرِ المشرك.2
= وابن أبي حاتم في "تفسيره" (1 / 223 رقم 727) . ثلاثتهم من طريق أبي عامر سرور بن المغيرة الواسطي ابن أخي منصور بن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، به واللفظ لابن مردويه، وأما البزار فروى شطره الثاني بنحوه، وأما ابن أبي حاتم فروى شطره الأول بنحوه.
قال البزار عقبه: ((لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد)) . وقال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكره في الموضع السابق: ((وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة)) . وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (6 / 314) : ((رواه البزار، وفيه عباد بن منصور وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات)) . قلت: والحسن البصري تقدم في الحديث [5] أنه مدلس ولم يصرح بالسماع وعليه فالحديث باقٍ على ضعفه.

195- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ (أَبِي) 1 سُلَيْمَانَ قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقْرَأُ: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (وَقُولُوا للناس حَسَناً) .2 = (للمشرك وغير المشرك) ، غير أن لفظ المحاربي قال فيه: ((حدثنا عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، قال: سألت عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ قول الله جل ثناؤه: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ ، قال: من لقيت من الناس فقل له حسنًا من القول)) .

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ ] 196- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أسْرى) . 197- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَإِنْ يأتوكم أسْرى تفدوهم) .1 = الحسن.
وقال آخر: ((الحُسْن)) هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن.
و ((الحَسَن)) هو البعض من معاني ((الحُسن)) . قال: ولذلك قال جل ثناؤه، إذ أوصى بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [سورة العنكبوت: 8] ، يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحُسن، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه، فقال: ((وقولوا للناس حَسَنًا)) ، يعني بذلك بعضَ معاني الحُسن.
قال أبو جعفر: والذي قاله هذا القائل في معنى ((الحسن)) بضم الحاء وسكون السين، غيرُ بعيد من الصواب، وأنه اسم لنوعه الذي سُمِّي به.
وأما ((الحَسَن)) فإنه صفة وقعت لما وصف به، وذلك يقع بخاص.
وإذا كان الأمر كذلك، فالصواب من القراءة في قوله: ﴿وقُولُوا للنَّاسِ حَسَنًا﴾ ، لأن القوم إنما أمروا في هذا العهد الذي قيل لهم: ((وقولوا للناس)) باستعمال الحَسَن من القول، دون سائر معاني الحسن الذي يكون بغير القول، وذلك نعتٌ لخاص من معاني الحُسن، وهو القول.
فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسين، على قراءته بضم الحاء وسكون السين.
اهـ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (1 / 212) وعزاه للمصنف فقط، لكن وقع هناك: ﴿وإن يأتوكم أسارى تفدوهم﴾ . قال أبو جعفر ابن جرير في "تفسيره" (2 / 310 - 312) : (واختلف القَرَأَةُ في قراءة قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تفدوهم﴾ ، فقرأه بعضهم: ((أسرى تَفْدُوهم)) ، وبعضهم ((أَسَارى تُفادُهم)) ، وبعضهم ((أَسَارى تَفدوُهم)) ، وبعضهم ((أسْرى تُفادوهم)) . قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك: ((وإِنْ يَأتوكم أسْرَى)) ، فإنه أراد جمع ((الأسير)) ، إذ كان على ((فعيل)) ، على مثال جَمْع أسماء ذوي العاهات التي يأتي واحدُها على تقدير ((فعيل)) ، إذ كان ((الأسر)) شبيهَ المعنى - في الأذى والمكروه الداخل على الأسير - ببعض معاني العاهات، وألحق جَمْع المستلحَق به بجمع ما وصفنا، فقيل: ((أسير وأسْرى)) ، كما قيل: ((مريض ومَرْضى)) ، وكسير وكَسرى، وجَريح وجَرحْى)) . وقال أبو جعفر: وأما الذين قرأوا ذلك ((أسَارى)) ، فإنهم أخرجوه على مخرج جمع ((فَعلان)) ، إذ كان جمع ((فَعلان)) الذي له ((فَعْلى)) قد يشارك جمع ((فعيل)) كما قالوا: ((سَكارى وسَكْرَى، وكَسالى وكَسلى)) ، فشبهوا ((أسيرًا)) - وجمعوه مرة ((أَسَارى)) ، وأخرى ((أَسْرى)) - بذلك.
وكان بعضهم يزعم أن معنى ((الأسرى)) مخالف معنى ((الأسارى)) ، ويزعم أن معنى ((الأسرى)) : استشار القوم بغير أسر من المستأسِر لهم، وأن معنى ((الأسارى)) معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بِأَسَرْهم وأخْذهم قهرًا وغلبةً.
قال أبو جعفر: وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب.
ولكن ذلك على ما وصفتُ من جمع ((الأسير)) مرة على ((فَعلى)) لما بينت من العلة، ومرة على ((فَعَالى)) ، لما ذكرت من تشبيههم جمعه بجمع ((سكران وكسلان)) وما أشبه ذلك.
وأولى بالصواب في ذلك قراءةُ من قرأ: (وإنْ يَأتوكم أسْرى) ، لأن ((فعالى)) =

198- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ حُميد 1 ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (أسْرى) . 199- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشيم، قَالَ: نا عَبَّاد بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ يقرأ: (أسَارى تُفَادُوهم) .23 = في جمع ((فعيل)) غيرُ مستفيض في كلام العرب، فإذْ كان ذلك غير مستفيض في كلامهم، وكان مستفيضًا فاشيًا فيهم جمعُ ما كان من الصفات - التي بمعنى الآلام والزمانة - وواحدُه على تقدير ((فعيل)) ، على ((فعلى)) ، كالذي وصفنا قبل، وكانَ أحد ذلك ((الأسير)) ، كان الواجب أن يُلحق بنظائره وأشكاله، فيجمع جَمعَها دون غيرها ممن خالفها.
وأما من قرأ ((تُفادُوهم)) ، فإنه أراد: إنكم تفدُونهم من أسْرهم، ويفدِي منكم - الذين أسروهم ففادوكم بهم - أسْراكم منهم.
وأما من قرأ ذلك ((تَفدوهم)) ، فإذا أراد: إنكم يا معشَر اليهود، إن أتاكم الذين أخرجتموهم منكم من ديارهم أسْرى فدَيْتموهم فاستنقذتموهم.
وهذه القراءةُ أعجب إليّ من الأولى - أعني: ((أسرى تُفادُوهم)) - لأن الذي على اليهود في دينهم فداء أسراهم بكل حال، فَدَى الآسرون أسْراهم منهم أم لم يفدوهم) . اهـ. قلت: والقراءة بغير ألف: (أَسْرى) هي قراءة حمزة، وسيأتي في الحديث الآتي أنها قراءة حميد الطويل.
وبإثباتها: (أسارى) هي قراءة الباقين، ومنهم الحسن البصري، كما سيأتي في الحديث [199] . وقرأ نافع وعاصم والكسائي: (تُفَادوهم) بالألف، وهي قراءة الحسن البصري كما سيأتي في الحديث [199] ، وقرأ الباقون: (تَفْدوهم) . انظر "حجة القراءات" (ص104 - 105) .

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ ] 200- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ الحدَّاد 1 ، عَنْ أَبِيهِ 2 ، (عَنْ) (3) سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس) قَالَ: (إِنَّهُ) (4) كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى.
= وذكره السيوطي في "الدر" (1 / 212) وعزاه للمصنف فقط.
وانظر التعليق على الحديث رقم [197] .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123 = عن ابن المسيب، وهو ثقة احتجّ به النسائي)) ، وذكره أيضًا في "الكاشف" (1 / 172 رقم 707) وقال: ((ثقة)) ، وعليه فقول الحافظ ابن حجر في "التقريب" (ص133 رقم 832) عن ثابت هذا: ((صدوق يهم)) غير وجيه لما تقدم.
وأما قول الأزدي: ((يتكلمون فيه)) فلا يلتفت إليه؛ بقول الحافظ ابن حجر في "التهذيب" (4 / 399) : ((وقول الأزدي لا عبرة به إذا انفرد)) ، ويقول في "هدي الساري" (ص386) : ((لا عبرة بقول الأزدي؛ لأنه ضعيف، فكيف يعتمد في تضعيف الثقات)) ويقول الذهبي في "الميزان" (3 / 523) بعد أن ذكر الأزدي: ((له كتاب كبير في الجرح والضعفاء عليه فيه مؤخذات)) ، ويقول في المرجع نفسه (1 / 5) : ((وأبو الفتح - يعني الأزدي - يُسْرف في الجرح، وله مصنف كبير إلى الغاية في المجروحين، جمع فأَوْعى، وجرح خلقًا بنفسه لم يسبقه أحد إلى التكلم فيهم، وهو المتكلَّم فيه)) ، ويقول أيضًا (ص61) : ((لا يتلفت إلى قول الأزدي، فإن في لسانه في الجرح رَهَقًا)) . اهـ.

