الخصائصباب في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني

باب في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: هذا فصل من العربيِّة حسن كثير المنفعة, قوي الدلالة على شرف هذه اللغة.
وذلك أن تجد للمعنى الواحد أسماء كثيرة, فتبحث عن أصل كل اسم منها فتجده مفضي المعنى إلى معنى صاحبه.
وذلك كقولهم: "خُلق الإنسان"1 فهو "فُعُل" من خلقت الشيء, أي:2 ملّسته ومنه صخرة خلقاء للملساء.
ومعناه: أن خلق الإنسان هو ما قدر له ورتب عليه،

فكأنه أمر قد استقرّ وزال عنه الشك, ومنه قولهم في الخبر: "قد فرغ الله من الخَلْق والخُلقُ".
والخليقة فَعِيلة منه.
وقد كثرت فعيلة في هذا الموضع, وهو قولهم: "الطبيعة" وهي من طبعت الشيء "أي: قررته"1 على أمر ثبت عليه, كما يطبع الشيء كالدرهم والدينار فتلزمه أشكاله, فلا يمكنه انصرافه عنها ولا انتقاله.
ومنها "النحيية" وهي فَعِيلة من نحت الشيء "أي"2 ملسته وقررته3 على ما أردته منه.
فالنحيتة كالخليقة: هذا من نحت, وهذا من خلقت.
ومنها "الغريزة" وهي4 فعيلة من غرزت, كما قيل لها طبيعة؛ لأن طبع الدرهم5 ونحوه ضرب من وسمه, وتغريزه بالآلة التي تثبت عليه الصورة.
وذلك استكراه له وغمز عليه كالطبع.
ومنها "النقيبة" وهي فَعِيلة من نقبت الشيء وهو نحو من الغريزة.
ومنها "الضريبة" وذلك أن الطبع لا بد معه6 من الضرب، لتثبيت "له"7 الصورة المرادة.
ومنها "النخيزة" هي فَعِيلة من نَخَزْت الشيء, أي: دققته, ومنه المنحاز: الهاوون؛ لأنه موضوع للدفع به والاعتماد على المدقوق, قال8: ينحزن من جانبيها وهي تنسلب9

أي: تضرب الإبل حول هذه الناقة للحاق بها وهي تسبقهن وتنسلب أمامهن1.
ومنها "السجية" هي فعيلة من سجا يسجو إذا سكن, ومنه طرف ساجٍ وليل ساجٍ, قال: يا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النساج2 وقال الراعي: ألا اسلمي اليوم ذات الطوق والعاج ... والدل والنظر المستأنس الساجي وذلك أن خُلُق الإنسان أمر قد سكن إليه واستقر عليه, ألا تراهم يقولون في مدح الرجل: فلان يرجع إلى مروءة ويخلد إلى كرم ويأوي إلى سداد وثقة, فيأوي إليه هو هذا؛ لأن المأوى خلاف "المعتمل" لأنه إنما يأوي إلى "المنزل3 ونحوه" إذا أراد السكون.
ومنها "الطريقة" من4 طرقت الشيء أي: وطأتة وذللته، وهذا هو معنى ضربته ونقبته5، وغرزته ونحته؛ لأن هذه كلها رياضات وتدريب6 واعتمادات وتهذيب.

ومنها "السجيحة" وهي فَعِيلة من سجح خلقه.
وذلك أن الطبييعة قد فرَّت1 واطمأنت فسجحت وتذللت2.
وليس على الإنسان من طبعه كُلْفَة, وإنما الكلفة فيما يتعاطاه ويتجشمه, قال حسان: ذروا التخاجؤ وامشوا مشية سجحًا ... إن الرجحال ذوو عصب وتذكير3 وقال الأصمعي: إذا استوت أخلاق القوم قيل: هم على سرجوجة واحدة, ومرن واحد, "ومنهم من يقول: سرجيجة وهي فعليلة من هذا"4، فسرجوجة: فعلولة، من لفظ السرج ومعناه.
والتقاؤهما أن السرج إنما أريد للراكب ليعدله ويزل اعتلاله وميله.
فهو من تقويم5 الأمر.
وكذلك إذا استتبوا على وتيرة واحدة, فقد تشابهت أحوالهم وزاح خلافهم، وهذا6 أيضًا ضرب من التقرير والتقدير؛ فهو بالمعنى عائد إلى النحيتة والسجية والخليقة؛ لأن هذه كلها صفات تؤذن بالمشابهة والمقاربة.
والمرن مصدر كالحلف والكذب.
والفعل منه مَرَن على الشيء إذا ألفه فلان له.
وهو عندي من مارن الأنف لما لان منه.
فهو أيضًا عائد إلى أصل الباب, ألا ترى أن الخليقة والنحيتة والطبيعة والسجية, وجميع هذه المعاني التي تقدمت تؤذن بالإلف والملاينة والإصحاب والمتابعة.

