باب في سقطات العلماء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
حكي عن الأصمعي أنه صحف قول الحطيئة:
وغررتني وزعمت أنـ ... ـك لابن في الصيف تامر1
فأنشده2:
... لاتني بالضيف تامر
أي تأمر بإنزاله وإكرامه.
وتبعد هذه الحكاية "في نفسي"3 لفضل الأصمعي وعلوه؛ وغير أني رأيت أصحابنا على القديم يسندونها إليه، ويحملونها عليه.
وحكي أن الفراء "صحف فقال"1 الجر: أصل الجبل يريد الجراصل: الجبل.
وأخبرنا أبو صالح السليل بن أحمد، عن أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي عن الخليل بن أسد2 النوشجاني3، عن التوزي، قال قلت لأبي زيد الأنصاري: أنتم تنشدون قول الأعشى:
بساباط حتى مات وهو محزرق4
وأبو عمرو الشيباني ينشدها: محرزق5، فقال: إنها نبطية وأم أبي عمرو نبطية، فهو أعلم بها منا.
وذهب أبو عبيدة في قولهم: لي عن هذا الأمر مندوحة، أي متسع إلى أنه من قولهم: انداح بطنه أي اتسع.
وليس هذا من غلط أهل الصناعة.
وذلك
أن انداح: انفعل، وتركيبه1 من دوح، ومندوحة: مفعولة، وهي من تركيب "ن د ح" والندح: جانب الجبل وطرفه، وهو إلى السعة، وجمعه2 أنداح.
أفلا ترى إلى هذين الأصلين: تباينًا، وتباعدًا، فكيف يجوز أن يشتق أحدهما من صاحبه على بعد بينهما، وتعادي وضعهما.
وذهب ابن الأعرابي في قولهم: يوم أرونان إلى أنه من الرنة.
وذلك أنها تكون مع البلاء3 والشدة.
وقال4 أبو علي -رحمه الله: ليس هذا من غلط أهل الصناعة، لأنه ليس في الكلام أفوعال، وأصحابنا يذهبون إلى أنه أفعلان من الرونة وهي الشدة5 في الأمر.
وذهب أبو العباس أحمد بن يحيى في قولهم: أسكفة الباب إلى أنها من قولهم: استكف أي اجتمع.
وهذا أمر ظاهر الشناعة.
وذلك أن أسكفة: أفعلة والسين فيها فاء وتركيبه6 من "س ك ف؛ وأما استكف فسينه زائدة؛ لأنه استفعل، وتركيبه من"7 ك ف ف. فأين هذان الأصلان حتى يجمعا ويدانى من شملهما.
ولو كانت أسكفة من استكف لكانت أسفعلة وهذا مثال لم يطرق فكرا ولا شاعر8 -فيما علمناه- قلبا.
وكذلك لو كانت مندوحة من انداح بطنه -كما ذهب إليه أبو عبيدة- لكانت منفعلة.
وهذا أيضًا في البعد والفحش كأسفعلة.
ومع هذا فقد وقع الإجماع على أن السين لا تزاد9 إلا في استفعل، وما تصرف10 منه.
وأسكفة ليس من الفعل في قبيل ولا دبير.
وذهب أحمد أيضًا في تنور إلى أنه تفعول من النار -ونعوذ بالله من عدم التوفيق.
هذا على سداد هذا الرجل وتميزه من أكثر أصحابه- ولو كان تفعولًا من النار لوجب أن يقال1 فيه2: تنوور كما أنك لو بنيته من القول لكان3: تقوولا4، ومن العود5: تعوودا6.
وهذا في نهاية الوضوح.
وإنما تنور: فعول من لفظ "ت ن ر"، وهو أصل لم يستعمل إلا في هذا الحرف، وبالزيادة7 كما ترى.
ومثله مما يستعمل إلا بالزيادة كثير.
منه8 حوشب وكوكب "وشعلع"9 "وهزنبران"10 ودودري "ومنجنون"11 وهو واسع جدًّا12.
ويجوز في التنور أن يكون فعنولًا من "ت ن ر"؛ فقد حكى أبو زيد في زرنوق: زرنوقا13.
ويقال: إن التنور لفظة اشترك فيها جميع اللغات من العرب وغيرهم.
فإن كان كذلك فهو طريف، إلا أنه على كل حال فعول أو فعنول؛ لأنه جنس، ولو كان أعجميًا لا غير لجاز تمثيله "لكونه جنسًا ولاحقًا"14 بالعربي، فكيف وهو أيضًا
عربي؛ لكونه في لغة العرب غير منقول إليها، وإنما هو وفاق وقع ولو كان منقولًا "إلى اللغة العربية من غيرها"1 لوجب أن يكون أيضًا وفاقًا بين جميع اللغات غيرها2.
