الخصائصباب في اللفظ يرد محتملًا لأمرين أحدهما أقوى من صاحبه

باب في اللفظ يرد محتملًا لأمرين أحدهما أقوى من صاحبه

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

أيجازان جميعًا فيه3، أم يقتصر على الأقوى منهما دون صاحبه؟ اعلم أن المذهب في هذا ونحوه أن يعتقد الأقوى منهما مذهبًا, ولا يمتنع "مع ذلك"2 أن يكون الآخر مرادًا وقولًا.
من ذلك قوله 4: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

فالقول أن يكون "ناهيًا" اسم الفاعل من نهيت كساعٍ من سعيت وسار من سريت, وقد يجوز مع هذا أن يكون "ناهيًا" هنا مصدرًا كالفالج1 والباطل والعائر2 والباغز3 ونحو ذلك مما جاء فيه المصدر على فاعل حتى كأنه قال: كفى الشيب والإسلام للمرء نهيًا وردعًا, أي: ذا نهي فحذف المضاف وعلقت اللام بما يدل عليه الكلام, ولا تكون على هذا معلقة بنفس الناهي؛ لأن المصدر لا يتقدم شيء من صلته عليه.
فهذا4 وإن كان عسفًا فإنه جائز للعرب5؛ لأن العرب قد حملت عليه فيما لا يشك فيه, فإذا أنت أجزته هنا فلم تجز إلّا جائزًا مثله, ولم تأت إلا ما أتوا بنحوه.
وكذلك قوله 6: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه فظاهر هذا أن يكون "جوازيه" جمع جازٍ, أي: لا يعدم شاكرًا عليه, ويجوز أن يكون جمع جزاء, أي: لا يعدم جزاء عليه, وجاز أن يجمع جزاء على جوازٍ لمشسابهة المصدر اسم الفاعل, فكما جمع سيل على سوائل؛ نحو قوله 7: وكنت لقي تجري عليه السوائل

"أي: السيول"1 كذلك2 يجوز أن يكون "جوازيه" جمع جزاء, ومثله قوله 3: وتترك أموال عليها الخواتم يجوز أن يكون جمع خاتم, أي: آثار الخواتم, ويجوز أن يكون جمع ختم على ما مضى.
ومن ذلك قوله 4: ومن الرجال أَسِنَّة مذروبة ... ومزنَّدون شهودهم كالغائب يجوز أن يكون "شهودهم" جمع شاهد, وأراد: كالغياب, فوضع الواحد موضع الجمع على قوله: على رءوس كرءوس الطائر "يريد الطير"5 ويجوز أن يكون "شهودهم" مصدرًا, فيكون الغائب هنا مصدرًا أيضًا، كأنه6 قال: شهودهم كالغيبة أو المغيب, ويجوز أيضًا أن يكون على حذف المضاف, أي: شهودهم كغيبة الغائب.

ومن ذلك قوله 1: إلّا يكن مال يثاب فإنه ... سيأتي ثنائي زيدًا ابن مهلهل فالوجه أن يكون "ابن مهلهل" بدلًا من زيد لا وصفًا له؛ لأنه لو كان وصفًا لحذف تنوينه فقيل: زيد بن مهلهل, ويجوز أيضًا أن يكون وصفًا أخرج على أصله, ككثير من الأشياء تخرج على أصولها تنبيهًا على أوائل أحوالها كقول الله سبحانه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ ونحوه3.
ومثله قول الآخر 4: جارية من قيس ابن ثعلبه القول في البيتين سواء.
والقول في هذا واضح, ألا ترى أن العالم الواحد قد5 يجيب6 في الشيء الواحد أجوبة وإن كان بعضها أقوى من بعض, ولا تمنعه قوة القويّ من إجازة الوجه الآخر؛ إذ كان من7 مذاهبهم8 وعلى سمت كلامهم9، كرجل له عدّة أولاد فكلهم ولد له, ولاحق به وإن تفاوتت أحوالهم في نفسه.
فإذا رأيت العالم قد أفتى في شيء من ذلك بأحد الأجوبة الجائزة فيه, فلأنه وضع يده على أظهرها عنده، فأفتى به2

وإن كان مجيزًا للآخر وقائلًا به, ألا ترى إلى قول سيبويه1 في قولهم: له مائة بيضًا: إنه حال من النكرة، وإن كان جائزًا أن يكون "بيضًا" حالًا من الضمير المعرفة المرفوع في "له".
وعلى ذلك حمل قوله2: لعزة موحشًا طلل فقال فيه: إنه حال من النكرة, ولم يحمله على الضمير3 في الظرف.
أفيحسن بأحد "أن يدَّعى على أحد"4 متوسطينا أن يخفى هذا الموضع عليه, فضلًا عن المشهود له بالفضل: سيبويه.
نعم, وربما5 أفتى بالوجه الأضعف عنده، لأنه6 على الحالات وجه صحيح.
وقد فعلت العرب ذلك عينه ألا ترى إلى قول عمارة لأبي العباس وقد سأله عمَّا أراد بقراءته 7: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ 8 فقال له: ما أردت؟ فقال: أردت: سابقُ النهار, فقال له أبو العباس: فهلَّا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن, أي: أقوى.
وهذا واضح.
فاعرف ذلك ونحوه مذهبًا يقتاس به ويفزع إليه.

جارٍ التحميل