باب في حذف الهمز 1 وإبداله:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
قد جاء هذا الموضع في النثر والنظم جميعًا.
وكلاهما غير مقيس عليه، إلا عند2 الضرورة.
فإن قلت: فهلا قست على3 ما جاء منه في النثر4؛ لأنه ليس موضع اضطرار؟
قيل: تلك مواضع كثر استعمالها5، فعرفت أحوالها، فجاز الحذف فيها -وسنذكرها- كما حذفت لم يك، "ولم يبل"6، ولا أدر في النثر، لكثرة الاستعمال، ولم يقس عليها غيرها.1
فمما جاء من ذلك في النثر قولهم: ويلمه.
وإنما أصله ويل لأمه.
يدل على ذلك ما أنشده الأصمعي:
لأم الأرض ويل! ما أجنت ... غداة أضر بالحسن السبيل1
فحذف لام "ويل" وتنوينه لما ذكرنا، وحذفت همزة أم، فبقي: ويلمه.
فاللام الآن لام الجر؛ ألا تراها مكسورة.
وقد يجوز أن تكون اللام المحذوفة هي لام الجر؛ كما حذف حرف الجر من قوله: الله أفعل، وقول رؤبة: خيرٍ عافاك الله، وقول2 الآخر3:
رسم دارٍ وقفت في طلله
"وهو من المقلوب، أي طلل دار وقفت في رسمه"4 وعليه قراءة الكسائي: "بما أنزليك"5 -وقد ذكرناه- وقراءة ابن كثير: "إنها لحدى الكبر"6 وحكاية7 أحمد ابن يحيى قول المرأة لبناتها وقد خلا الأعرابي بهن: أفي السوتنتنه "تريد: أفي السوءة أنتنه"8 ومنه قولهم: الله9 في هذه الكلمة في أحد قولي سيبويه وهو أعلاهما.
وذلك أن يكون أصله إلاه، فحذفت الهمزة التي هي فاء.
وكذلك الناس؛ لأن أصله أناس قال10:
وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
ولا تكاد الهمزة تستعمل مع لام التعريف؛ غير أن أبا عثمان أنشد:
إن المنايا يطلعـ ... ـن على الأناس الآمنينا1
ومنه قولهم: لن، في قول الخليل.
وذلك أن أصلها عنده "لا أن" فحذفت الهمزة عنده2؛ تخفيفا لكثرته في الكلام، ثم حذفت الألف لسكونها وسكون النون بعدها.
فما جاء من نحوه فهذه سبيله.
وقد اطرد الحذف في كل وخذ ومر.
وحكى أبو زيد: لاب لك "يريد: لا أب لك"3 وأنشد أبو الحسن:
تضب لثات الخيل في حجراتها ... وتسمع من تحت العجاج لها ازملا4
وأنشدنا أبو علي:
إن لم أقاتل فالبسوني برقعا
وحكي لنا عن أبي عبيدة: دعه في حرامه، وروينا عن أحمد بن يحيى:
هوي جند ابليسٍ المريد5
"وهو كثير"6 ومنه قوله:
أرأيت إن جئت به أملودا7
وقوله:
حتى يقول من رآه قد راه8
وهو كثير.
فأما الإبدال على غير قياس فقولهم1: قريت، وأخطيت، وتوضيت.
وأنشدني بعض أصحابنا لابن هرمة:
ليت السباع لنا كانت مجاورة ... وأننا لا نرى ممن نرى أحدا
إن السباع لتهدا عن فرائسها ... والناس ليس بهادٍ شرهم أبدا
ومن أبيات الكتاب لعبد الرحمن بن حسان:
وكنت أذل من وتد بقاع ... يشجج رأسه بالفهرواجي2
يريد: واجئ؛ كما أراد الأول: ليس بهادئ.
ومن أبياته أيضًا:
راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعى فزارة لا هناك المرتع3
ومن حكاياته بيس في بئس4، أبدل الهمزة ياء.
ونحوه قول ابن ميادة:
فكان لها يومذٍ أمرها
وقرأ عاصم في رواية حفص: "أن تبويا"1 في الوقف، أي2 تبوءا.
وقال:
تقاذفه الرواد حتى رموا به ... ورا طرق الشأم البلاد الأقاصيا
أراد: وراء طرق الشام فقصر الكلمة.
فكان ينبغي إذ ذاك أن يقول: ورأ، بوزن قرأ؛ لأن الهمزة أصلية عندنا، إلا أنه أبدلها ضرورة "فقلبها ياء؛ وكذلك ما كان من3 هذا النحو فإنه إذا أبدل"4 صار5 إلى أحكام ذوات الياء؛ ألا ترى أن قريت مبدلة من قرأت، بوزن قريت من قريت الضيف ونحو ذلك.
ومن البدل البتة النبي في مذهب سيبويه.
وقد ذكرناه.
وكذلك البرية عند غيره.
ومنه الخابية، لم تسمع مهموزة.
فإما أن يكون تخفيفا اجتمع عليه؛ كيرى وأخواته، وإما أن يكون بدلًا؛ قال6:
أري عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالمٌ بالترهات
والنبوة عندنا مخففة لا مبدلة.
وكذلك الحكم على ما جاء من هذا: أن يحكم عليه بالتخفيف إلى أن يقوم الدليل فيه7 على الإبدال.
فاعرف ذلك مذهبا للعرب نهجا بإذن الله.
وحدثنا أبو علي قال: لقي أبو زيد سيبويه فقال له: سمعت العرب تقول: قريت وتوضيت.
فقال له8 سيبويه: كيف9 تقول في أفعل منه؟ قال: أقرأ.
وزاد أبو العباس هنا: فقال له سيبويه: فقد تركت مذهبك، أي لو كان البدل قويًا للزم ووجب10 أن تقول: أقري؛ كرميت أرمي.
وهذا بيان.