ومعلوم سعة اللغات "غير العربية"3، فإن4 جاز أن يكون مشتركًا في جميع ما عدا العربية، جاز أيضًا أن يكون وفاقًا وقع فيها.
ويبعد في نفسي أن يكون5 في الأصل للغةٍ واحدة، ثم نقل إلى جميع اللغات؛ لأنا لا نعرف له في ذلك نظيرا.
وقد يجوز أيضًا أن يكون وفاقًا وقع بين لغتين6 أو ثلاث أو نحو ذلك، ثم انتشر بالنقل في جميعها.
وما أقرب هذا في نفسي؛ لأنا لا نعرف شيئًا من الكلام وقع الاتفاق7 عليه في كل لغة، وعند كل أمة: هذا كله إن كان في جميع اللغات هكذا.
وإن لم يكن كذلك كان الخطب فيه أيسر.
وروينا "هذه المواضع"8 عن أحمد بن يحيى.
وروينا عنه أيضًا أنه قال: التواطخ9 من الطيخ، وهو الفساد.
وهذا -على إفحاشه- مما يجمل الظن به؛ لأنه من الوضوح بحيث لا يذهب على أصغر صغير من أهل هذا العلم.
وإذا كان كذلك وجب أن يحسن الظن به، ويقال إنه "أراد به"10: كأنه مقلوب11 منه.
هذا أوجه عندي من أن يحمل عليه12 هذا الفحش والتفاوت كله.
ومن هذا ما يحكى عن خلف أنه قال: أخذت على المفضل الضبي في مجلس واحد ثلاث سقطات: أنشد لامرئ القيس:
تمس بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب1
فقلت له: عافاك الله، إنما هو نمش: أي نمسح ومنه سمي منديل الغمر مشوشا، وأنشد للمخبل السعدي:
وإذا ألم خيالها طرقت ... عيني فماء شئونها سجم2
فقلت: عافاك الله! إنما هو طرفت، وأنشد للأعشى:
ساعةً أكبر النهار كما شد ... د محيل لبونه إعتاما3
فقلت: عافاك الله، إنما هو مخيل بالخاء المعجمة "وهو الذي"4 رأى خال السحابة، فأشفق منها على بهمه فشدها.
وأما ما تعقب به أبو العباس محمد بن يزيد كتاب سيبويه في المواضع التي سماها مسائل الغلط، فقلما يلزم صاحب الكتاب منه إلا الشيء النزر.
وهو أيضًا -مع قلته- من كلام غير أبي العباس.
وحدثنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس أنه قال: إن هذا كتاب5 كنا6 عملناه في أوان7 الشبيبة والحداثة، واعتذر أبو العباس منه.
وأما كتاب العين ففيه من التخليط والخلل والفساد ما لا يجوز أن يحمل على أصغر أتباع الخليل، فضلًا "عن1 نفسه" ولا محالة أن "هذا تخليط لحق"2 هذا الكتاب من قبل غيره رحمه الله.
وإن كان للخليل فيه عمل فإنما هو أنه أومأ إلى عمل هذا الكتاب إيماء، ولم يله بنفسه، ولا قرره، ولا حرره.
ويدل على أنه قد3 كان نحا نحوه4 أني5 أجد فيه معاني غامضة، ونزوات للفكر لطيفة، وصنعة في بعض الأحوال مستحكمة.
وذاكرت به يومًا أبا علي -رحمه الله- فرأيته منكرًا له.
فقلت له: إن تصنيفه منساق متوجه، وليس فيه التعسف الذي في كتاب الجمهرة، فقال: الآن إذا صنف إنسان لغة بالتركية تصنيفًا جيدًا أيؤخذ به في العربية!، أو كلامًا هذا نحوه.
وأما كتاب الجمهرة ففيه أيضًا من اضطراب التصنيف وفساد التصريف ما أعذر واضعه فيه6، لبعده عن معرفة هذا الأمر. ولما كتبته وقعت في متونه وحواشيه جميعا من التنبيه على هذه المواضع ما استحييت من كثرته7.
ثم إنه لما طال علي أومأت إلى بعضه وأضربت8 البتة عن9 بعضه.
وكان أبو علي يقول: لما هممت بقراءة رسالة10 هذا الكتاب على محمد11 بن الحسن قال لي: يا أبا علي: لا تقرأ هذا الموضع علي فأنت أعلم12 به مني.
وكان قد ثبت في نفس أبي علي
على أبي العباس في تعاطيه الرد1 على سيبويه ما كان لا يكاد يملك معه نفسه.