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ ] 201- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ، قَالَ: هُوَ قَوْلُ الْأَعَاجِمِ إِذَا عَطِسَ أَحَدُهُمْ يُقَالُ لَهُ: زه هزار سال 1 - يَعْنِي: أَلْفَ سَنَةٍ -.2 = وأخرج البخاري في الموضع نفسه برقم (6153) ، ومسلم أيضًا برقم (153) كلاهما عن البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - يقول لحسان بن ثابت: ((اهجهم - أو: هاجهم - وجبريل معك)) . وهذا المعنى الذي ذكرت هو ما رجحه ابن جرير (2 / 321 - 322) ابن كثير (1 / 122 - 123) ، واستدلا على ذلك ببعض الأدلة، ذكر ابن كثير منها ما ذكرت آنفًا، وأما ابن جرير فقال: (وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: ((الروح)) في هذا الموضع: جبريل؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيّد عيسى به كما أخبر في قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: 110] ... ) إلخ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عن أبي معاوية، عن الأعمش ... ، فذكره، إلا أنه جاء عنده: (عشرة آلاف سنة) بدلاًَ من قوله: (يعني ألف سنة) . وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (2 / 263) من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية، به مثله، وعنده: (ده) بدلاً من قوله: (زه) . وهذا الحديث مما لم يسمعه الأعمش من سعيد بن جبير، لكن اختلف في الواسطة بينهما.
فأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (10 / 473 رقم 10029) . وابن أبي حاتم في "تفسيره" (1 / 287 رقم 953) . أما ابن أبي شيبة فعن عبد الله بن نمير مباشرة، وأما ابن أبي حاتم فمن طريق أبي سعيد الأشج وأحمد بن سنان وأبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ثلاثتهم عن ابن نمير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس، به نحوه، إلا أن ابن أبي شيبة لم يذكر قوله: (زه) ، ووقع عند ابن أبي حاتم: (عشرة آلاف سنة) . وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (2 / 263 - 264) من طريق قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ ، قال: هم هؤلاء أهل الكتاب، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ ، قال: هو قول أحدهم لصاحبه: هزار سال سرور مهرجان بخور.
وعلق مصحح "المستدرك" على هذه العبارة بقوله: ((يعني تمتع ألف سنة كمثل عيد مهرجان، هو يوم عيد لهم)) . ورواية ابن نمير أرجح من رواية قيس بن الربيع.
فقيس تقدم في الحديث [54] أنه صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به.
وأما عبد الله بن نمير، فتقدم في الحديث [97] أنه ثقة صاحب حديث، روى له الجماعة، ومع أن رواية ابن نمير أرجح، إلا أنها ضعيفة؛ لأن الأعمش لم يصرح بالسماع فيما بينه وبين مسلم البطين، وليس هذا الموضع من المواضع التي تحمل فيها روايته على السماع وإن لم يصرح به، على ما سبق بيانه في الحديث رقم [3] ، على أن هناك اختلافًا آخر على الأعمش.

