الخصائصباب في غلبة الفروع على الأصول

باب في غلبة الفروع على الأصول

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

... باب من غلبة الفروع على الأصول: هذا فصل من فصول العربية طريف1؛ تجده في معاني العرب، كما تجده في معاني الإعراب 2. ولا تكاد تجد شيئًا من ذلك إلا والغرض فيه المبالغة.
فمما جاء فيه ذلك للعرب قول ذي الرمة: ورمل كأوراك العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس3 أفلا ترى ذا الرمة كيف جعل الأصل فرعًا والفرع أصلًا.
وذلك أن العادة والعرف في نحو هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء ألا ترى إلى قوله: ليلى قضيب تحته كثيب ... وفي القلاد رَشَأٌ ربيب4

وإلى قول ذي الرمة أيضًا -وهو من أبيات الكتاب1: ترى خلفها نصفًا قناة قويمة ... ونصفًا نقًا يرتج أو يتمرمر2 وإلى قول الآخر: خلقت غير خلقة النسوان ... إن قمت فالأعلى قضيب بان وإن توليت فدعصتان ... وكل إد تفعل العينان3 وإلى قوله 4: كدِعص النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهال وما أحسن ما ساق الصنعة فيه الطائي الكبير: كم أحرزت قضب الهندي مصلتةً ... تهتز من قضب تهتز في كثب5

"ولله البحتري"1 فما أعذب وأظرف وأدمث قوله: أين الغزال المستعير من التقا ... كفلا ومن نور الأقاحي مبسما2 فقلب ذو الرمة العادة والعرف في هذا فشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء.
وهذا كأنه يخرج مخرج المبالغة أي قد ثبت هذا الموضع وهذا3 المعنى لأعجاز النساء وصار4 كأنه الأصل فيه حتى شبه به كثبان الأنقاء.
ومثله للطائي الصغير: في طلعة البدر شيء من ملاحتها ... وللقضيب نصيب من تثنيها5 وآخر من6 جاء به شاعرنا، فقال: نحن ركب مِلجِنِّ في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال7 فجعل كونهم جنًّا أصلا وجعل كونهم ناسًا فرعًا وجعل كون مطاياه طيرًا أصلًا وكونها جمالا فرعًا فشبه الحقيقة بالمجاز في المعنى الذي منه أفاد المجاز من الحقيقة

ما أفاد.
وعلى نحو من هذا قالوا "جمالية" لأنهم شبهوها بالجمل في شدته وعلو خلقه؛ قال الأعشى: جمالية تغتلي بالردف ... إذا كذب الآثمات الهجيرا1 وقال الراعي: على جمالية كالفحل هملاج وهو كثير.
فلما شاع ذلك واطرد صار كأنه أصل في بابه، حتى عادوا فشبهوا الجمل بالناقة في ذلك؛ فقال2: وقربوا كل جُمالي عَضِه ... قريبةٍ ندوتُه من مَحمَضِه فهذا من حملهم الأصل على الفرع فيما كان الفرع أفاده من الأصل، ونظائره في هذه اللغة كثيرة.
وهذا المعنى عينه قد استعمله النحويون في صناعتهم فشبهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل ألا ترى أن سيبويه أجاز في قولك: هذا الحسن الوجه أن يكون الجر في الوجه من موضعين، أحدهما

الإضافة والآخر تشبيهه بالضارب الرجل الذي إنما جاز فيه الجر تشبيهًا له بالحسن الوجه على ما تقدم في الباب قبل هذا.
فإن قيل: وما الذي سوغ سيبويه هذا وليس مما يرويه عن العرب رواية وإنما هو شيء رآه واعتقده لنفسه وعلل به قيل يدل على صحة ما رآه من هذا وذهب إليه ما عرفه وعرفناه معه: من أن العرب إذا شبهت شيئًا بشيء مكنت ذلك الشبه لهما، وعمرت1 به الحال بينهما؛ ألا تراهم لما شبهوا الفعل المضارع بالاسم فأعربوه تمموا ذلك المعنى بينهما بأن شبهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه.
وكذلك لما شبهوا الوقف بالوصل في نحو3 قولهم "عليه السلام والرحمت " وقوله 4: بل جوزتيهاء كظهر الحجفت5 وقوله 6: آلله نجاك بكفي مَسلمت ... من بعدما وبعدما وبعدمت7 صارت نفوس القوم عند الغلصمت ... وكادت الحرة أن تدعى أمت2

