الخصائصصفحات 89-96

باب ذكر علل العربية أكلامية هي أم فقهية؟

صفحات 89-96
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

براهين المهندسين غير أنا نقول: إن علل النحويين على ضربين: أحدهما واجب لا بد منه؛ لأن النفس لا تطيق في معناه غيره.
والآخر ما يمكن تحمله إلا أنه على تجشم واستكراه له.
الأول -وهو ما لا بد للطبع منه: قلب الألف واوًا للضمة قبلها, وياء للكسرة قبلها.
أما الواو فنحو قولك في سائر: سويئر وفي ضارب: ضويرب.
وأما الياء فنحو قولك في نحو تحقير قرطاس وتكسيره: قريطيس وقراطيس.
فهذا ونحوه مما لا بد منه؛ من قبل أنه ليس في القوة ولا احتمال الطبيعة وقوع الألف المدة1 الساكنة بعد الكسرة ولا الضمة.
فقلب الألف على هذا الحد علته الكسرة والضمة قبلها.
فهذه علة برهانية ولا لبس فيها ولا توقف للنفس عنها.
وليس كذلك قلب واو عصفور ونحوه ياء إذا انكسر ما قبلها نحو: عصيفير وعصافير؛ ألا ترى أنه قد يمكنك تحمل المشقة في تصحيح هذه الواو بعد الكسرة؛ وذلك بأن تقول عصيفور وعصافور.
وكذلك نحو: موسر وموقن وميزان وميعاد لو أكرهت نفسك على تصحيح أصلها لأطاعتك عليه وأمكنتك منه وذلك قولك: موزان وموعاد وميسر وميقن.
وكذلك ريح وقيل قد كنت قادرًا أن تقول: قول وروح لكن مجيء الألف بعد الضمة أو الكسرة أو السكون محال ومثله لا يكون.
ومن المستحيل جمعك2 بين الألفين المدتين نحو ما صار إليه قلب لام

كساء ونحوه قبل إبدال الألف همزة وهو خطا كساا, أو قضاا, فهذا تتوهمه تقديرًا ولا تلفظ به البتة.
قال أبو إسحاق يومًا لخصم نازعه في جواز اجتماع الألفين المدتين -ومد الرجل الألف في نحو هذا, وأطال- فقال له أبو إسحاق: لو مددتها إلى العصر ما كانت إلا ألفًا واحدة.
وعلة امتناع ذلك عندي أنه قد ثبت أن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا فلو التقت ألفان مدتان لانتقضت القضية في ذلك؛ ألا ترى أن الألف الأولى قبل الثانية ساكنة وإذا كان ما قبل الثانية ساكنًا كان ذلك نقضًا في الشرط لا محالة.
فأما قول أبي العباس في إنشاد سيبويه 1: دار لسعدى إذه من هواكا إنه خرج من باب الخطأ إلى باب الإحالة؛ لأن الحرف الواحد لا يكون ساكنًا متحركًا في حال2، فخطأ عندنا.
وذلك أن الذي قال: " إذه من هواك " هو الذي يقول في الوصل: هي قامت, فيسكن الياء، وهي لغة3 معروفة, فإذا حذفها في الوصل اضطرارًا واحتاج إلى الوقف ردها حينئذ فقال: هي, فصار الحرف المبدوء به غير الموقوف عليه فلم يجب من هذا أن يكون ساكنًا متحركًا في حال وإنما كان قوله: " إذه" على لغة من أسكن الياء لا لغة من حركها من قبل أن الحذف ضرب من الإعلال.
والإعلال إلى السواكن لضعفها أسبق منه إلى المتحركات لقوتها.
وعلى هذا قبح قوله:

لم يك الحق سوى أن هاجه ... رسم دار قد تعفى بالسرر1 لأنه موضع يتحرك فيه الحرف في نحو قولك: لم يكن الحق.
وعلة جواز هذا البيت ونحوه مما حذف فيه ما يقوى بالحركة, هي أن هذه الحركة إنما هي لالتقاء2 الساكنين وأحداث التقائهما ملغاة غير معتدة فكأن النون ساكنة وإن كانت لو أقرت لحركت, فإن لم تقل بهذا لزمك أن تمتنع من إجماع العرب الحجازيين على قولهم: اردد الباب واصبب الماء واسلل السيف.
وأن تحتج3 في دفع ذلك بأن تقول: لا أجمع بين مثلين متحركين.
وهذا واضح.
ومن طريف حديث اجتماع السواكن شيء وإن كان في لغة العجم, فإن طريق الحس موضع تتلاقى عليه طباع البشر, ويتحاكم إليه الأسود والأحمر, وذلك قولهم: "آرد " للدقيق4 و "ماست " للبن4؛ فيجمعون بين ثلاثة سواكن.
إلا أنني لم أر ذلك إلا فيما كان ساكنه الأول5 ألفًا, وذلك أن الألف لما قاربت بضعفها وخفائها الحركة صارت " ماستْ" كأنها مَسْت.