ومعذورا كان "عندي في ذلك"2 لأنه أمر وضع من أبي العباس، وقدح فيه، وغض كل الغض منه.
وذكر النضر عند الأصمعي فقال: قد كان يجيئني، وكان إذا أراد أن يقول: ألف قال3؛ إلف.
ومن ذلك اختلاف الكسائي وأبي محمد اليزيدي عند أبي عبيد الله في الشراء4 أممدود هو أم مقصور.
فمدة اليزيدي وقصره الكسائي فتراضيا5 ببعض "فصحاء العرب و"6 كانوا بالباب، فمدوه7 على قول اليزيدي.
وعلى كل حال فهو يمد ويقصر.
وقولهم: أشرية دليل المد "كسقاء"8 وأسقية.
ومن ذلك ما رواه الأعمش9 في حديث عبد الله بن مسعود: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة.
وكان أبو عمرو بن العلاء10 قاعدًا عنده بالكوفة11 فقال "الأعمش: يتخولنا، وقال أبو عمرو يتخوننا"12 فقال الأعمش: وما
يدريك؟ فقال أبو عمرو: إن شئت أن أعلمك أن الله -عز وجل- لم1 يعلمك "حرفًا من العربية"2 أعلمتك.
فسأل عنه الأعمش فأخبر بمكانه من العلم.
فكان بعد ذلك يدنيه، ويسأله عن الشيء إذا أشكل عليه.
هذا3 ما في الحكاية.
وعلى ذلك فيتخولنا صحيحة.
وأصحابنا يثبتونها.
ومنها -عندي4- قول البرجمي:
يساقط عنه روقه ضارياتها ... سقاط حديد القين أخول أخولا5
أي شيئًا بعد شيء.
وهذا هو معنى قوله: يتخولنا بالموعظة، مخافة السآمة، أي يفرقها ولا يتابعها.
ومن ذلك اجتماع الكميت مع نصيب، وقد استنشده نصيب من شعره، فأنشده الكميت:
هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب6
حتى إذا بلغ إلى قوله:
أم هل ظعائن بالعلياء نافعة ... وإن تكامل فيها الدل والشنب7
عقد نصيب بيده واحدًا، فقال الكميت: ما هذا؟ فقال أحصي خطأك.
تباعدت في قولك: الدل والشنب؛ ألا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب
ثم أنشده:
أبت هذه النفس إلا ادكارا
حتى إذا بلغ إلى قوله:
كأن الغطامط من غليه ... أراجيز أسلم تهجو غفارا1
قال نصيب: ما هجت أسلم غفارًا قط. فوجم الكميت.
وسئل الكسائي في مجلس يونس عن أولقٍ: ما مثاله من الفعل؟ فقال: أفعل2.
فقال له يونس3: استحييت لك يا شيخ! والظاهر عندنا من أمر أولق أنه فوعل من قولهم: ألق الرجل، فهو مألوق؛ أنشد أبو زيد:
تراقب عيناها القطيع كأنما ... يخالطها من مسه مس أولق4
وقد يجوز أن يكون: أفعل من ولق يلق إذا خف وأسرع؛ قال:
جاءت به عنس من الشأم تلق5
أي تخف وتسرع، وهم يصفون الناقة -لسرعتها- بالحدة والجنون؛ قال القطامي:
يتبعن سامية العينين تحسبها ... مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل1
والأولق: الحنون.
ويجوز أيضًا2 أن يكون فوعلا من ولق هذه.
وأصلها3 -على هذا- وولق. فلما التقت الواوان في أول الكلمة همزوا الأولى منهما، على العبرة في ذلك.
وسئل الكسائي أيضًا في مجلس يونس عن قولهم: لأضربن أيهم يقوم، لم لا يقال: لأضربن أيهم4.
فقال: أي هكذا خلقت.
ومن ذلك إنشاد الأصمعي لشعبة5 بن الحجاج قول فروة6 بن مسيك المرادي:
فما جبنوا أني أشد عليهم ... ولكن رأوا نارًا تحس وتسفع
فقال شعبة: ما هكذا أنشدنا سماك7 بن حرب.
إنما أنشدنا: "تحش" بالشين معجمة.
قال الأصمعي: فقلت: تحس: تقتل من قول الله -تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ 8 أي تقتلونهم، وتحش: توقد.
فقال لي شعبة: لو فرغت للزمتك.
وأنشد رجل من أهل المدينة أبا عمرو بن العلاء قول ابن قيس الرقيات1:
إن الحوادث بالمدينة قد ... أوجعنني وقرعن مروتيه
فانتهره أبو عمرو، فقال: ما لنا ولهذا الشعر الرخو! إن هذه الهاء لم توجد2 في شيء من الكلام إلا أرخته.