[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ] 202- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وثَّاب: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَايِيلَ) . [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ ] 203- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ نَقْرَأُ: ﴿واتَّبِعُوا﴾ ، أو: (اتَّبَعُوا) ؟ قَالَ: هُمَا سَوَاءٌ، اقْرَأْ قِرَاءَتَكَ الأولى.1
= فالحديث أخرجه ابن جرير الطبري (2 / 372 رقم 1591) من طريق أبي حمزة السُّكَّري، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابن عباس، به.
وهذا لو صح عن الأعمش فهو ضعيف أيضًا؛ لأن الأعمش قد يحدث عن مجاهد تدليسًا ويسقط ثلاثة فيما بينه وبينه، وأحدهم متروك وهو الحسن بن عمارة.
انظر تفصيل ذلك في ترجمة الأعمش في الحديث رقم [3] . وعليه فالحديث باق على ضعفه، والله أعلم.

204- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا عَتَّاب بْنُ بَشير (1) ، قَالَ: نا خُصَيْف (2) ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ ، قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ إِذَا نَبَتَتِ الشَّجَرَةُ قَالَ: لأيِّ داءٍ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: لِكَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا نَبَتَتْ شَجَرَةُ الحُرْنُوبَة الشَّامي (3) ، قَالَ: لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: لِمَسْجِدِكَ أخَرِّبه، قَالَ: تُخَرِّبِيْنَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: بِئْسَ الشَّجَرَةُ أَنْتِ! فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ تُوُفِّيَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ فِي مَرْضَاهُمْ: لَوْ كَانَ لَنَا مِثْلُ سُلَيْمَانَ، فَأَخَذُوا الشَّيَاطِينَ، فَأَخَذُوا كِتَابًا، فَجَعَلُوهُ فِي مُصَلَّى سُلَيْمَانَ، فَقَالُوا: نَحْنُ نَدُلُّكُم عَلَى مَا كَانَ سُلَيْمَانُ يُدَاوي به،12 = (ص107 - 108) .

