التفسير من سنن سعيد بن منصور - محققاصفحات 326-365

القسم الثاني

صفحات 326-365
عن هذه الطبعة
عَلَم
سعيد بن منصور
الكتاب
التفسير من سنن سعيد بن منصور - محققا
المؤلف
أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني (المتوفى: 227هـ)دراسة وتحقيق: د سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد
الناشر
دار الصميعي للنشر والتوزيع
الطبعة
الأولى، 1417 هـ - 1997 م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي التحقيق]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = انظر "تاريخ بغداد" (6 / 302 - 303 رقم 3344) ، و"سير أعلام النبلاء" (5 / 440 رقم 250) . وشيخ البيهقي هو أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران الأموي، المعدل، شيخ عالم مسند صدوق ثبت، قال الخطيب: ((كان صدوقًا ثقة ثبتًا حسن الأخلاق، تام المرؤة، ظاهر الديانة)) . انظر "تاريخ بغداد" (12 / 98 - 99 رقم 6527) ، و"سير أعلام النبلاء" (17 / 311 - 312 رقم 189) . وعليه فمن خلال ما تقدم يترجح أن الحديث صحيح لغيره مرفوعًا بمجموع هذه الروايات الثلاث، لكن يشكل عليه إعلال الأئمة للمرفوع، وترجيح بعضهم للموقوف، ومنهم البخاري والترمذي كما سبق.
وقال الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص243) : ((قال أحمد: هو منكر، وأنكره ابن معين أيضًا ... )) ، ثم ذكر إعلال أبي حاتم للحديث بالإرسال، وقال: ((قلت: وقد روي عن سليمان من قوله من وجوه أُخر ... ، ورواه صالح [في الأصل: أبو صالح] المرِّي، عن الجُرَيري، عن أبي عثمان النهدي، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وأخطأ في إسناده)) . اهـ. وعليه يتضح أن الحديث أُعِلّ على أربعة أوجه: 1- أعلّه أبو حاتم بأنه عن أبي عثمان النَّهْدي، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - مرسلاً.
2- أعلّه العقيلي بأنه عن الحسن البصري، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - مرسلاً.
3- أعلّه البخاري والترمذي بالوقف على سلمان.
4- أعلّه الإمام أحمد وابن معين بالنكارة.
واختلاف هؤلاء الأئمة في إعلال الحديث يدل على أنه ليس له علة ظاهرة.
أما ما ذكره العقيلي من أن الصواب في الحديث أنه عن الحسن البصري، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - مرسلاً، فهذا ليس بشيء؛ لأن الحديث من طريق الحسن البصري لا علاقة له بحديث سلمان، بل هو طريق مستقلّ.
وأما إعلال =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أبي حاتم له بأنه عن أبي عثمان النهدي، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - مرسلاً، فهو معارض بما ذكره البخاري والترمذي: من أن الصواب فيه أنه عن أبي عثمان، عن سلمان موقوف عليه، فبأي هذين نأخذ؟ مع أنه قد روي عن سلمان من غير طريق أبي عثمان كما سبق، وله شواهد كما سيأتي.
وعليه، فالذي يظهر أن العلة الأقوى: ما ذكره ابن رجب عن الإمام أحمد وابن معين أنهما أعلاَّ الحديث بالنكارة، فهذا إن ثبت عنهما، فإنما هو لما قد يفهم من الحديث من قَصْر الحِلِّ والحُرْمة على القرآن فقط، وعدم ذكر السنة، وهذا مخالف لصريح القرآن؛ حيث يقول سبحانه: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الآية: (7) من سورة الحشر] ، إلى غير ذلك من الأدلة.
لكن يمكن أن يجاب عن ذلك، فنقول: إن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الحلال ما أحل الله في كتابه ... )) إلخ، ليس مقصورًا على القرآن فقط، بل إن لفظ: ((الكتاب)) يشمل جميع ما أوحي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - من القرآن والسنة معًا؛ لأن ما أوحي إليه - صلى الله عليه وسلم - نوعان: أحدهما: وحي يتلى، والآخر: وحي لا يتلى كما نقل ذلك الدكتور عبد الغني عبد الخالق عن البيهقي.
انظر "حجية السنة" (ص479) . ويمكن أن يقال أيضًا: إنه لو كان المراد بكتاب الله: القرآن، فإن السنة داخلة فيه، منصوص عليها فيه كما في الآية السابقة، وهناك من الأدلة ما يؤيد هذا المعنى.
فمن ذلك ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (8 / 620 رقم 4886) في التفسير، باب: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ . ومسلم في "صحيحه" (3 / 1678 رقم 120) في اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة.
كلاهما من طريق علقمة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: لعن الله =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمِّصات، والمتفلِّحات للحسن، المغيِّرات خلق الله.
فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب - وكانت تقرأ القرآن -، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك: أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: ومالي ألعن من لعن رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -، وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه؛ قال الله عز وجل: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا﴾ ... ، الحديث.
وانظر تفصيل ذلك في "حجية السنة" للدكتور عبد الغني عبد الخالق (ص387 - 388، و 479 - 480) . وللحديث ثلاثة شواهد مرفوعة، وآخر موقوف.
أما المرفوعة، فالأول من حديث أبي الدرداء، والثاني من حديث ابن عمر، والثالث من حديث جابر وأما الموقوف، فعن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
1- حديث أبي الدرداء يرفعه إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - قال: ((ما أحلّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسَ شيئًا، ثم تلا هذه الآية: ﴿وما كان ربك نسيًّا﴾ [الآية (64) من سورة مريم] . وأخرجه البزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" (1 / 78 رقم 123) و (3 / 58 و 325 رقم 2231 و 2855) . والحاكم في "المستدرك" (2 / 375) . ومن طريقه البيهقي في الموضع السابق من "سننه" (10 / 12) . أما البزار فمن طريق إسماعيل بن عياش، وأما الحاكم فمن طريق أبي نعيم، كلاهما عن عاصم بن رجاء بن حَيْوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء، به.
=