فقال له المديني: قاتلك الله! ما أجهلك بكلام العرب! قال الله -عز وجل- في كتابه: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ 3 وقال: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ﴾ 4، 5 فانكسر أبو عمرو انكسارًا شديدًا. قال أبو هفان: وأنشد هذا الشعر عبد الملك بن مروان، فقال: أحسنت يابن قيس، لولا أنك خنثت قافيته6.
فقال يا أمير المؤمنين ما عدوت قول الله -عز وجل- في كتابه ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ فقال له عبد الملك: أنت في هذه7 أشعر منك في شعرك.
قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: أتجيز: إنك لتبرق لي وترعد؟ فقال: لا8، إنما هو تبرق وترعد.
فقلت له: فقد قال الكميت:
أبرق وأرعد يا يزيـ ... ـد فما وعيدك لي بضائر
فقال: هذا جرمقاني1 من أهل الموصل، ولا آخذ بلغته.
فسألت عنها أبا زيد الأنصاري، فأجازها.
فنحن كذلك إذ وقف علينا أعرابي محرم، فأخذنا نسأله.
فقال "أبو زيد"2: لستم تحسنون أن تسألوه، ثم قال له3: كيف تقول: إنك لتبرق لي وترعد؟.
فقال له الأعرابي: أفي الجخيف تعني؟ أي التهدد.
فقال: نعم.
فقال الأعرابي: إنك لتبرق لي وترعد.
فعدت إلى الأصمعي، فأخبرته فأنشدني:
إذا جاوزت من ذات عرق ثنيةً ... فقل لأبي قابوس: ما شئت فارعد
ثم قال لي: هكذا4 كلام العرب.
وقال أبوحاتم أيضًا: قرأت على الأصمعي رجز العجاج، حتى وصلت5 إلى قوله:
جأبًا ترى بليته مسحجا6
فقال: ... تليله، فقلت: بليته.
فقال: تليله مسحجا، فقلت له7: أخبرني به من سمعه من فلق في رؤبة، أعني أبا زيد الأنصاري، فقال: هذا لا يكون "فقلت: جعل "مسحجا" مصدرًا أي تسحيجًا. فقال: هذا لا يكون"8.
فقلت: قال جرير:
ألم تعلم مسرحي القوافي9
أي تسريحي.
فكأنه توقف.
فقلت: قد قال الله -تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ 10، فأمسك.
ومن ذلك إنكار أبي حاتم على عمارة بن عقيل جمعه الريح على أرياح.
قال: فقلت "له فيه"1: إنما هي أرواح.
فقال: قد قال -عز وجل: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ 2 وإنما الأرواح جمع روح.
فعلمت بذلك أنه "ممن لا"3 يجب أن يؤخذ عنه.
وقال أبو حاتم: كان الأصمعي ينكر زوجة؛ ويقول: إنما هي زوج.
ويحتج بقول الله -تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ 4 قال: فأنشدته قول ذي الرمة:
أذو زوجة في المصر أم ذو خصومة ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا5
فقال: ذو الرمة طالما أكل المالح والبقل في حوانيت البقالين.
قال: وقد قرأنا عليه "من قبل"6 لأفصح الناس فلم ينكره:
فبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والطامعون إلي ثم تصدعوا7
وقال آخر8:
من منزلي قد أخرجتني زوجتي ... تهر في وجهي هرير الكلبة9
وقد1 كان يعاب ذو الرمة بقوله:
حتى إذا دومت في الأرض راجعه ... كبر، ولو شاء نجى نفسه الهرب2
فقيل: إنما يقال: دوى في الأرض، ودوم في السماء.
وعيب أيضًا في قوله:
والجيد من أدمانة عنود3
فقيل: إنما يقال4: أدماء وآدم.
والأدمان جمع؛ كأحمر وحمران، وأنت لا تقول: حمرانة ولا صفرانة.
وكان أبو علي يقول: بنى من هذا الأصل فعلانة؛ كخمصانة.
وهذا ونحوه مما يعتد في أغلاط العرب؛ إلا أنه لما كان من أغلاط هذه الطائفة القريبة العهد، جاز أن نذكره في سقطات العلماء.
ويحكى أن أبا عمرو رأى ذا الرمة في دكان طحان بالبصرة يكتب، قال: فقلت: ما هذا يا ذا الرمة! فقال: اكتم علي يا أبا عمرو.
ولما قال أيضا:
كأنما عينها منها وقد ضمرت ... وضمها السير في بعض الأضى ميم5
فقيل6 له: من أين عرفت الميم؟ فقال: والله ما أعرفها؛ إلا أني رأيت معلمًا خرج إلى البادية فكتب حرفًا، فسألته عنه، فقال: هذا7 الميم؛ فشبهت به عين الناقة.