فإن قلت: فأجز على هذا الجمع بين الألفين المدتين واعتقد أن الأولى منهما كالفتحة قبل الثانية.
قيل: هذا فاسد؛ وذلك أن الألف قبل السين في "ماست " إذا أنت استوفيتها أدتك إلى شيء آخر غيرها مخالف لها, وتلك حال الحركة قبل الحرف: أن يكون بينهما فرق ما1، ولو تجشمت نحو ذلك في جمعك في اللفظ بين ألفين مدتين, نحو كساا, وحمراا, لكان مضافًا إلى اجتماع ساكنين أنك خرجت من الألف إلى ألف مثلها وعلى سمتها, والحركة لا بد لها أن تكون مخالفة للحرف بعدها, هذا مع انتقاض القضية في سكون ما قبل الألف الثانية.
ورأيت مع هذا أبا علي -رحمه الله- كغير المستوحش من الابتداء بالساكن في كلام العجم.
ولعمري إنه لم يصرح بإجازته لكنه لم يتشدد فيه تشدده في إفساد إجازة ابتداء العرب بالساكن.
قال: وذلك أن العرب قد امتنعت من الابتداء بما يقارب حال الساكن, وإن كان في الحقيقة متحركًا يعني همزة بين بين.
قال: فإذا كان بعض المتحرك لمضارعته الساكن لا يمكن الابتداء به فما الظن بالساكن نفسه! قال: وإنما خفي حال هذا في اللغة العجمية لما فيها من الزمزمة2، يريد أنها لما كثر ذلك فيها ضعفت حركاتها وخفيت.
وأما أنا فأسمعهم3 كثيرًا إذا أرادوا المفتاح قالوا: "كليد " فإن لم تبلغ الكاف أن تكون

ساكنة, فإن حركتها جد مضعفة, حتى إنها ليخفى حالها عليّ, فلا أدري أفتحة هي أم كسرة, وقد تأملت ذلك طويلا فلم أحل1 منه بطائل.
وحدثني أبو علي رحمه الله قال: دخلت "هيتا "2 وأنا أريد الانحدار منها إلى بغداد فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل؛ فعجبت منها وأقمنا هناك أيامًا, إلى أن صلح الطريق للمسير, فإذا أنني قد تكلمت مع القوم بها, وأظنه قال لي: إنني لما بعدت عنهم أنسيتها.
ومما نحن بسبيله مذهب3 يونس في إلحاقه النون الخفيفة للتوكيد في التثنية, وجماعة النساء, وجمعه بين ساكنين في الوصل, نحو قوله: اضربان زيدًا, واضربنان عمرًا, وليس ذلك -وإن كان في الإدراج- بالممتنع في الحس, وإن كان غيره أسوغ فيه منه4، من قبل أن الألف إذا أشبع مدها صار ذلك كالحركة فيها ألا ترى إلى اطراد نحو: شابة, ودابة, وادهامت, والضالين.
فإن قلت: فإن الحرف لما كان مدغمًا خفى, فنبا اللسان عنه وعن الآخر بعده نبوة واحدة, فجريا لذلك مجرى الحرف الواحد وليست كذلك نون اضربان زيدًا, وأكرمنان جعفرًا, قيل: فالنون الساكنة أيضًا حرف خفي فجرت لذلك نحوًا من الحرف المدغم وقد قرأ نافع: "مَحْيَايْ وَمَمَاتِي" بسكون الياء من "مَحْيَايَ" وذلك لما نحن عليه من حديث الخفاء والياء المتحركة إذا وقعت بعد الألف احتيج لها إلى فضل اعتماد وإبانة وذلك قول الله تعالى ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ ولذلك يحض المبتدئون والمتلقنون على إبانة هذه الياء لوقوعها بعد الألف، فإذا