كذلك شبهوا أيضًا الوصل بالوقف في قولهم: ثلاثهَ اربعه يريد ثلاثه أربعه ثم تخفف الهمزة فتقول: ثلاثهَ اربَعَه وفي قولهم: " سبسبَّا وكلكلاّ"1.
وكما أجروا غير اللازم مجرى اللازم في قولهم: "لَحمر2 ورُيا 3" وقولهم: وَهْوَ4 الله وَهْيَ4 التي فعلتْ وقوله 5: فقمت للطيف مرتاعًا وأرقني ... فقلت أهي سرت أم عادني حلم6

وقولهم ها1 الله ذا, أجروه مجرى دابة وقوله: ومن يتق فإن الله معه ... ورزق الله مؤتابٌ وغادي2 أجرى "تَقِ فَ "3 مجرى علم حتى صار "تَقْفَ " كعَلْمَ, كذلك4 أيضًا أجروا اللازم مجرى غير اللازم في قول الله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ 5 فأجرى النصب مجرى الرفع الذي لا تلزم فيه الحركة6 ومجرى7 الجزم الذي لا يلزم فيه الحرف أصلا وكما حمل النصب على الجر في التثنية والجمع الذي على حد التثينة, كذلك حمل الجر على النصب فيما لا ينصرف وكما شبهت الياء بالألف في قوله: كأن أيديهن بالقاع القَرِق8

وقوله 1: يا دار هند عفت إلا أثافيها كذلك حملت الألف على الياء في قوله -فيما أنشد أبو زيد: إذا العجوز غضبت فطلق ... ولا ترضّاها ولا تملَّق2 وكما وضع الضمير المنفصل موضع المتصل في قوله: إليك حتى بلغت إياكا ومنه قول أمية 3: بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرض في دهر الدهارير كذلك وضع أيضا المتصل موضع المنفصل في قوله: فما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار4 وكما قلبت الواو ياء استحسانًا, لا عن قوة علة في نحو غديان5، وعشيان5، وأبيض لياح5، كذلك أيضًا "قلبت الياء واوًا"6 في نحو الفتوى والرعوى والتقوى،

والبقوى, والثنوى, والشروى -وقد ذكر1 ذلك- وقولهم عوى الكلب عوة.
وكما أتبعوا الثاني الأول في نحو شد وفر وعض ومنذ كذلك أتبعوا الأول الثاني في نحو: اقتل اخرج ادخل وأشباه هذا كثير2، فلما رأى سيبويه العرب إذا شبهت شيئًا بشيء فحملته على حكمه عادت أيضًا فحملت الآخر على حكم صاحبه, تثبيتًا لهما وتتميمًا لمعنى الشبه بينهما حكم أيضًا لجر الوجه من قوله " هذا الحسن الوجه " أن يكون محمولًا على جر الرجل في قولهم " هذا الضارب الرجل " كما أجازوا أيضًا النصب في قولهم "هذا الحسن الوجهَ " حملًا له منهم على " هذا الضارب الرجل " ونظيره قولهم: يا أميمة3، ألا تراهم حذفوا الهاء فقالوا: أميم فلما أعادوا الهاء أقروا الفتحة بحالها اعتيادًا للفتحة في الميم وإن كان الحذف فرعًا.
وكذلك قولهم "اجتمعت أهل اليمامة"4 أصله "اجتمع أهل اليمامة " ثم حذف المضاف فأنث الفعل فصار "اجتمعت اليمامة" ثم أعيد المحذوف فأقر التأنيث الذي هو الفرع بحاله فقيل اجتمعت أهل اليمامة "نعم " وأيد ذلك ما قدمنا ذكره؛ من عكسهم التشبيه وجعلهم فيه الأصول محمولة على الفروع، في تشبيههم كشبان الأنقاء بأعجاز النساء، وغير ذلك مما قدمنا ذكره.
ولما كان النحويون بالعرب لاحقين, وعلى سمتهم آخذين, وبألفاظهم متحلين ولمعانيهم وقصودهم آمين، جاز لصاحب5 هذا العلم الذي جمع شعاعه وشرع أوضاعه ورسم أشكاله ووسم أغفاله7، وخلج أشطانه،6