وقد أنشدوا:
كما بينت كاف تلوح وميمها8
وقد قال أبو النجم:
أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخط رجلاي بخط مختلف
تكتبان في الطريق لام ألف1
وحكى أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي عن أحمد بن يحيى عن سلمة قال: حضر الأصمعي وأبو عمرو الشيباني عند أبي السمراء فأنشده2 الأصمعي:
بضرب كآذان الفراء فضوله ... وطعنٍ كتشهاق العفا هم بالنهق3
ثم ضرب بيده إلى فرو كان بقربه، يوهم أن الشاعر أراد فروًا. فقال أبو عمرو: أراد الفرو4.
فقال الأصمعي: هكذا راويتكم5!.
ويحكى عن رؤبة في توجهه إلى قتيبة بن مسلم أنه قال: جاءني رجلان، فجلسا إلي وأنا أنشد شيئًا من شعري، فهمسا6 بينهما، فتفقت7 عليهما، فهمدا.
ثم سألت عنهما، فقيل لي: الطرماح والكميت.
فرأيتهما ظريفين، فأنست بهما.
ثم كانا يأتياني، فيأخذان الشيء بعد الشيء من شعري، فيودعانه أشعارهما.
وقد كان قدماء أصحابنا يتعقبون رؤبة وأباه، ويقولون: تهضما اللغة، وولداها وتصرفا فيها، غير تصرف الأقحاح فيها.
وذلك لإيغالهما في الرجز، وهو مما يضطر إلى كثير من التفريع والتوليد: لقصره1، ومسابقة قوافيه.
وأخبرنا أبو صالح السليل بن أحمد بإسناده عن الأصمعي قال: قال لي2 الخليل: جاءنا رجل فأنشدنا:
ترافع العز بنا فارفنعما3
فقلنا4: هذا لا يكون.
فقال: كيف جاز للعجاج أن يقول:
تقاعس العز بنا فاقعنسسا
فهذا ونحوه يدلك على منافرة القوم لهما، وتعقبهم5 إياهما، وقد ذكرنا هذه الحكاية فيما مضى6 من هذا الكتاب، وقلنا في معناها: ما7 وجب8 هناك.
وحكى الأصمعي قال: دخلت على حماد9 بن سلمة وأنا حدث، فقال لي: كيف تنشد قول الحطيئة: "أولئك قوم إن بنوا أحسنوا ماذا.
فقلت"10:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البني ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
فقال: يا بنى، أحسنوا البنا.
يقال: بنى، يبنى بناء في العمران، وبنا يبنوُ1 بنًا، في الشرف.
هكذا هذه الحكاية، رويناها عن بعض أصحابنا.
وأما الجماعة فعندها أن الواحد من ذلك: بنية وبنية؛ فالجمع على ذلك: البُنَى، والبِنَى.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن القاسم الذهبى بإسناده عن أبي عثمان أنه كان عند أبي عبيدة، فجاءه رجل، فسأله، فقال له: كيف تأمر من قولنا: عنيت بحاجتك؟ فقال له أبو عبيدة: أعن بحاجتى.
فأومأت إلى الرجل: أى ليس كذلك.
فلما خلونا قلت له: إنما يقال: لتعن بحاجتى.
قال: فقال لى أبو عبيدة: لا تدخل إلي.
فقلت: لم؟ فقال: لأنك كنت مع رجل خوزى2، سرق منى عاما3 أول قطيفة لى.
فقلت: لا والله ما الأمر كذلك: ولكنك سمعتنى أقول ما سمعت، أو كلاما هذا معناه.
وحدثنا أبو بكر محمد بن علي المراغي قال: حضر الفراء أبا عمر الجرمي، فأكثر سؤاله إياه.
قال: فقيل لأبي عمر: قد أطال سؤالك؛ أفلا تسأله! فقال له أبو عمر: يا أبا زكرياء، ما4 الأصل في قم؟ فقال: اقوم.
قال: فصنعوا ماذا؟ قال: استثقلوا الضمة على الواو، فأسكنوها، ونقلوها إلى القاف.
فقال له أبو عمر: "هذا خطأ"5: الواو إذا اسكن ما قبلها جرت مجرى الصحيح، ولم تستثقل الحركات فيها.
ويدل على صحة قول أبي عمر إسكانهم إياها وهى مفتوحة في نحو يخاف وينام؛ ألا ترى أن أصلهما6: يخوف، وينوم: وإنما إعلال7 المضارع هنا محمول على إعلال7 الماضى.
وهذا مشروح في موضعه.
