الخصائصباب فيما يؤمنه علم العربية من الاعتقادات الدينية

باب فيما يؤمنه علم العربية من الاعتقادات الدينية

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: اعلم أن هذا الباب من أشرف أبواب هذا الكتاب، وأن الانتفاع به ليس إلى غاية ولا وراءه من نهاية.
وذلك أن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها وحاد1 عن الطريقة المثلى إليها فإنما استهواه "واستخف2 حلمه" ضعفه في هذه اللغة الكريمة الشريفة، التي خوطب الكافة بها، وعرضت عليها الجنة والنار من حواشيها وأحنائها3، وأصل اعتقاد التشبيه4 لله تعالى بخلقه منها، وجاز5 عليهم بها وعنها.
وذلك أنهم لما سمعوا قول الله -سبحانه، وعلا عما يقول الجاهلون علوا كبيرًا: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ 6 وقوله: "عز اسمه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ 7 وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ 8 وقوله:

تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ 1 وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ 2 وقوله، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ 3 وقوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ 4 ونحو ذلك من الآيات5 الجارية هذا المجرى وقوله6 في الحديث: "خلق الله آدم على صورته"، حتى ذهب بعض هؤلاء7 الجهال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ 8 أنها ساق ربهم -ونعوذ9 بالله من ضعفة10 النظر، وفساد المعتبر- ولم يشكوا أن11 هذه أعضاء12 له، وإذا كانت أعضاء كان هو لا محالة جسمًا معضىً13؛ على ما يشاهدون من خلقه، عز وجهه، وعلا قدره، وانحطت سوامى "الأقدار و"14 الأفكار دونه.
ولو كان لهم أنس بهذه اللغة الشريفة15 أو تصرف فيها، أو مزاولة لها لحمتهم16 السعادة بها، ما أصارتهم الشقوة إليه، بالبعد عنها.
وسنقول في هذا ونحوه ما يجب مثله.
ولذلك ما قال17 رسول الله -صلى اله عليه وسلم- لرجل لحن: أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل، فسمي اللحن ضلالًا وقال عليه السلام: "رحم 18 الله امرأ أصلح من لسانه"، وذلك لما "علمه -صلى الله عليه وسلم- مما يعقب"19 الجهل لذلك من ضد السداد، وزيغ الاعتقاد.

وطريق ذلك أن هذه اللغة أكثرها جارٍ على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على الحقيقة. وقد قدمنا ذكر ذلك في كتابنا هذا وفي غيره. فلما كانت كذلك، وكان القوم الذين خوطبوا بها أعرف الناس بسعة مذاهبها وانتشار، أنحائها جرى خطابهم بها مجرى ما يألفونه ويعتادونه منها وفهموا أغراض المخاطب لهم بها على حسب عرفهم وعادتهم في استعمالها. وذلك أهم يقولن: هذا الأمر يصغر في جنب هذا أي بالإضافة إليه و"قرنه به"1.
فكذلك2 قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ 3 "أي فيما بيني وبين الله"4 إذا أضفت تفريطي إلى أمره لي ونهيه أياي.
وإذا كان أصله اتساعًا جرى بعضه مجرى بعض.
وكذلك5 قوله -صلى اله عليه وسلم: كل الصيد في جنب الفرأ، "وجوف الفرأ"6، أي "كأنه يصغر"7 بالإضافة إليه8 وإذا قيس به.
وكذلك قوله -سبحانه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ 9، إنما هو الاتجاه "إلى الله"10، ألا ترى إلى بيت الكتاب: أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل11

أي الاتجاه1.
فإن2 شئت قلت: إن3 الوجه هنا مصدر4 محذوف الزيادة، كأنه وضع الفعل موضع الافتعال، كوحده، وقيد الأوابد "في أحد القولين"5 ونحوهما.
وإن شئت قلت: خرج مخرج الاستعارة.
وذلك أن وجه الشيء أبدا هو أكرمه وأوضحه، فهو المراد منه، والمقصود إليه.
فجرى استعمال هذا في القديم -سبحانه- مجرى العرف فيه والعادة في أمثاله.
أي لو كان -تعالى- مما يكون له وجه لكان كل موضع توجه6 إليه فيه وجها له؛ إلا7 أنك إذا جعلت الوجه في القول الأول مصدرا كان في المعنى مضافا إلى المفعول دون الفاعل؛ لأن المتوجه إليه مفعول "في المعنى فيكون"8 إذًا من باب قوله -عز وجل: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ﴾ 9 و ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ 10 ونحو ذلك مما أضيف فيه المصدر إلى المفعول به.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ 11 إن شئت قلت: لما كان العرف12 أن يكون أكثر الأعمال باليد13 جرى هذا مجراه.
وإن شئت قلت: الأيدي هنا14 جمع اليد15 التي هي القوة فكأنه قال: مما عملته قوانا أي القوى التي أعطيناها الأشياء لا أن له -سبحانه- جسما تحله القوة أو الضعف.
ونحوه قولهم في القسم: لعمر الله إنما هو: وحياة الله، أي والحياة التي آتانيها الله، لا أن القديم سبحانه محل