وبعج أحضانه، وزم شوارده, وأفاء1 فوارده، أن يرى فيه نحوًا مما رأوا ويحذوه على أمثلتهم التي حذوا وأن يعتقد في هذا الموضع نحوًا مما اعتقدوا في أمثاله لا سيما والقياس إليه مصغ وله قابل وعنه غير متثاقل.
فاعرف إذًا ما نحن عليه للعرب مذهبًا ولمن شرح لغاتها مضطربًا وأن سيبويه لاحق بهم وغير بعيد فيه عنهم.
ولذلك عندنا لم يتعقب هذا الموضع عليه أحد من أصحابه2 ولا غيرهم، ولا أضافوه إلى ما نعوه عليه وإن كان بحمد الله ساقطًا عنه وحرىً بالاعتذار هم منه.
وأجاز سيبويه أيضًا نحو هذا وهو قوله "زيدًا إذا يأتيني أضرب "3 فنصبه بـ "أضرب " ونوى تقديمه حتى كأنه قال "زيدًا أضرب إذا يأتيني" ألا ترى إلى نيته بما يكون جوابًا ل "إذا " -وقد وقع في موقعه- أن يكون التقدير فيه تقديمه عن موضعه.
ومن غلبة الفروع للأصول إعرابهم في الآحاد بالحركات نحو زيدٌ وزيدًا, وزيدٍ وهو يقوم وإذا تجووزت رتبة الآحاد4 أعربوا بالحروف نحو الزيدان، والزيدين، والزيدون والعمرين وهما يقومان وهم ينطلقون.
فأما ما جاء في الواحد من ذلك نحو أخوك وأباك وهنيك فإن أبا بكر ذهب فيه إلى أن العرب قدمت منه هذا القدر توطئة لما أجمعوه من الإعراب في التثنية والجمع بالحروف.
وهذا أيضًا نحو آخر من حمل الأصل على الفرع ألا تراهم أعربوا بعض الآحاد بالحروف حملًا لهم على ذلك في التثنية والجمع.
فأما قولهم " أنت تفعلين "

فإنهم إنما أعربوه بالحرف1 وإن كان في رتبة الآحاد -وهي الأول- من حيث كان قد صار بالتأنيث إلى حكم الفرعية ومعلوم أن الحرف أقوى من الحركة فقد ترى إلى علم إعراب الواحد أضعف لفظًا من إعراب ما فوقه فصار -لذلك- الأقوى كأنه الأصل والأضعف كأنه الفرع.
ومن ذلك حذفهم الأصل لشبهه عندهم بالفرع ألا تراهم لما حذفوا الحركات -ونحن نعلم أنها زوائد في نحو لم يذهب ولم ينطلق- تجاوزوا ذلك إلى أن حذفوا للجزم أيضًا الحروف الأصول فقالوا: لم يخش ولم ير ولم يغز.
ومن ذلك "أيضًا"2 أنهم حذفوا ألف مغزىً3، ومدعىً في الإضافة فأجازوا مغزِيّ ومرمِيّ ومَدعِيّ فحملوا الألف هنا -وهي لام- على الألف الزائدة في نحو4 حبلىّ وسكرىّ.
ومن ذلك حذفهم ياء تحية وإن كانت أصلًا حملًا لها على ياء شقية وإن كانت زائدة فلذلك قالوا تحويّ كما قالوا سقويّ وغنويّ في شقية وغنية.
وحذفوا أيضًا النون الأصلية في قوله 5: ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل وفي قوله6: كأنهما ملآن لم يتغيرا

وقوله 1: أبلغ أبا دختنوس مألكةً ... غير الذي قد يقال مِلكذب2 كما حذفوا الزائدة3 في قوله 4: وحاتم الطائي وهاب المئي وقوله 5: ولا ذاكر الله إلا قليلا ومن ذلك حملهم التثنية -وهي أقرب إلى الواحد- على الجمع وهو أنأى عنه؛ ألا تراهم قلبوا همزة التأنيث فيها فقالوا: حمراوان وأربعاوان كما قلبوها فيه واوًا فقالوا: حمراوات علمًا وصحراوات وأربعاوات.
ومن ذلك حملهم الاسم -وهو الأصل- على الفعل -وهو الفرع- في باب ما لا ينصرف "نعم " وتجاوزوا بالاسم رتبة الفعل إلى أن شبهوه بما ورءاه -وهو الحرف- فبنوه نحو أمس وأين وكيف وكم وإذا.
وعلى ذلك ذهب بعضهم في ترك تصرف " ليس" إلى أنها ألحقت بـ "ما " فيه كما ألحقت "ما " 6 بها في العمل في اللغة الحجازية.
وكذلك قال أيضًا في " عسى ": "إنها"7 منعت التصرف لحملهم إياها على لعل.
فهذا ونحوه يدلك على قوة تداخل هذه اللغة وتلامحها8، واتصال أجزائها وتلاحقها وتناسب أوضاعها وأنها لم تقتعث9 اقتعاثًا ولا هيلت هيلا, وأن واضعها عني بها وأحسن جوارها10، وأمد بالإصابة والأصالة فيها.

جارٍ التحميل