ومن ذلك حكاية أبي عمر1 مع الأصمعى وقد سمعه يقول: أنا أعلم الناس بالنحو، فقال له الأصمعى: "يا أبا عمر"2 كيف تنشد "قول الشاعر"3:
قد كن يخبأن الوجوه تسترا ... فالآن حين بدأن للنظار
بدأن أو بدين؟ فقال أبو عمر: بدأن.
فقال الأصمعى: يا أبا عمر، أنت أعلم الناس بالنحو! -يمازحه- إنما هو بدون، أى ظهرن.
فيقال: إن أبا عمر تغفل الأصمعى، فجاءه يوما وهو في مجلسه، فقال له أبو عمر: كيف تحقر مختارا؟ فقال الأصمعى: مخيتير.
فقال له أبو عمر: أخطأت؛ إنما هو مخير أو مخيير، تحذف التاء؛ لأنها زائدة.
حدثني أبو علي قال: اجتمعت مع أبي بكر4 بن الخياط عند أبي العباس المعمرى بنهر معقل، في حديث حدثنيه طويل.
فسألته عن العامل في "إذا" من قوله -سبحانه: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ 5 قال: فسلك فيها مسلك6 الكوفيين.
فكلمته إلى أن أمسك.
وسألته عن غيرها، وعن غيرها؛ وافترقنا.
فلما كان الغد7 اجتمعت معه عند أبي العباس،
وقد أحضر جماعة من أصحابه فسألونى فلم أر فيهم طائلا. فلما انقضى سؤالهم قلت لأكبرهم: كيف تبنى من سفرجل مثل عنكبوت فقال: سفرروت1.
فلما سمعت ذلم قمت في المسجد قائما، وصفقت بين الجماعة: سفرروت! سفرروت! فالتفت إليهم أبو بكر فقال: لا أحسن الله جزاءكم! ولا أكثر في الناس مثلكم! وافترقنا فكان آخر العهد به2.
قال أبو حاتم: قرأ الأخفش: -يعنى أبا الحسن: "وقولوا للناس حسنى"3 فقلت: هذا لا يجوز؛ لأن "حسنى" مثل فعلى4، وهذا لا يجوز إلا بالألف واللام.
قال: فسكت.
قال أبو الفتح: هذا عندى غير لازم لأبي الحسن؛ لأن "حسنى" هنا5 غير صفة؛ وإنما هو مصدر بمنزلة الحسن؛ كقراءة غيره: "قولوا للناس حسنا" ومثله في الفعل والفعلى: الذكر والذكرى، وكلاهما مصدر.
ومن الأول البؤس والبؤسى.
والنعم والنعمى.
ولذلك نظائر.
وروينا -فيما أظن- عن محمد بن سلام الجمحى قال: قال لى يونس ابن حبيب: كان عيسى بن عمر يتحدث في مجلس فيه أبو عمر بن العلاء.
فقال عيسى في حديثه: ضربه فحشت6 يده. فقال أبو عمرو: ما تقول يا أبا عمر! فقال عيسى: فحشت يده. فقال أبو عمرو: فحشت يده7.
قال يونس: التي رده عنها جيدة.
يقال حشت يده -بالضم، وحشت يده -بالفتح، وأحشت.
وقال يونس: وكانا إذا اجتمعا في مجلس لم يتكلم أبو عمرو مع عيسى؛ لحسن إنشاده وفصاحته.
الزيادى عن الأصمعى قال: حضر الفرزدق1 مجلس ابن أبي إسحاق، فقال له: كيف تنشد هذا البيت:
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر2
فقال الفرزدق: كذا أنشد. فقال ابن أبي إسحاق: ما كان عليك لو قلت: فعولين! فقال الفرزدق: لو شئت أن تسبح لسبحت. ونهض فلم يعرف أحد في المجلس ما أراد بقوله: لو شئت أن تسبح لسبحت، أى لو نصب لأخبر أن الله خلقهما وأمرهما أن تفعلا ذلك، وإنما أراد: أنهما تفعلان بالألباب ما تفعل الخمر "قال أبو الفتح: كان هنا تامة غير محتاجة إلى الخبر، فكأنه قال: وعينان قال الله: احدثا فحدثتا، أو اخرجا إلى الوجود فخرجتا"3.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال: سأل رجل سيبويه عن قول الشاعر4:
يا صاح يا ذا الضامر العنس
فرفع سيبويه "الضامر" فقال له الرجل: إن فيها:
والرحل "ذي الأقتاد"5 والحلس
فقال سيبويه1: من هذا هربت.
وصعد فى الدرجة.
فقال أبو الفتح: هذا عندنا2 محمول على معناه دون لفظه.
وإنما أراد: ياذا العنس الضامر، والرحل "ذى الاقتاد" فحمله على معناه، "دون لفظه"2.