للحياة كسائر الحيوانات.
ونسب العمل إلى القدرة وإن كان في الحقيقة للقادر؛ لأن بالقدرة ما يتم له العمل كما يقال: قطعه السيف وخرقه1 الرمح.
فيضاف الفعل إليهما؛ لأنه إنما كان بهما.
وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ 2 أي تكون مكنوفا برأفتي بك وكلاءتي لك كما أن من يشاهده الناظر له، والكافل به3، أدنى إلى صلاح أموره وانتظام أحواله ممن يبعد عمن يدبره ويلي أمره قال المولد: شهدوا وغبنا عنهم فتحكموا ... فينا وليس كغائب من يشهد وهو باب واسع.
وقوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ 4 إن شئت جعلت اليمين هنا الجارحة، فيكون على "ما ذهبنا"5 إليه من المجاز والتشبيه، أي حصلت السموات تحت قدرته حصول ما تحيط اليد به في يمين القابض عليه، وذكرت اليمين هنا دون الشمال لأنها أقوى اليدين وهو من مواضع ذكر الاشتمال والقوة.
وإن شئت جعلت اليمين هنا القوة؛ كقوله6: إذا ما رايةٌ رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين أي بقوته وقدرته.
ويجوز أن يكون أراد بيد عرابة: اليمنى7 على ما مضى.
وحدثنا أبو علي سنة إحدى وأربعين8، قال: في قول الله -جل اسمه: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ

ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} 1 ثلاثة أقوال: أحدها: باليمين2 التي هي خلاف الشمال.
والآخر باليمين التي هي القوة.
والثالث "باليمين التي هي"3 قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ 4 فإن جعلت يمينه من5 قوله: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ "هي الجارجة مجازا وتشبيها كانت الباء هنا ظرفا"6 أي مطويات في يمينه وتحت يمينه.
وإن جعلتها القوة لم تكن الباء ظرفا لكنها تكون حرفا معناه الإلصاق والاستعانة به على التشبيه بما يستعان به كقولهم: ضرب بالسيف وقطع بالسكين7، وحفر بالفأس.
هذا هو المعنى8 الظاهر، وإن كان غيره جائزا على التشبيه والسعة.
وقوله9 في الحديث: خلق الله آدم على صورته يحتمل10 الهاء فيه أن تكون راجعة على اسم الله تعالى وأن تكون راجعة على آدم.
فإذا كانت عائدة على اسم الله تعالى كان معناه: على الصورة التي أنشأها الله وقدرها.
فيكون المصور حينئذ مضافا إلى الفاعل لأنه -سبحانه- هو المصدر لها لا أن له -عز اسمه- صورة ومثالا11؛ كما أن قولهم: لعمر الله إنما معناه: والحياة التي كانت بالله والتي آتانيها الله لا أن له -تعالى- حياة تحله ولا أنه12 -عز وجهه- محل للآعراض.
وإن جعلتها عائدة على آدم كان معناه: على صورة آدم أي على

صورة أمثاله ممن هو مخلوق ومدبر1، فيكون هذا2 حينئذ كقولك3 في السيد والرئيس: قد خدمته، خدمته أي الخدمة التي تحق لأمثاله، وفي العبد والمبتذل: قد استخدمته استخدامه، أي استخدام أمثاله ممن هو مأمور بالخفوف، والتصرف فيكون إذًا كقوله -عز وجل: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾ 4 وكذلك نظائر هذا: هذه سبيله.
فأما قول5 من طغى به جهله، وغلبت عليه شقوته، حتى قال في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ 6: إنه7 أراد به عضو القديم، وإنها جوهر كهذه الجواهر الشاغلة للأماكن8، وإنها ذات شعر، وكذا وكذا مما تتايعوا9 "في شناعته"10 وركسوا11 في "غوايته"12 فأمر نحمد الله على أن نزهنا عن الإلمام بحراه13.
وإنما الساق هنا يراد بها شدة الأمر؛ كقولهم: قد قامت الحرب على ساق.
ولسنا ندفع من ذلك أن الساق إذا أريدت14 بها الشدة فإنما هي مشبهة بالساق هذه التي تعلق15 القدم، وأنه إنما قيل ذلك لأن الساق هي الحاملة للجملة16، المنهضة لها. فذكرت هنا لذلك تشبيها وتشنيعا17.
فأما أن تكون للقديم -تعالى- جارحة: ساق أو غيرها فنعوذ بالله من اعتقاده "أو الاجتياز"18 بطواره.
وعليه بيت الحماسة:

كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح1 وأما قول ابن قيس2 في صفة الحرب والشدة فيها: تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء فإنه وجه آخر، وطريق من طرق الشدة غير ما تقدم.
وإنما الغرض فيه أن الروع قد بز العقيلة -وهي المرأة الكريمة- حياءها3، حتى ابدت عن ساقها، للحيرة والهرب، كقول الآخر: لما رايت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدا وبدت محاسنها التي ... تخفى وكان الأمر جدا4

وقوله: إذا أبرز الروع الكعاب فإنهم ... مصادٌ لمن يأوى إليهم ومعقل1 وهو باب.
وضده ما أنشده أبو الحسن: أرفعن أذيال الحقي واربعن ... مشى حيياتٍ كأن لم يفزعن إن تمنع اليوم نساء تمنعن2 وأذكر يوما وقد خطر لي خاطر مما نحن بسبيله، فقلت: لو أقام إنسان على خدمة هذا العلم ستين سنة حتى لايحظى3 منه إلا بهذا الموضع لما كان مغبونا فيه ولا منتقص الحظ منه ولا السعادة به.
وذلك قول الله -عز اسمه ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ 4 ولن يخلو5 "أغفلنا" هنا من أن يكون6 من باب أفعلت الشيء أي صادفته ووافقته كذلك؛ كقوله7: وأهيج الخلصاء من ذات البرق أي صادفها هائجة8 النبات9 "وقوله10: فمضى وأخلف من قتيلة موعدا11

أي صادفه محلفا"، وقوله1: أصم دعاء عاذلتي تحجى ... بأخرنا وتنسى أولينا أي صادف قوما صما وقول الآخر: فأصممت عمرا وأعميته ... عن الجواد والمجد يوم الفخار2 أي صادفته أعمى.
وحكى الكسائي: دخلت بلدة فأعمرتها، أي وجدتها عامرة ودخلت بلدة فأخربتها أي وجدتها خرابا ونحو ذلك أو يكون ما قاله3 الخصم: أن معنى أغفلنا قلبه: منعنا وصددنا، نعوذ بالله من ذلك.
فلو كان الأمر على ما ذهبوا إليه منه4 لوجب أن يكون العطف عليه بالفاء دون الواو، وأن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه.
وذلك أنه كان يكون على هذا الأول علة للثاني، والثاني مسببا5 عن الأول، ومطاوعا6 له؛ كقولك: أعطيته فأخذ وسألته فبذل، لما7 كان الأخذ مسببا عن العطية، والبذل مسببا عن السؤال.
وهذا من مواضع الفاء لا الواو؛ ألا "ترى8 أنك" إنما تقول: جذبته فانجذب، ولا تقول: وانجذب إذا جعلت الثاني مسببًا عن الأول.
وتقول: كسرته فانكسر، واستخبرته فأخبر، كله بالفاء.
فمجيء قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ بالواو ودليل على أن الثاني ليس مسببا عن الأول على ما يعتقده المخالف.
وإذا "لم يكن"9 عليه كان معنى أغفلنا قلبه عن ذكرنا أي صادفناه غافلا؛ على ما مضى، وإذا صودف غافلا فقد غفل لا محالة.
فكأنه -والله أعلم: ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا، أي لا تطع من فعل كذا، وفعل كذا.
وإذا صح هذا الموضع ثبت به لنا أصل شريف يعرفه من يعرفه.
ولولا ما تعطيه العربية صاحبها من قوة النفس، ودربة الفكر لكان هذا الموضع ونحوه مجوزا عليه غير مأبوه له.
وأنا أعجب من الشيخين أبوى10 علي رحمهما الله وقد دوخا هذا الأمر، وجولاه11، وامتخضاه وسقياه، ولم يمرر واحد منهما ولا من غيرهما -فيما علمته به12- على قربه وسهولة مأخذه.
ولله قطرب! فإنه قد أحرز13 عندي أجرا عظيما فيما صنفه من كتابه الصغير في الرد على الملحدين، وعليه عقد أبو علي -رحمه الله- كتابة في تفسير القرآن.
وإذا قرأته سقطت عنك الشبهة في هذا الأمر بإذن الله وعونه.

جارٍ التحميل