فَانْطَلَقُوا فَاسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ الْكِتَابَ، فَإِذَا فِيهِ سِحْرٌ وَرُقىً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ﴾ ، وَذَكَرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أبَيَّ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ - سَبْعَ مِرَارٍ -، فَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يَكْفُرَ عَلَّماه، فَيَخْرُجُ مِنْهُ نَارٌ - أَوْ نُورٌ - حَتَّى يَسْطَعَ فِي السَّمَاءِ، قَالَ: الْمَعْرِفَةُ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُ.1
= قول ابن عدي، يقول الإمام أحمد: ((أرجو أن لا يكون به بأس، روى بآخره أحاديث منكره، وما أرى أنها إلا من قبل خصيف)) ، وفي رواية: ((أحاديث عتاب عن خصيف منكرة)) ، ويقول ابن عدي: ((روى عن خصيف نسخة، وفي تلك النسخة أحاديث ومتون أنكرت عليه ... ، ومع هذا فإني أرجو أنه لا بأس به) . اهـ. من "الكامل" لابن عدي (5 / 1994) ، والموضع السابق من "التهذيب".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123 = ورواياته، إلا أن يروي عنه عبد العزيز بن عبد الرحمن، فإن رواياته عنه بواطيل والبلاء من عبد العزيز، لا من خصيف)) ، وذكره ابن حبان في المجروحين وقال: ((تركه جماعة من أئمتنا واحتجّ به جماعة آخرون.
وكان خصيف شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا، إلا أنه كان يخطئ كثيرًا فيما يروي، ويتفرد عن المشاهير بما لا يتابع عليه، وهو صدوق في روايته، إلا إن الإنصاف في أمره: قبول ما وافق الثقات من الروايات وترك ما لم يتابع عليه - وإن كان له مدخل في الثقات -، وهو ممن أستخير الله فيه)) ، واختُلف في سنة وفاته، فقيل: سنة ست وثلاثين ومائة، وقيل: سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وثلاثين ومائة، وقيل غير ذلك.
اهـ. من "المجروحين" (1 / 287) ، و"الكامل" لابن عدي (3 / 940 - 942) ، و"التهذيب" (3 / 142 - 144 رقم 275) ، و"التقريب" (ص193 رقم 1718) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فرواه سفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد، عنه، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس موقوفًا عليه.
وخالفهم إبراهيم بن طَهْمان، فرواه عنه مرفوعًا.
أما رواية سفيان بن عيينة، فأخرجها محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (1 / 225 رقم 207) ، فقال: حدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، ثنا سفيان، قال: حدثني عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: كان سليمان كلما صلى صلاة، رأى شجرة نابتة، فيقول: ما أنت يا شجرة؟ فتقول [في الأصل: فيقول] : أنا شجرة كذا وكذا، لداء كذا وكذا، فيأمر بها، فتقطع [في الأصل: فيقطع] ، ويكتب: شجرة كذا وكذا لداء كذا وكذا، فصلى ذات يوم، فإذا شجرة نابتة، فقال لها: ما أنت يا شجرة؟ قالت: أنا الخَرُّوبة، قال: لم يكن الله ليخرب هذا المسجد وأنا حي، فتوضأ، ولبس ثيابه، وأخذ عصاه، وقام يصلي، فقُبض عليها، فلبث على عصاه، فَدَأبُوا سنة وهم يحسبون أنه حي - يعني الجن -، فأكلتها الأرضة، فشكرت الجن الأرَضَة، فلا تجدها في مكان، إلا وجدت عندها نَدَى.
وهذا إسناد صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما.
أما سعيد بن جبير فتقدم في الحديث [41] أنه ثقة ثبت فقيه.
وأما عطاء بن السائب، فتقدم في الحديث [6] أنه ثقة اختلط في آخر عمره، لكن الراوي عنه هنا هو سفيان بن عيينة، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط.
وسفيان بن عيينة تقدم في الحديث [7] أنه ثقة حافظ فقيه إمام حجّة.
والراوي عن سفيان هو شيخ المروزي: عبيد الله بن سعيد بن يحيى اليَشْكُري؛ أبو قُدامة السَّرَخْسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سُنِّي، كما في "التقريب" (ص371 رقم 4296) ، روى عن سفيان بن عيينة وعبد الله بن نمير وحماد بن زيد ويحيى القطّان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع وغيرهم، روى عنه البخاري ومسلم والنسائي وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم، وروى عنه هنا =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = محمد بن نصر، قال أبو حاتم عن عبيد الله هذا: ((كان من الثقات)) ، ووثقه أبو داود، وقال النسائي: ((ثقة مأمون، قلّ من حكتبنا عنه مثله)) ، وقال إبراهيم بن أبي طالب: ((ما قدم علينا أثبت منه ولا أتقن)) ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ((هو الذي أظهر السنة بَسَرخْس ودعا إليها)) ، وقال ابن عبد البر: ((أجمعوا على أنه ثقة)) ، وكانت وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين.
اهـ. من "الجرح والتعديل" (5 / 317 رقم 1507) ، و"التهذيب" (6 / 16 - 17 رقم 31) . وأخرجه البزار في "مسنده" (3 / 106 رقم 2356 / كشف الأستار) من طريق شيخه أحمد بن أبان، ثنا سفيان بن عيينة ... ، فذكره.
وأما رواية جرير بن عبد الحميد، فأخرجها الحاكم في "المستدرك" (2 / 423) من طريق أبي غسّان محمد بن عمرو الطيالسي، عن جرير، عن عطاء، به، ولفظ سفيان السابق أتمّ منه.
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ، ووافقه الذهبي.
وأما رواية إبراهيم بن طَهْمان، فأخرجها: البزار في "مسنده" (3 / 106 رقم 2355 / كشف الأستار) . وابن جرير الطبري في "تفسيره" (22 / 74 / طبعة الحلبي) . وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" (3 / 529) . والطبراني في "المعجم الكبير" (11 / 451 - 452 رقم 12281) . جميعهم من طريق إبراهيم بن طهمان، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عباس، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -، به نحو لفظ سفيان السابق، مع بعض الاختلاف والزيادة.
قال البزار بعد أن رواه: ((لا نعلم أسنده إلا إبراهيم، وقد رواه جماعة عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عباس موقوفًا)) . قال ابن كثير في الموضع السابق من "تفسيره": ((في رفعه غرابة ونكارة والأقرب أن يكون موقوفًا)) . =

205- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا عَتّاب بْنُ بَشير، عَنْ خُصَيْف، قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُجَاهِدٍ، فَمَرَّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُ مُجَاهِدٌ: حدِّثنا مَا سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ حِينَ جَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَى أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ وَمَا يَرْكَبُونَ مِنَ الْمَعَاصِي الْخَبِيثَةِ - وَلَيْسَ يَسْتُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ شَيْءٌ-، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا إِلَى بني آدم كيف12 = وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (8 / 207 - 208) بعد أن عزاه للطبراني والبزار: ((فيه عطاء وقد اختلط، وبقية رجالهما رجال الصحيح)) . قلت: رواية من رواه موقوفًا أصح؛ لأن ممن رواه عن عطاء: سفيان بن عيينة، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، وأما إبراهيم بن طهمان فلم يُذكر ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط، وقد روي عن سعيد بن جبير وعن ابن عباس موقوفًا من غير طريق عطاء كما سيأتي.
ب- طريق سلمة بن كهيل، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس موقوفًا عليه بنحو سياق سفيان بن عيينة السابق.
أخرجه الحسين بن الحسن المروزي في "زوائده على الزهد لابن المبارك" (ص378 - 379 رقم 1072) .

يَعْمَلُونَ كَذَا وَكَذَا، مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى اللَّهِ! يُعِيبُونَهُمْ بِذَلِكَ.
فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ: قَدْ سَمِعْتُ الَّذِي تَقُولُونَ فِي بَنِي آدم، فاختاروا منكم ملكين [ل112/أ] أهْبِطُهُما إِلَى الْأَرْضِ، وَأَجْعَلْ فِيهِمَا شَهْوَةَ بَنِي آدَمَ.
فَاخْتَارُوا هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَقَالُوا: يَا رَبِّ، لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُمَا، فأهْبِطا إِلَى الْأَرْضِ، وجُعِل فِيهِمَا شَهْوَةَ بَنِي آدَمَ، ومُثّلَت لَهُمَا الزَّهرة فِي صُورَةِ امْرَأَةٍ، فَلَمَّا نَظَرَا إِلَيْهَا، لَمْ يَتَمَالَكَا أَنْ تَنَاوَلَا مِنْهَا مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَأَخَذَتِ الشَّهْوَةُ بِأَسْمَاعِهِمَا وَأَبْصَارِهِمَا، فَلَمَّا أَرَادَا أَنْ يَطِيرَا إِلَى السَّمَاءِ، لَمْ يَسْتَطِيعَا، فَأَتَاهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ: إِنَّكُمَا قَدْ فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا، فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا، أَوْ عَذَابَ الْآخِرَةِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرَ: مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ أعذَّب فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أعذَّب، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعَذَّبَ سَاعَةً وَاحِدَةً فِي الْآخِرَةِ، فَهُمَا مُعلَّقان مُنكَّسان فِي السلاسل، وجُعلا فتنة.
= حدثهم بالحديث، وانظر الكلام مفصلاً عن قصة هاروت وماروت في الحديث الآتي.
وهذا الحديث ذكره السيوطي في "الدر" (1 / 243) من رواية المصنف سعيد بن منصور فقط، ولفظه هنا سواء، إلا أنه قال: (لقد سمعت) بدلاً من قوله: (قد سمعت) .

206- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا شِهَابُ بْنُ خِرَاش 1 ، عَنِ العَوَّام بْنِ حَوْشب، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ - أَحْسَبُهُ قَالَ: فِي سَفَرٍ - فَقَالَ لِي: ارْمُق (2) الْكَوْكَبَةَ، فَإِذَا طَلَعَتْ أَيْقِظْنِي، فَلَمَّا طَلَعَتْ أَيْقَظْتُهُ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَسُبُّهَا سَبًّا شَدِيدًا، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَجْمًا سَامِعًا مُطِيعًا، مَا لَهُ يُسَبُّ؟ فَقَالَ: هَا، إِنَّ هَذِهِ كَانَتْ بَغِيًّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَقِيَ المَلَكان مِنْهَا مَا لقيا.

جارٍ التحميل