قال أبو العباس: حدثني أبو عثمان قال: جلست في حلقة الفراء، فسمعته يقول لأصحابه: لا يجوز حذف لام الأمر إلا في شعر.
وأنشد:
من كان لا يزعم أني شاعر ... فيدن مني تنهه المزاجر3
قال: فقلت له: لم جاز في الشعر ولم يجز في الكلام؟ فقال: لأن الشعر يضطر فيه الشاعر، فيحذف.
قال: فقلت: وما الذى اضطره هنا، وهو يمكنه أن يقول: فليدن منى؟ قال: فسأل عنى، فقيل له: المازنى، فأوسع لى.
قال أبو الفتح: قد كان يمكن الفراء أن يقول له: إن العرب قد تلزم4 الضرورة في الشعر في حال السعة، أنسًا بها "واعتيادًا5 لها"، وإعدادًا لها لذلك عند وقت الحاجة إليها؛ ألا ترى إلى قوله6:
قد أصبحت أم الخيار تدعى ... عليّ ذنبا كله لم أصنع
فرفع للضرورة ولو نصب لما كسر الوزن.
وله نظائر.
فكذلك قال: "فيدن منى" وهو قادر على أن يقول: "فليدن منى"؛ لما1 ذكرت.
والمحفوظ في هذا قول أبي عمرو لأبي خيرة وقد قال: استأصل الله عرقاتهم2 -بنصب3 التا- هيهات، أبا خيرة لان جلدك! ثم رواها أبو عمرو فيما بعد.
وأجاز أيضًا أبو خيرة: حفرت إراتك، جمع إرة4.
وعلى نحوه إنشاد الكوفيين:
ألا يزجر الشيخ الغيور بناته5
وإنشادهم أيضًا:
فلما جلاها بالإيام تحيزت ... ثباتًا عليها ذلها واكتئابها6
وأصحابنا لا يرون فتح هذه التاء في موضع النصب.
وأما7 عرقاتهم فواحدة؛ كسعلاة.
وكذلك إراة: علفة، وأصلها وئرة: فعلة، فقلبت الفاء إلى موضع اللام، فصار: "إروة، ثم قلبت الواو ألفا فصار"8 إراة؛ مثل الحادى، وأصله: الواحد، فقلبت الفاء إلى موضع اللام، فصار وزنه على اللفظ: عالفا ومثله قول القطامى:
ولا تقضى بواقي دينها الطادي9
أصله: الواطد، ثم قلب إلى عالف.
وأنا ثباة ففعلة من الثبة، وأما بناته ففعلة، كقناة كما أن ثباة وسمعت لغاتهم إنما "هي واحدة"10؛ كرطبة.
هذا كله إن كان مارووه -من فتح هذه التاء- صحيحا ومسموعا من فصيح يؤخذ بلغته ولم يجز أصحابنا فتح هذه التاء في الجماعة، إلا شيئا قاسه أبو عثمان، فقال: أقول: لا مسلمات لك -بفتح التاء- قال: لأن الفتحة الآن ليست لـ"مسلمات" وحدها، وإنما لها ولـ"لا" قبلها.
وإنما يمتنع1 من فتح هذه التاء ما دامت الحركة في آخرها لها وحدها.
فإذا2 كانت لها ولغيرها فقد زال طريق ذلك3 الحظر الذي كان عليها.
وتقول على هذا: لا سمات بإبلك -بفتح4 التاء- على ما مضى.
وغيره يقول: لا سمات بها -بكسر5 التاء- على كل حال. وفي هذا مسألة لأبي على -رحمه الله- طويلة حسنة.
وقال الرياشي: سمعت أبا زيد يقول: قال المنتجمع: أعمى على المريض، وقال أبو خيرة: غمى عليه. فأرسلوا إلى أم أبى خيرة، فقالت: غمى على المريض. فقال لها المنتجع: أفسدك ابنك. وكان وراقا.
وقال أبو زيد: قال منتجع: كمء واحدة وكمأة للجميع. وقال أبو خيرة: كمأة واحدة، وكمء للجميع؛ مثل تمرة وتمر، قال: فمر بهما رؤبة، فسألوه، فقال كما قال منتجع6.
وقال أبو زيد: قد يقال: كمأة وكمء كما قال أبو خيرة.
وأخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحجاج عن أبي علي بن بشر بن موسى الأسدى عن الأصمعى، قال: اختلف رجلان، فقال أحدهما: الصقر، وقال الآخر: السقر.
فتراضيا بأول وارد يرد عليهما، فإذا رجل قد أقبل، فسألاه فقال: ليس كما قلت أنت ولا "كما قلت أنت"7؛ إنما هو الزقر.