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال البزار: ((لا نعلمه يروى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم - إلا بهذا الإسناد، وعاصم بن رجاء حدث عنه جماعة، وأبوه روى عن أبي الدرداء غير حديث، وإسناده صالح؛ لأن إسماعيل قد حدّث عنه الناس)) . وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ، وأقرّه الذهبي.
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7 / 55) وعزاه للبزار وقال: ((رجاله ثقات)) . وذكره في موضع آخر من "المجمع" (1 / 171) وقال: ((رواه البزار والطبراني في "الكبير"، وإسناده حسن ورجاله موثّقون)) . وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (5 / 531) وعزاه أيضًا لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية.
وذكر الشيخ الألباني في "غاية المرام" (ص14 - 15) تصحيح الحاكم لهذا الحديث وموافقة الذهبي، ثم قال: ((إنما هو حسن فقط، فإن جاء رجاء بن حيوة قال فيه ابن معين: صويلح، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في "الميزان": ويقال تكلم فيه ابن قتيبة)) . 2- حديث ابن عمر قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - عن الجبن والسمن والفراء، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه)) . أخرجه ابن عدي في "الكامل" (7 / 2481) ، من طريق نعيم بن مورِّع العنبري، عن ابن جريج، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، به.
وسنده ضعيف جدًّا؛ فنعيم بن مورِّع بن توبة العنبري البصري هذا اتهمه ابن عدي بسرقة الحديث.
3- حديث جابر مثل حديث أبي الدرداء.
أخرجه ابن مردوية كما في "الدر المنثور" (5 / 531) . 4- حديث ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون =

95- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا حُصين، عَنْ عَبْدِ الله بن [ل108/ب] عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ 1 قَالَ: قُلْتُ لجدَّتي أسماء: كيف كان = أشياء تقذُّرًا، فبعث الله تعالى نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل كتابه، وأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرمًا﴾ إلى آخر الآية [145من سورة الأنعام] . أخرجه أبو داود في "سننه" (4 / 157 رقم 3800) في الأطعمة، باب ما لم يُذكر تحريمه.
والحاكم في "المستدرك" (4 / 115) . وابن مردوية كما في "تفسير ابن كثير" (2 / 184) . أما أبو داود فمن طريق محمد بن داود بن صبيح، وأما لحاكم وابن مردوية فمن طريق أحمد بن حازم الغفاري، كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أبي الشعثاء، عن ابن عباس، به.
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)) ، وسكت عنه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (3 / 372) وعزاه أيضًا لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

يَصْنَعُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم إذا قرأوا الْقُرْآنَ؟ (قَالَتْ) 1 : كَانُوا كَمَا نَعَتَهُمُ 2 اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ، وَتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ 3 ، قُلْتُ: فَإِنَّ نَاسًا هَاهُنَا إِذَا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهُمْ عَلَيْهِ غَشْية، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ من الشيطان!.4
= أبو حاتم والنسائي والدارقطني، وزاد: ((أحد الأثبات)) ، وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال الزبير بن بكار: ((كان له عقل وحزم ولسان وفضل وشرف، وكان يشبه عبد الله بن الزبير في لسانه)) . اهـ. من "الجرح والتعديل" (5 / 133 رقم 618) ، و"سؤالات البرقاني للدارقطني" (ص41 رقم 265) ، و"التهذيب" (5 / 319 - 321 رقم 546) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لفظه، إلا أنه زاد في آخر قوله: ((الرجيم)) . وقال الشاطبي في "الاعتصام" (1 / 275 - 276) : ((وخرّج سعيد بن منصور في تفسيره عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بن الزبير قال....)) ، فذكره بمثله، إلا أنه لم يذكر قوله: ((يصنع)) و: ((عز وجل)) ، وقال: ((إن ناسًا)) بدل قوله: ((فإن ناسًا)) ، وزاد في آخر قوله: ((الرجيم)) . وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (7 / 222) وعزاه للمصنِّف وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وابن عساكر.
وأخرجه ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص281) ، وفي القصّاص والمذكرين (ص147) ، في كلا الموضعين من طريق خالد بن عبد الله الواسطي، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قال: قلت لأسماء ... ، فذكره بنحوه هكذا على أن السائل هو حصين، وحصين لم يذكر في ترجمته في "تهذيب الكمال" المطبوع (6 / 519 - 520) وغيره أنه روى عن أسماء، فالظاهر أن رواية ابن الجوزي سقط منها ذكر عبد الله بن عروة، والله أعلم.
وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص145 رقم 367) من طريق عكرمة، قال: سُئلت أسماء: هل أحد من السلف يغشى عليه من الخوف؟ فقالت: لا، ولكنهم كانوا يبكون.
وهذه الصفة التي أنكرتها أسماء رضي الله عنها مما يحصل لبعض الناس من الصعق ونحوه، صفة ظهرت من بعض من يدّعون الزهد والصلاح، ولم تكن معروفة من قبل، وأنكرتها أسماء رضي الله عنها كما أنكرها غيرها من الصحابة.
قال الشاطبي - رحمه الله - في "الاعتصام" (1 / 276 - 279) : [وخرّج أبو عبيد من حديث أبي حازم قال: مرّ ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط والناس حوله، فقال: ((ما هذا؟)) فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن، أو سمع الله يُذكر، خرّ من خشية الله قال ابن عمر: ((والله إنا لنخشى الله ولا نسقط)) ، وهذا إنكار.
وقيل لعائشة رضي الله عنها: إن قوماً إذا سمعوا القرآن يغشى عليهم.
فقالت: إن القرآن أكرم =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = من أن تنزف عنه عقول الرجال، ولكنه كما قال الله تعالى: ﴿تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن القوم يُقرأ عليهم القرآن فيصعقون، فقال: ذلك فعل الخوارج.
وخرّج أبو نعيم (عن عامر بن عبد الله بن الزبير) قال: جئت أبي، فقال: أين كنت؟ فقلت: وجدت أقواماً يذكرون الله فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله فقعدت معهم، فقال: ((لا تقعد بعدها)) . فرآني كأنه لم يأخذ ذلك فيّ فقال: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - يتلو القرآن.
ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن، فلا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشع لله من أبي بكر وعمر)) ، فرأيت ذلك كذلك فتركتهم، وهذا بأن ذلك كله تعمُّل وتكلُّف لا يرضى به أهل الدين.
وسئل محمد بن سيرين، عن الرجل يُقرأ عنده فيصعق، فقال: ميعاد ما بيننا وبينه أن يجلس على حائط ثم يُقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن وقع فهو كما قال....، وقد صحّ من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: وعظنا رسول صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب....، الحديث.
فقال الإمام الآجري العالم السنّي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ميِّزوا هذا الكلام؛ فإنه لم يقل: صرخنا من موعظته، ولا طرقنا على رؤوسنا، ولا ضربنا على صدورنا، ولا زفنّا ولا رقصنا -، كما يفعل كثير من الجهال، يصرخون عند المواعظ ويزعقون، ويتناشون - قال: وهذا كله من الشيطان يلعب بهم، وهذا كله بدعة وضلالة، ويقال لمن فعل هذا: اعلم أنَّ النَّبِيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم أصدق الناس موعظةً، وأنصح الناس لأمته، وأرقّ الناس قلبًا، وخير الناس من جاء بعده، لا يشك في ذلك عاقل، ما صرخوا عند موعظته ولا زعقوا ولا رقصوا ولا زفنوا، ولو كان هذا صحيحاً لكانوا أحق الناس به أن يفعلوه بين يدي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم، ولكنه بدعة وباطل ومنكر فاعلم ذلك)) ] . اهـ.، والعبارة التي بين القوسين فيما نقل الشاطبي عن أبي نعيم صوَّبتُها من "الحلية" (3 / 167) .

96- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا هُشَيْمٌ، قَالَ: نا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: يُسرى بِالْقُرْآنِ لَيْلًا، فَيُرْفَعُ مِنْ أَجْوَافِ الرِّجَالِ، فَيُصْبِحُونَ لَا يَصْدُقون حَدِيثًا، وَلَا يُصْدِقون 1 النِّسَاءَ، يَتَسَافَدُون 2 تسافُدَ الْحَمِيرِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ.3

97- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، قَالَ: نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ 1 ، سَمِعَ شَدّاد بْنَ مَعْقِل (2) ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ: الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى الصَّلَاةُ، وَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ أَوْشَكَ أَنْ يُرْفَعَ.
قَالُوا: وَكَيْفَ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِنَا، وَأَثْبَتْنَاهُ فِي الْمَصَاحِفِ؟! قَالَ: يُسرى عَلَيْهِ لَيْلًا، فَيَذْهَبُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، وَيُرْفَعُ مَا فِي الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ (3) . = لذلك.
والهَرْجُ - بإسكان الراء -: الجماع، يقال: هَرَج زوجته: أي جامعها، يهرجها - بفتح الراء، وضمّها، وكسرها)) . اهـ. وفي "النهاية في غريب الحديث" (5 / 257) : ((الهَرْجُ: كثرة النكاح، يقال: بات يَهْرُجُها لَيْلَتَه جَمْعاء)) . اهـ. وله شاهد من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - يرفعه: ((والذي نفسي بيده، لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريتها وراء هذا الحائط)) . أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (11 / 43 - 44 رقم 6183) . وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7 / 331) : ((رجاله رجال الصحيح)) . وله شواهد أُخر بهذا المعنى ذكرها الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" في تخريج الحديث رقم (481) وصحح الحديث بمجموعها بلفظ: ((لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير)) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234 = وابن معين وأبو حاتم والعجلي والنسائي.
انظر "الجرح والتعديل" (5 / 381 رقم 1782) ، و"التهذيب" (6 / 337 - 338 رقم 649) ، و"التقريب" (ص357 رقم 4095) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وللحديث طرق أُخر عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ.
فأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (3 / 362 رقم 5980) من طريق سفيان الثوري.
ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في "الكبير" (9 / 153 رقم 8698) . وأخرجه الطبراني أيضًا (9 / 153 و 361 - 362 رقم 8699 و 9562) . والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (ص28) . كلاهما من طريق الثوري.
وأخرجه عبد الرزاق (3 / 363 رقم 5981) من طريق إسرائيل.
ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني أيضًا (9 / 153 رقم 8700) . ومن طريق الطبراني أخرجه الضياء المقدسي في "اختصاص القرآن" (ص37 رقم 19) . وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (10 / 534 - 535 رقم 10242) و (14 / 93 رقم 17683) و (15 / 175 - 176 رقم 19431) من طريق أبي الأحوص.
وأخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" (ص117 رقم 367) من طريق زهير.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (6 / 289) من طريق شعبة.
وجميع هؤلاء - الثوري، وإسرائيل، وأبو الأحوص، وزهير، وشعبة، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، به، وبعضهم رواه بنحوه، وبعضهم روى بعض أجزائه.
وأخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (15 / 158 / طبعة الحلبي) من طريق أبي بكر بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بن رفيع، به نحوه ولم يذكر الصلاة والأمانة، وفي المطبوع من تفسير الطبري خطأ في الإسناد؛ حيث جعل بندارًا شيخًا لعبد العزيز بن رفيع! =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = وأخرجه الضياء المقدسي في "اختصاص القرآن" (ص35 - 36 رقم 18) . من طريق فضيل بن عياض، عن عبد العزيز به نحوه.
ب- طريق المسيّب بن رافع، عن شدّاد.
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (3 / 362 رقم 5980) من طريق سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، عن أبيه، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ شداد بن معقل، به نحوه، إلا أنه لم يذكر الصلاة والأمانة.
ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في "الكبير" (9 / 153 رقم 8698) . وأخرجه الطبري في "تفسيره" (15 / 158) من طريق إسحاق بن يحيى، عن المسيب بن رافع، به، لكن سقط من سنده شداد بن معقل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = وأما أبو إسحاق الشيباني، فاسمه: سليمان بن أبي سليمان، الكوفي، وهو يروي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أوفى بن حبيش وأبي الزناد وعكرمة وإبراهيم النخعي وغيرهم، روى عنه شعبة والثوري وابن عيينة، وهشيم وعلي بن مسهر وغيرهم، واختلف في وفاته، فقيل: سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: ثمان وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة، وهو ثقة روى له الجماعة كما في "التقريب" (252 رقم 2568) ، قال ابن معين: ((ثقة حجّة)) ، وقال أبو حاتم: ((صدوق ثقة صالح الحديث)) ، ووثقه العجلي والنسائي، وقال ابن عبد البر: ((هو ثقة حجة عند جميعهم)) . اهـ. من "الجرح والتعديل" (4 / 135 رقم 592) ، و"التهذيب" (4 / 197 - 198 رقم 334) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = و"الكامل" لابن عدي (4 / 1549) ، و"التهذيب" (6 / 61 رقم 119) ، و"التقريب" (ص327 رقم 3677) . وسلمة بن كهيل الحضرمي، أبو يحيى الكوفي، يروي عن أبي جُحيفة وجندب بن عبد الله وابن أبي أوفى والشعبي وإبراهيم التيمي وخاله أبي الزعراء وغيرهم، روى عنه سعيد بن مسروق الثوري وابنه سفيان الثوري والأعمش وشعبة وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهم، وكانت ولادته سنة سبع وأربعين للهجرة، ووفاته سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وعشرين ومائة، وهو ثقة روى له الجماعة كما في "التقريب" (ص248 رقم 2508) ، وثقه ابن معين، وقال أحمد: ((متقن الحديث)) ، وقال ابن سعد: ((كان ثقة كثير الحديث)) ، وقال العجلي: ((تابعي ثقة ثبت في الحديث، وكان فيه تشيع قليل، وهو من ثقات الكوفيين)) ، وقال أبو زرعة: ((ثقة مأمون ذكي)) ، وقال أبو حاتم: ((ثقة متقن)) ، وقال النسائي: ((ثقة ثبت)) ، وكذا قال يعقوب بن شيبة وزاد: ((على تشيّعه)) . اهـ. من "الجرح والتعديل" (4 / 170 - 171 رقم 742) ، و"التهذيب" (4 / 155 - 157 رقم 269) . ومالك بن مِغْوَل - بكسر أوّله، وسكون المعجمة، وفتح الواو -، البجلي، أبو عبد الله الكوفي، يروي عن أبي إسحاق السبيعي ونافع مولى ابن عمر والحكم بن عتيبة وغيرهم، روى عن شعبة والثوري وابن عيينة ومسعر وابن نمير وغيرهم، وكانت وفاته سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وخمسين ومائة، ولم أجد من نصّ على أنه سمع من سلمة بن كهيل، وسماعه منه محتمل، فكلاهما كوفي، وقد تعاصرا كما يتضح من سنه وفاتيهما، ومالك هذا ثقة ثبت روى له الجماعة كما في "التقريب" (ص518 رقم 6451) ، وثقه أبو نعيم الفضل بن دكين وابن معين وأبو حاتم والنسائي، وقال الإمام أحمد: ((ثقة ثبت في الحديث)) ، وقال ابن سعد: ((كان ثقة مأمونًا كثير الحديث، فاضلاً خيّرًا)) . اهـ. من "الجرح والتعديل" (8 / 215 - 216 رقم 961) ، و"التهذيب" (10 / 22 - 23 رقم 35) . =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12 = وشيخ ابن أبي شيبة: عبد الله بن نُمير - بنون، مصغّر -، الهمداني، الخارفي، أبو هشام الكوفي روى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ والأعمش وهشام بن عروة والأوزاعي ومالك بن مغول وغيرهم، روى عنه ابنه محمد والإمام أحمد وابن المديني وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة وغيرهم، وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة، وهو ثقة صاحب حديث، من أهل السنة، روى له الجماعة كما في "التقريب" (ص327 رقم 3668) . فقد وثقه ابن معين، وقال ابن سعد: ((كان ثقة كثير الحديث، صدوق)) ، وقال العجلي: ((ثقة صالح الحديث صاحب سنّة)) . اهـ. من "الجرح والتعديل" (5 / 186 رقم 869) ، و"التهذيب" (6 / 57 - 58 رقم 109) .

98- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ 1 ، عَنْ حُميد الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِذَا تَثَاءَبْتَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ، فَأَمْسِكْ عَنِ الْقِرَاءَةِ حتى يذهب عنك.2
= ابن لهيعة، فإنه ضعيف كما تقدم في الحديث [45] . والحديث أشار له البخاري في ترجمة ناجية من "تاريخه" (8 / 107 - 108) . وعليه فالحديث بمجموع هذه الطرق صحيح لغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه والله أعلم.

99- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ 1 ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ رُبَّمَا قَرَأَ - وَقَوْمٌ نِيَامٌ -، فَيَجِدُ الرِّيحَ، فَيُمْسِكُ عن القراءة حتى تذهب.
= وقول: ((عثمان بن أبي الأسود)) ، و: ((حميد بن هلال)) خطأ لعلّه من النساخ، والصواب كما في إسناد المصنِّف والآجري.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الإرجاء، كثير البغض لمن انتحل السنن)) . وقال ابن عدي: ((في بعض رواياته ما لا يتابع عليه)) . اهـ. من "الجرح والتعديل" (5 / 394 رقم 1830) ، و"المجروحين" (2 / 136 - 138) ، و"الكامل" (5 / 1928 - 1929) ، و"التهذيب" (6 / 338 - 339 رقم 650) . قلت: عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ كان يرى الإرجاء، وهو مخطئ في رأيه، ولو أن كل من رأى رأيًا من الآراء المبتدعة التي لا تخرج صاحبها من دائرة الإسلام تركنا حديثه لما بقي لنا إلا القليل من الأخبار ولذا فكلام يحيى القطان - رحمه الله - الذي سبق نقله هو الأليق بحال الرجل، وأما كلام الإمام أحمد فغايته أن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ليس في التثبت مثل غيره كشعبة وسفيان ونحوهما، ومع ذلك فهو ثقة.
وأما ابن حبان فتشدده وتسرّعه في جرح الرواة معروف، وقول مخالف بأقوال الأئمة الذين مرّ ذكرهم، ومع ذلك فلا يستطيع أن يُثبت سوى الإرجاء، وأما قوله عنه بأنه كثير البغض لمن انتحل السنن، فقد استَدلّ عليه بحكاية أوردها من طريق راوٍ مبهم، فهل من الإنصاف أن يلصق بالرجل نقل عن مبهم لا يُدرى من هو؟ وأما الأحاديث الموضوعة التي ذكر أن عبد العزيز رواها عن نافع، فقد ردّ عليه الذهبي في "السير" (7 / 187) بقوله: ((قلت: الشأن في صحة إسنادها إلى عبد العزيز، فعللها قد أُدخلت عليه)) ، وعلى هذا يحمل أيضًا كلام الدارقطني وابن الجنيد وابن عدي، فإن الحافظ الذهبي - رحمه الله - في "الميزان" (2 / 628 - 629) ذكر حديثًا من الأحاديث التي أوردها ابن عدي في ترجمة عبد العزيز في "كامله" مما يُنتقد عليه، فرد عليه الذهبي بقوله: ((هذا من عيوب كامل ابن عدي؛ يأتي في ترجمة الرجل بخبر باطل لا يكون حدّث به قط، وإنما وُضع من بعده، فهذا خبر باطل وإسناد مظلم، وابن المغيرة ليس بثقة، وأما ابن حبان فبالغ في تنقُّص عبد العزيز وقال ... )) . اهـ.

100- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا سُفْيَانُ، عَنْ زُرْزُر (1) ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا سَأَلَ عَطَاءً، قَالَ: أَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَخْرُجُ الرِّيحُ مِنِّي، فَقَالَ: أَمْسِكْ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى تَذْهَبَ عَنْكَ.123

101- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا شَرِيكٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ، أَوْ قالوا: المصحف.1

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأبو حنيفة، وليث بن أبي سليم، وأيوب السختياني، وزائدة، وابن عيينة، وأحمد بن خراش، والجوزجاني، وابن معين، وفي رواية عن ابن معين: ((لا يكتب حديثه، ولا كرامة)) . وقال إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ: قَالَ الشعبي لجابر: ((لا تموت حتى تكذب عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم -)) . قال إسماعيل: ((فما مضت الأيام والليالي حتى اتهم بالكذب)) . قلت: أما غلوّه في الرفض فلم أجد من يخالف فيه، وكذا تدليسه.
وأما أرجح الأقوال في الحكم عليه، فالذي ترجح لي ما اختاره الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (2 / 4) حيث قال عنه: ((ضعيف جدًّا)) ، وهو رأي ابن سعد فيه حيث قال: ((كان يدلس، وكان ضعيفًا جدًّا في رأيه وروايته)) ، وهو بمعنى ما اختاره النسائي حيث قال: ((متروك الحديث)) ، وقال يحيى القطان: ((تركنا حديث جابر قبل أن يقدم علينا الثوري)) ، وقال الإمام أحمد: ((تركه يحيى وعبد الرحمن)) ، وقال أبو أحمد الحاكم: ((ذاهب الحديث، يؤمن بالرجعة، اتهم بالكذب)) . انظر "الضعفاء" للعقيلي (1 / 191 - 196) ، و"الكامل" لابن عدي (2 / 537 - 543) ، و"تهذيب الكمال" المطبوع (4 / 466) ، و"التهذيب" (2 / 46 - 51 رقم 75) . وهذا الأثر متضمن لمسألة مس المصحف لغير المتوضئ، وهي من المسائل التي طال الخلاف فيها، وقد ورد فيها أحاديث مرفوعة تجد الكلام عنها مفصّلاً في "سنن الدارقطني" (1 / 121 - 124) ، و"المحلى" لابن حزم (1 / 107 - 111) ، و"نصب الراية" للزيلعي (1 / 196 - 199) ، و"الدارية" (1 / 86 - 88) ، و"التلخيص الحبير" (1 / 140) كلاهما لابن حجر، و"إرواء الغليل" (1 / 158 - 161) ، ولا يصحّ منها شيء، عدا حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فإنه اختُلف فيه، فالدارقطني في الموضع السابق من سننه رجّح أنه مرسل رجاله ثقات، وذهب بعضهم إلى أن هذا المرسل عبارة عن كتاب، وأنه صحيح، قال ابن عبد البر: ((إنه أشبه المتواتر لتلقّي الناس له بالقبول)) ، وقال يعقوب بن سفيان: ((لا أعلم = 102- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا فُضَيْلٌ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ 1 ، قَالَ: كَتَبَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِمُجَاهِدٍ مُصْحَفًا، فَأَعْطَاهُ خمسمائة درهم.
= كتابًا أصحّ من هذا الكتاب، فإن أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - يرجعون إليه ويَدَعون رأيهم)) ، وقال الحاكم: ((قد شهد عمر بن عبد العزيز والزهري لهذا الكتاب بالصحة)) ، وقد صححه أيضًا الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، واحتجّ به الإمام أحمد كما في "إرواء الغليل" (1 / 161) نقلاً عن مسائل إسحاق المروزي وفوائد أبي شعيب.
ويعضد هذا المرسل باقي الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها والتي لا يخلو شيء منها من مقال، وبعض الآثار عن بعض الصحابة، ومنها: ما رواه الدارقطني وصححه (1 / 124 رقم 10) ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عن سلمان، قال عبد الرحمن: كنا معه في سفر، فانطلق، فقضى حاجته، ثم جاء، فقلت: أي أبا عبد الله، توضأ؛ لعلنا نسألك عن آي من القرآن، فقال: سلوني، فإني لا أمسّه؛ إنه لا يمسّه إلا المطهرون، فسألناه، فقرأ علينا قبل أن يتوضأ.
ومنها ما أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" (1 / 42 رقم 59) في الطهارة، باب الوضوء من مسّ الفرج، من طريق مصعب بن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت، فقال سعد: لعلك مسست ذكرك؟ قال: فقلت: نعم، فقال: قم، فتوضأ، فقمت، فتوضأت، ثم رجعت.
قال الشيخ الألباني في الموضع السابق من "إرواء الغليل": ((سنده صحيح)) .

103- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو وَكِيعٍ (1) ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِل (2) ، أَنَّ عُبيد اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ (3) بَعَثَ إِلَيْهِ: أَنْ يَقُومَ بِالنَّاسِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَامَ بِهِمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بِحُلَّةٍ، وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِآخِذٍ على القرآن أجرًا.12 = يحدثان عنه، وهو منكر الحديث جدًّا)) وقال الإمام أحمد: ((لا يكتب حديثه)) ، وقال ابن معين: ((ليس بثقة)) ، وقال ابن المديني والعجلي: ((ضعيف الحديث)) ، وقال البخاري: ((ضعيف ذاهب الحديث، لا أروي عنه)) ، وقال أبو حاتم: ((يتكلمون فيه، وهو ضعيف الحديث)) ، وقال أبو زرعة: ((ضعيف الحديث)) ، وقال النسائي والدراقطني وعلي بن الجنيد: ((متروك)) . انظر "الجرح والتعديل" (8 / 192 - 193 رقم 844) ، و"تهذيب الكمال" المخطوط (3 / 1327) ، و"التهذيب" (10 / 135 - 136رقم 247) ، و"التقريب" (ص530 رقم 6641) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12 = وهو صدوق يهم؛ وثقه ابن معين مرة وضعّفه أخرى، ووثقه أبو داود وأبو الوليد الطيالسي، وقال النسائي وغيره: ((ليس به بأس)) ، وضعفه ابن سعد وابن عمّار، وقال أبو حاتم: ((يكتب حديثه ولا يحتجّ به)) ، وقال البرقاني: ((سألت الدارقطني عن الجرّاح، فقال: ليس بشيء، هو كثير الوهم، قلت: يعتبر به؟ قال: لا)) . اهـ. من "الجرح والتعديل" (2 / 523 رقم 2175) ، و"الميزان" (1 / 389 رقم 1451) ، و"التهذيب" (2 / 66 - 68 رقم 108) ، و"التقريب" (ص138 رقم 908) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = (10 / 654 - 669 / الظاهرية) ، و"سير أعلام النبلاء" (3 / 545 - 549) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فقد وثقه العجلي وقال أبو حاتم: ((صدوق)) ، وذكره ابن حبان في الثقات.
انظر "الجرح والتعديل" (8 / 134 - 135 رقم 609) ، و"تاريخ الثقات" (ص444 رقم 1655) ، و"تهذيب الكمال" المخطوط (3 / 1383) ، و"التهذيب" (10 / 336 - 337 رقم 589) . وأشار ابن حزم للحديث في "المحلى" (9 / 24) وصححه فقال: (وصح عن عبد الله بن مغفل [كذا! والصواب: معقل] ، أنه أعطاه الأمير مالاً لقيامه بالناس في رمضان، فأبى، وقال: إنَّا لا نأخذ للقرآن أجرًا) . وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص140 رقم 353) من طريق أبي إسحاق السبيعي، قال: أمر مصعب بن الزبير عبد الله بن مغفّل أن يصلي بالناس في شهر رمضان، فلما أفطر أرسل إليه خمسمائة درهم وحلّة، فردّها، وقال: ما كنت لآخذ على القرآن أجرًا.
وذِكْرُ عبد الله بن مُغَفَّل هنا خطأ لا شك فيه، ولعل الخطأ في الطباعة، لا في الأصل؛ لأن عبد الله بن مغفّل رضي الله عنه توفي سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ستين، وأكثر ما قيل في وفاته: سنة اثنتين وستين، وحتى هذا التاريخ لم يكن مصعب بن الزبير قد تولى الإمارة؛ لأن يزيد بن معاوية توفي سنة أربع وستين، وبوفاته استقر الأمر لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه بالحجاز، ثم ولّى أخاه مصعبًا إمرة العراق بعد حروب يطول ذكرها، تجدها مفصّلة في "البداية والنهاية" لابن كثير (8 / 238) فما بعد.
فالذي يظهر أن الناسخ أو الطابع اشتبه عليه: (معقل) بـ: (مغفّل) بسبب الشبه الكبير بين رسم الكلمتين.
أما ذكر مصعب بن الزبير في الحديث، فإما أن تكون الحادثة وقعت لعبد الله بن معقل مرتين، مرة مع ابن زياد، ومرة مع مصعب بن الزبير، وإما أن يكون التصريح باسم الأمير في إحدى الروايتين - رواية سعيد بن منصور ورواية أبي عبيد - خطأ، وأما رواية العجلي - وهي الأصح إسنادًا -، فليس فيها التصريح باسم الأمير، والله أعلم.

104- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الجُرَيري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقيق 1 ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُونَ بَيْعَ الْمَصَاحِفِ، وَتَعْلِيمَ الْغِلْمَانِ بِالْأَجْرِ، ويُعَظِّمون ذَلِكَ.2

105- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَشْتَرِطَ المعلِّم.
106- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي مِسْكِينٍ (1) ، عَنْ عَطَاءٍ، أَوْ خَالِدٍ (2) ، عَنْ أَبِي قِلَابة (3) ، أَنَّهُمَا كَانَا (4) لَا يَرَيَانِ بِالْأَجْرِ (5) بأسًا.12 = والحديث أخرجه ابن حزم في "المحلى" (9 / 24 و 681 - 682) . والبيهقي في "سننه" (6 / 16) في البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع المصاحف.
كلاهما من طريق المصنِّف به مثله، إلا أن البيهقي لم يذكر قوله: ((وتعليم الغلمان ... )) إلخ، وأما ابن حزم فوقع عنده: ((بالأرش)) بدل قوله: ((بالأجر)) . وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (8 / 115 رقم 14534) عن سفيان الثوري، عن سعيد الجريري، به نحوه، ولم يذكر قوله: ((ويعظمون ذلك)) . وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (6 / 224 - 225 رقم 885) من طريق شيخه إسماعيل بن علية، عن الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شقيق، قال: يكره أرش المعلم، فإن أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - كانوا يكرهونه ويرونه شديدًا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الواسطي، لكن سماع خالد منه محتمل، فكلاهما واسطي، وقد تعاصرا، وأيوب هذا لا بأس به كما قال الإمام أحمد في رواية، وفي رواية عنه وعن أحمد بن صالح قالا: ((رجل صالح ثقة)) ، ووثقه ابن سعد والنسائي، وقال أبو حاتم: ((لا بأس به، شيخ صالح يكتب حديثه، ولا يحتج به)) ، وقال الدارقطني: ((يعتبر به)) ، وذكره ابن شاهين وابن حبان في ثقاتيهما، وزاد ابن حبان قوله: ((كان يخطئ)) ، وذكره ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار وقال: ((كان يهم ويخالف)) ، وقال أبو داود: ((كان يتفقّه، ولم يكن يجيد الحفظ للإسناد)) ، وقال أبو أحمد الحاكم: ((في حديثه بعض الاضطراب)) ، وذكره ابن عدي في الكامل، وذكر أربعة أحاديث انتُقدت عليه، ثم قال: ((وهذه الأحاديث التي ذكرتها عن أيوب أبو العلاء (كذا!) هي أحاديث معروفة، ولم أجد في سائر أحاديثه غير ما ذكرت أيضًا شيئًا منكرًا؛ ولهذا قال ابن حنبل لا بأس به؛ لأن أحاديثه ليست بالمناكير، وهو ممن يكتب حديثه)) . اهـ. من "مشاهير علماء الأمصار" (ص177 رقم 1400) ، و"الكامل" لابن عدي (1 / 346 - 347) ، و"تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص31 رقم 27) ، و"تهذيب الكمال" للمزّي (3 / 492 - 494 رقم 624 / المطبوع) ، و"تهذيب التهذيب" (11 / 411 - 412 رقم 754) . والأحاديث الأربعة التي ذكرها ابن عدي قد تتبعها الشيخ عبد العزيز التخيفي في "دارسة المتكلّم فيهم من رجال التقريب" (1 / 221 - 225) وبيّن أن ثلاثة منها لم ينفرد بها أيوب، بل تابعه غيره، وخرج من دراسته لحال الرجل أنه ثقة، والذي ترجَّح لي أن أيوب هذا لا بأس به، وحديثه في عداد الحسن ولا يرتقي لدرجة الصحيح؛ لأن كلام العلماء الذين تقدم ذكرهم يدلّ على أن في حفظه شيئًا، وقد ذكره الحافظ الذهبي في كتابه ((ذكر أسماء من تُكُلِّم فيه وهو موثَّق)) (ص51 رقم 47) ، وقال: ((وثّقه غير واحد، وليَّنه بعضهم)) ، ومقتضى صنيعه أن يكون أقلّ أحواله عنده أن حسن الحديث، فإنه قال في مقدمة هذا الكتاب (ص27) : =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345 = ((أما بعد: فهذا فصل نافع في معرفة ثقات الرواة الذين تكلم فيهم بعض الأئمة بما لا يرد أخبارهم وفيهم بعض اللين، وغيرهم أتقن منهم وأحفظ، فهؤلاء حديثهم إن لم يكن في أعلى مراتب الصحيح، فلا ينزل عن رتبة الحسن، اللهم إلا أن يكون للرجل منهم أحاديث تستنكر عليه، وهي التي تكلم فيه من أجلها، فينبغي التوقف في هذه الأحاديث)) . اهـ.

107- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا فُضَيْلٌ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: إِذَا قَاطَعَ المعلِّم وَلَمْ يَعْدِلْ، كُتِبَ مِنَ الظَّلَمَةِ.
108- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ صَفْوان بن (عمرو) (1) و (2) ، عَنْ عُمير بْنِ هَانِئٍ (3) ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُقرئ رَجُلًا الْقُرْآنَ، فحجَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَأَهْدَى لِلَّذِي أَقْرَأَهُ قَوْسًا، فَأَتَى عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ (4) ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَلْقِها عَنْكَ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْزُوَ، فَقَالَ: أَلْقِهَا عَنْكَ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْزُوَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ عَوْفٌ: أَتُرِيدُ أَنْ تعلَّق قَوْسًا مِنْ نَارٍ؟ قَالَ: فردَّها الرجل إلى صاحبها.123 = وقال البيهقي في "السنن" (6 / 124) : (وروينا عن عطاء وأبي قِلَابَةَ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بتعليم الغلمان بالأجر بأسًا) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123

109- حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْتون 1 ، عَنِ الطُّفَيل بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: أَقْرَأَنِي أُبَيٌّ الْقُرْآنَ، فأَهْدَيْتُ إِلَيْهِ قَوْسًا، فَغَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ متقلِّد بِهَا، فَقَالَ: ((مَنْ سَلَّحَكَ هَذِهِ؟)) . قَالَ: الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو؛ أَقْرَأْتُهُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَقَلَّدَها شِلْوةً (2) مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ)) . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ (3) ؟ فَقَالَ: (( (أَمَا طَعَامٌ) (4) صُنِعَ لِغَيْرِكَ، فَحَضَرْتَهُ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَأْكُلَهُ، وَأَمَا مَا صُنِعَ لك، فإنما تأكل بِخَلَاقِك)) (5) . = وأخرجه الطبراني في "الكبير" (18 / 53 رقم 96) من طريق محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثنا أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، أنه حدثهم عن عوف بن مالك أنه كان معه رجل يعلمه القرآن، فقال لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -: صاحبي الذي رأيته معي اشترى قوسًا وأهداها إليَّ، أفآخذها منه؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم -: ((لا)) ، ثم مكث حتى إذا كان رأس الحول، عاد عليه، فقال: يا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -: آخذها؟ قال: ((لا)) ثم مكث حتى كان رأس الحول، قال: آخذ تلك القوس يا رسول الله؟ قال: ((لا)) ، قال: أفلا آخذها يا رسول الله فتكون عنده؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم -: ((أتريد أن تلقى الله يا عوف يوم القيامة وبين كتفيك جمرة من جهنم؟)) . قال الهيثمي في "المجمع" (4 / 96) : ((فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف)) . اهـ. قلت: ومع ضعفه فقد خالف من هو أوثق منه وهو سعيد بن منصور كما يتضح من سياق الحديث.
وللحديث شواهد يرتقي بها لدرجة الحسن لغيره كما سيأتي في الحديث بعده.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345 = في "تاريخه" وسكت عنه، وبيض له ابن أبي حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عن أم الدرداء ورجاء بن حيوة وابن محيريز، روى عنه رجاء ابن أبي سلمة وإسماعيل بن عياش.
انظر "التاريخ الكبير" للبخاري (6 / 77 - 78 رقم 1765) ، و"الجرح والتعديل" (6 / 43 رقم 221) ، و"الثقات" لابن حبان (7 / 153) ، و"التهذيب" (6 / 127 رقم 264) ، و"التقريب" (ص335 رقم 3787) . وعبد ربه هذا يروي الحديث هنا عن الطفيل بن عمرو رضي الله عنه، وهو لم يسمع منه كما سيأتي نقل ذلك عن البغوي.
وقال الحافظ ابن حجر في الموضع السابق من التهذيب عن عبد ربه هذا: ((لم يذكره ابن عساكر في التاريخ)) . والسبب في ذلك أن ابن عساكر يرى أنه ليس بحمصي، ولا بدمشقي، وإنما هو من أهل بيت المقدس، فإنه نقل عن البغوي قوله عنه: ((أحسبه من أهل حمص)) ، ثم ردّ ذلك ابن عساكر بقوله: ((ابن زيتون من أهل بيت المقدس، وليس بحمصي)) . انظر "تاريخ ابن عساكر" (8 / 514) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = وللحديث طرق أخرى يرتقي بها لدرجة الحسن لغيره كما سيأتي.
والحديث أخرجه ابن حزم في "المحلى" (9 / 23) من طريق المصنف؛ حيث ذكر بعض الأحاديث بهذا المعنى، ثم قال: (ومن طريق سعيد بن منصور، عن إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ ربه بن سليمان بن عمير بْنِ زَيْتُونٍ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ عمرو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلم - أنه عرض له ذلك في القوس مع أبي بن كعب، وفيه زيادة أنه قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْكُلُ من طعامهم؟ قال: ((أَمَا طَعَامٌ صُنِعَ لِغَيْرِكَ فَحَضَرْتَهُ فلا بأس أن تأكله، أما ما صنع لك فإن أكلته فإنما تأكله بخلاقك)) ) . أقول: وواضح من طريقة ابن حزم اختصاره للقصة.