كانت من الخفاء على ما ذكرنا وهي متحركة ازدادت خفاء بالسكون نحو محياي فأشبهت حينئذ الحرف المدغم.
ونحو من ذلك ما يحكى عنهم من قولهم: "التقت حلقتا البطان " بإثبات الألف ساكنة في اللفظ قبل اللام, وكأن ذلك إنما جاز ههنا لمضارعة اللام1 النون؛ ألا ترى أن في مقطع اللام غنة كالنون وهي أيضًا تقرب من الياء حتى يجعلها بعضهم في اللفظ ياء, فحملت اللام في هذا على النون كما حملت أيضًا عليها في لعلي, ألا تراهم كيف كرهوا النون من لعلني مع اللام, كما كرهوا النون في إنني وعلى ذلك قالوا: هذا بِلْوُسَفَر وبِلْىُ سفرٍ2, فأبدلوا الواو ياء لضعف حجز اللام كما أبدلوها "في قِنْية " ياء لضعف حجز النون, وكأن "قنية " -وهي عندنا من "قنوت " - و "بِلْيًا " أشبه من عِذى3 وصبيان, لأنه لا غنة في الذال والباء 4. ومثل "بِلى " قولهم: فلان من عِلْيَه الناس, وناقة عِلْيَان 5. فأما إبدال يونس هذه النون في الوقف ألفًا وجمعه بين ألفين في اضرباا, واضربناا, فهو الضعيف المستكره الذي أباه أبو إسحاق وقال فيه ما قال6.
ومن الأمر الطبيعي الذي لا بد منه ولا وَعْىَ7 عنه, أن يلتقي الحرفان الصحيحان فيسكن الأول منهما في الإدراج فلا يكون حينئذ بد من الإدغام،

متصلين كانا أو منفصلين.
فالمتصلان نحو قولك: شد وصب وحل فالادّغام واجب لا محالة ولا يوجدك اللفظ به بدًّا منه.
والمنفصلان نحو قولك: خذ ذاك ودع عامرا.
فإن قلت: فقد أقدر أن أقول: شدد وحلل فلا أدغم, قيل: متى تجشمت ذلك وقفت على الحرف الأول وقفة ما وكلامنا إنما هو على الوصل.
فأما قراءة عاصم: "وقيل من راق " ببيان النون من "من " فمعيب في الإعراب, معيف في الأسماع وذلك أن النون الساكنة لا توقف في وجوب ادّغامها في الراء نحو: من رأيت ومن رآك فإن كان ارتكب ذلك ووقف على النون صحيحة غير مدّغمة, لينبه به على انفصال المبتدأ من خبره فغير مرضي أيضًا ألا ترى إلى قول عدي 2: من رأيت المنون عرين أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير3 بإدغام نون "من " في راء رأيت.
ويكفي من هذا إجماع الجماعة على ادّغام ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ وغيره مما تلك سبيله.
وعاصم في هذا مناقض لمن قرأ: "فإذا هيتلقف " 4, بإدغام تاء تلقف.
وهذا عندي يدل على شدة اتصال المبتدأ بخبره فإذا صارا معًا ههنا كالجزء الواحد فجرى " هيت " في اللفظ مجرى خدب وهجف ولولا أن الأمر كذلك للزمك أن تقدر الابتداء بالساكن, أعني تاء المضارعة من " تتلقف ". فاعرف ذلك.
وأما المعتلان فإن كانا مدين منفصلين فالبيان لا غير, نحو: في يده وذو وفرة،1

وإن كانا متصلين ادّغما نحو: مرضية ومدعوة فإن كان الأول غير لازم فك في المتصل أيضًا نحو قوله: بان الخليط ولو طووعت ما بانا1 وقول العجاج: وفاحم دووى حتى اعلنكسا2 ألا ترى أن الأصل داويت وطاوعت فالحرف الأول إذًا ليس لازمًا. فإن كانا بعد الفتحة ادغما لا غير متصلين ومنفصلين وذلك نحو: قو وجو وحي وعي ومصطفو واقد وغلامي ياسر؛ وهذا ظاهر. فهذا ونحوه طريق ما لا بد منه؛ "وما لا يجري مجرى التحيز إليه والتخير له"3.
وما منه بد هو الأكثر وعليه اعتماد القول وفيه يطول السؤال والخوض وقد تقدم صدر منه ونحن نغترق4 في آتي الأبواب جميعه ولا قوة إلا بالله فأما إن استوفينا في الباب الواحد كل ما يتصل به -على تزاحم هذا الشأن وتقاود بعضه مع بعض- اضطرت الحال إلى إعادة كثير منه وتكريره في الأبواب المضاهية لبابه وسترى ذلك مشروحًا بحسب ما يعين الله عليه وينهض به.

جارٍ التحميل