وقال الرياشي: حدثني الأصمعى، قال: ناظرني المفضل عند عيسى بن جعفر، فأنشد بيت أوس:
وذات هدم عارٍ نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جذعا1
فقلت: هذا تصحيف؛ لا يوصف التولب بالإجذاع، وإنما هو: جدعا، وهو السىء الغذاء.
قال: فجعل المفضل يشغب، فقلت له: تكلم كلام النمل وأصب.
لو نفخت في شبور2 يهودى ما نفعك شيئا.
ومن ذلك إنكار الأصمعى على ابن الأعرابى ما كان رواه ابن الأعرابى لبعض ولد سعيد بن سلم بحضرة سعيد بن سلم لبعض بنى كلاب:
سمين الضواحى، لم تؤرقه ليلة ... وأنعم أبكار الهموم3 وعونها
فرفع ابن الأعرابي "ليلة"، ونصبها الأصمعى، وقال: إنما أراد: لم تؤرقه أبكار الهموم1 وعونها ليلةً، وأنعم أي زاد2 على ذلك.
فأحضر ابن الأعرابي، وسئل عن ذلك فرفع "ليلة" فقال الأصمعى لسعيد: من لم يحسن هذا القدر فليس بموضع لتأديب ولدك، فنحاه سعيد، فكان ذلك سبب طعن ابن الأعرابي على الأصمعى.
محمد بن يزيد قال: حدثني أبو محمد التوزى عن أبى عمرو الشيبانى قال: كنا بالرقة، فأنشد الأصمعي:
عننًا باطلا وظلما كما تعـ ... ـنز عن حجرة الربيض الظباء3
فقلت: يا سبحان الله، تعتر من العتيرة. فقال الأصمعى: تعنز أى تطعن بعنزة4.
فقلت: لو نفخت في شبور اليهودى، وصحت إلى التنادى5، ما كان إلا تعتر، ولا ترويه بعد اليوم إلا تعتر.
قال أبو العباس قال لى التوزى، قال لى أبو عمرو: فقال: والله لا أعود بعده6 إلى تعنز.
وأنشد الأصمعى أبا توبة ميمون بن حفص1 مؤدب عمرو بن سعيد بن سلم بحضرة سعيد:
واحدةٌ أعضلكم شأنها ... فكيف لو قمت على أربع! 2
قال: ونهض الأصمعى فدار على أربع، يلبس بذلك على أبي توبة.
فأجابه أبو توبة بما يشاكل فعل الأصمعى.
فضحك سعيد، وقال "لأبي توبة"3: ألم أنهك عن مجاراته في المعانى هذه صناعته.
وروى أبو زيد: ما يعوز4 له شيء إلا أخذه، فأنكرها الأصمعى، وقال: إنما هو "يعور" -بالراء- وهو كما قال الأصمعى.
وقال الأثرم على5 بن المغيرة: مثقل استعان بدفيه6، ويعقوب بن السكيت حاضر.
فقال يعقوب: هذا تصحيف؛ إنما هو: مثقل7 استعان بذقنه.
فقال الأثرم: إنه يريد الرياسة بسرعة، ودخل بيته هذا في حديث لهما.
وقال أبو الحسن لأبي حاتم، ما صنعت في كتاب المذكر والمؤنث؟ قال: قلت8: قد صنعت فيه شيئا.
قال: فما تقول في الفردوس؟ قال9: ذكر.
قال فإن الله -عز وجل- يقول: ﴿الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ 10 قال: قلت:
ذهب إلى الجنة فأنث.
قال أبو حاتم: فقال لى التوزى: يا عاقل1! أما سمعت قول الناس: أسألك الفردوس الأعلى، "فقلت يا نائم: الأعلى هنا"2 أفعل لا فعلى! قال أبو الفتح: لا وجه لذكره هنا؛ لأن الأعلى لا يكون أبدا فعلى.
أبو عثمان قال: قال لى أبو عبيدة: ما أكذب النحويين! يقولون: إن هاء التأنيث، لا تدخل على ألف التأنيث وسمعت رؤبة ينشد:
فكر في علقى وفي مكور3
فقلت له: واحد العلقى؟ فقال: علقاة.
قال أبو عثمان: فلم أفسر له؛ لأنه كان أغلظ من أن يفهم مثل هذا.
وقد ذكرنا نحو هذا فيما قبل، أو شرحناه.
قال أبو الفتح: قد أتينا في هذا الباب من هذا الشأن على أكثر مما يحتمله هذا الكتاب، تأنيسا به، وبسطا للنفس بقراءته.
وفيه أضعاف هذا؛ إلا أن في هذا كافيا من غيره بعون الله.