والحديث أخرجه البغوي في "معجم الصحابة" كما في "الإصابة" (3 / 522) ، و"جمع الجوامع" للسيوطي (2 / 423) . ومن طريق البغوي أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" (8 / 513 - 514) . قال البغوي: ((والذي روى عنه إسماعيل بن عياش هذا الحديث: عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زيتون أحسبه من أهل حمص، ولم يسمع من الطفيل بن عمرو، وهو حديث غريب)) . وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (1 / 274 رقم 442) من طريق عبيد بن جناد، عن إسماعيل بن عياش، به نحوه، إلا أنه وقع عنده: (عبد الله) بدلاً من: (عبد ربه) . قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4 / 95) : ((فيه عبد الله بن سليمان بن عمير، ولم أجد في ترجمه، ولا أظنه أدرك الطفيل)) . وقد ورد الحديث من مسند أُبَيِّ بن كعب، وروي عنه من طريقين:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أخرجه ابن ماجه في "سننه" (2 / 730 رقم 2158) في التجارات، باب الأجر على تعليم القرآن.
والبيهقي في "سننه" (6 / 125 - 126) في الإجارة، باب من كره أخذ الأجر عليه - أي: على تعليم القرآن -. كلاهما من طريق ثور بن يزيد، لكنه عند البيهقي يروي الحديث عن عبد الرحمن بلا واسطة، وأما عند ابن ماجه فيرويه عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عبد الرحمن بن سلم.
والظاهر أن ذكر خالد بن معدان في الإسناد غلط؛ فقد ذكر محقق "تحفة الأشراف" للمزي (1 / 36) أنه وجد في حاشية إحدى النسخ بخط الحافظ ابن عبد الهادي ما نصه: ((خالد بن معدان في هذا الإسناد فضلة لا يحتاج إليه، ولم يذكره الحافظ أبو القاسم)) . وذكر أن وجد حاشية أخرى بما نصه: ((رواه محمد بن هارون الروياني، عن محمد بن بشار، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الرحمن بن أبي مسلم، عن عطية بن قيس)) . وقال الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف" المطبوع بحاشية "تحفة الأشراف": ((لم أقف في النسخ التي عن ابن ماجه على ذكر خالد بن معدان بين ثور وعبد الرحمن فيه، وكذا أخرجه الروياني في "مسنده" عن بندار، عن يحيى بن سعيد بدونه ولم يذكره ابن عساكر وهو سلف المزّي، وكذا لم يرقم المزي في "التهذيب" لخالد بن معدان في الرواة عن عبد الرحمن بن مسلم)) . اهـ. قلت: وسند هذا الطريق ضعيف لأمرين: 1- عبد الرحمن بن سَلْم - بفتح المهملة وسكون اللام - شامي مجهول كما في "التقريب" (ص341 رقم 3881) ، قال الحافظ الذهبي في =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = "الميزان" (2 / 567 رقم 4878) : ((ما روى عنه سوى ثور بن يزيد)) ، وانظر "التهذيب" (6 / 187 رقم 377) . 2- في سند الحديث اضطراب واختلاف يتضح مما تقدم، وإليه أشار الحافظ الذهبي في الموضع السابق من "الميزان" بقوله: ((إسناده مضطرب في الذي أهدى لأُبَيّ قوسًا)) ، وكذا الحافظ ابن حجر في الموضع السابق من "التهذيب" بقوله: ((في إسناد حديثه اختلاف كثير)) . وهذا الحديث ذكره الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" (5 / 316 - 317) وضعفه لهاتين العلتين، وذكر علة ثالثة وهي الانقطاع بين عطية وهو ابن قيس الكلاعي وأُبَيّ، وذلك اعتمادًا منه على ما نقله البوصيري في "زوائد ابن ماجه عن العلائي في المراسيل" حيث قال: ((عطية بن قيس عن أبي بن كعب مرسل)) . والعلائي اعتمد في قوله على مرجع آخر، فإنه قال في "جامع التحصيل في أحكام المراسيل" (ص292 رقم 527) مانصه: ((عطية بن قيس عن أبي بن كعب وأبي الدرداء مرسلاً، قاله في التهذيب)) . اهـ. وقد رجعت إلى "تهذيب الكمال" ولم أجد ما ذكر العلائي، بل ظاهر صنيع المزّي أنه سمع من أبي بن كعب وأبي الدرداء.
انظر "تهذيب الكمال" المخطوط (2 / 940) ، والمطبوع (2 / 262 - 264) . وسماعه ممكن، فإنه اختلف في ولادته ووفاة أبي بن كعب.
ففي الموضع السابق من "تهذيب الكمال" المخطوط، وفي "تهذيب التهذيب" (7 / 228) ذكر أبو مسهر أن عطية ولد في حياة النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سنة سبع، وفيها أيضًا النقل عن ابنه سعد بن عطية بما يفيد أنه ولد سنة سبع عشرة للهجرة، وهذا الذي اختاره ابن حبان.
وأما أبي بن كعب، ففي "تهذيب التهذيب" (1 / 188) ، قال الحافظ: ((قال = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = الهيثم بن عدي: مات سنة (19) ، وقيل سنة (32) في خلافة عثمان، وفي موته اختلاف كثير جدًّا، الأكثر على أنه في خلافة عمر، وروى ابن سعد في "الطبقات" بإسناد رجاله ثقات، لكن فيه إرسال: أن عثمان أمره أن يجمع القرآن، فعلى هذا يكون موته في خلافته.
قال الواقدي: وهو أثبت الأقاويل عندنا.
قلت: وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان بخبر ذكره عن زرّ بن حبيش أنه لقيه في خلافة عثمان)) . اهـ. كلام الحافظ، وبه يتضح ضعف قول من ادّعى الانقطاع بين عطية وأُبَيّ، كالبيهقي حينما قال في "السنن" (6 / 125) : ((وروي من وجه آخر منقطع عن أبي بن كعب)) ، فرد عليه ابن التركماني في "الجوهر النقي" بقوله: ((عطية هذا تابعي، ذكر صاحب الكمال عن أبي مسهر أنه ولد في حياة النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فعلى هذا روايته عن أبي محمولة على الاتصال)) .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = وأما الانقطاع، فقد قال البخاري في الموضع السابق: ((أبان، أن أبّي بن كعب مرسل)) . وكذا قال ابن أبي حاتم نقلاً عن أبيه.
وقد روي الحديث من طريقين آخرين مرسلين، أما المرسل الأول:

جارٍ التحميل