ومنها "السليقة", وهي من قولهم: فلان يقرأ بالسليقية1, أي: بالطبيعة.
وتلخيص ذلك أنها كالنحيتة.
وذلك أن السليق ما تحاتّ من صغار الشجر, قال: تسمع منها في السليق الأشهب ... معمعة مثل الأباء الملهب2 وذلك أنه إذا تحاتّ لان وزالت شدته.
والحتّ كالنحت, وهما في غاية القرب.
ومنه قول الله سبحانه: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ 3 أي: نالوا منكم.
وسذا4 هو نفس المعنى في الشيء المنحوت5 المحتوت؛ ألا تراهم يقولون: فلان كريم النجار والنجر, أي: الأصل.
والنجر والنحت والحت والضرب والدق والنحز والطبع والخلق والغرز والسلق, وكله التمرين على الشيء، وتلييين القوي6 ليصحب وينجذب.
فأعجب للطف صنع الباري سبحانه في أن طبع الناس على هذا وأمكنهم7 من ترتيبه وتنزيله وهداهم للتواضع عليه وتقريره.
ومن ذلك قولهم للقطعة من المسك: "الصوار"8 قال الأعشى: إذا تقوم يضوع المسك أصورة ... والعنبر الورد من أردانها شمل9 فقيل له: "صوار"10 لأنه "فعال" من صاره يصوره إذا عطفه وثناه, قال الله سبحانه: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ 11 وإنما قيل له ذلك لأنه يجذب حاسة من

يشمّه إليه، وليس من خبائث الأرواح فيعرض عنه، وينحرف1 إلى شق غيره، ألا ترى إلى قوله2: ولو أن ركبًا يمموك لقادهم ... نسيمك حتى يستدل بك الركب3 وكذا تجد4 أيضًا معنى المسك, وذلك أنه "فعل" من أمسكت الشيء كأنه لطيب رائحته يمسك الحاسة عليه ولا يعدل بها صاحبها عنه.
ومنه عندي قولهم للجلد: "المسك" هو فعل من هذا الموضع, ألا ترى أنه يمسك5 ما تحته من جسم الإنسان وغيره من الحيوان.
ولولا الجلد لم يتماسك ما في الجسم من اللحم والشحم والدم وبقية الأمشاج وغيرها.
فقولهم إذا: مسك يلاقي معناه معنى الصوار, وإن كانا من أصلين مختلفين، وبناءين متباينين: أحدهما "م س ك " والآخر "ص ور " , كما أن الخليقة من "خ ل ق " والسجية من "س ج و " والطبيعة من "ط ب ع " والنحيتة من "ن ح ت " والغريزة من "غ ر ز " والسليقة من "س ل ق " والضريبة من "ض ر ب " والسجيحة من "س ج ح " والسرجوجة والسرجيجة من "س ر ج " والنجار من "ن ج ر " والمرن من "م ر ن ". فالأصول مختلفة, والأمثلة متعادية6، والمعاني مع7 ذينك متلاقية.
ومن ذلك قولهم: صبيّ وصبية, وطفل وطفلة, وغلام وجارية, وكله للين والانجذاب وترك الشدة والاعتياص.
وذلك أن صبيًّا من صبوت إلى الشيء إذا

ملت إليه ولم تستعصم دونه.
وكذلك الطفل: هو من لفظ طفلِت الشمس للغرب, أي: مالت إليه وانجذبت نحوه, ألا ترى إلى قول العجاج: والشمس قد كادت تكون دنفًا1 يصف ضعفها وإكبابها2.
وقد جاء به بعض3 المولدين فقال: وقد وضعت خدًّا إلى الأرض أضرعا4 ومنه قيل: فلان5 طفيلي؛ وذلك أنه يميل إلى الطعام, وعلى هذا قالوا له: غلام لأنه من الغلمة وهي اللين وضعفة العصمة.
وكذلك قالوا: جارية.
فهي6 فاعلة من جرى الماء وغيره؛ ألا ترى أنهم يقولون: إنها غضة "بضة"7 رطبة, ولذلك قالوا: قد علاها ماء الشباب؛ قال عمر: وهي مكنونة تحيّر منها ... في أديم الخدين ماء الشباب وذلك أن الطفل والصبي والغلام والجارية ليست لهم عصمة الشيوخ ولا جسأة9 الكهول.
وسألت بعض بني عقيل عن قول الحمصي 10:8

لم تبل جدَّة سمرهم سمر ولم ... تسم السموم لأدمهنّ أديما فقال: هن بمائهن1 كما خلقنه.
فإذا اشتد الغلام شيئًا قيل له حرور.
وهو "فعول" من اللبن الحازر إذا اشتد للحموضة, قال العجلي 2: وأرضوا بإحلابة وطب قد حزر وقال3: نزع الحزور بالرشاء المحصد وكأنهم زادوا الواو وشدَّدوها لتشديد4 معنى القوة؛ كما قالوا للسيء الخلق: عذور, فضاعفوا الواو الزائدة لذلك قال 5: إذا نزل الأضياف كان عذوّرا ... على الحي حتى تستقلّ مراجله ومنه رجل كروّس للصلب الرأس، وسفر عطود؛ للشديد6؛ قال: إذا جشمن قذفا عطوّدا ... رمين بالطرف مداه الأبعدا7 ومثل الأول قولهم: غلام8 رطل, وجارية رطلة للينها, وهو من قولهم: رطل شعره إذا أطاله فاسترخى.
ومنه عندي: الرطل9 الذي يوزن به.
وذلك أن الغرض في الأوزان أن تميل أبدًا إلى أن يعادلها الموزون بها.
ولهذا قيل لها: مثاقيل, فهي مفاعيل من الثقل, والشيء إذا ثقل استرسل10 وارجحنّ, فكان ضد الطائش الخفيف.

فهذا ونحوه من خصائص هذه اللغة الشريفة اللطيفة.
وإنما يسمع الناس هذه الألفاظ فتكون الفائدة عندهم منها إنما هي علم1 معنياتها.
فأما كيف, ومن أين, فهو ما نحن عليه.
وأحج به أن يكون عند كثير منهم نيفًا2 لا يحتاج إليه, وفضلًا غيره أولى منه.
ومن ذلك أيضًا قالوا: ناقة كما قالوا3: جمل.
وقالوا "ما بها"4 دبيج كما قالوا: تناسل عليه الوشاء5.
والتقاء معانيهما6 أن الناقة كانت عندهم مما يتحسنون به ويتباهون بملكه فهي فعلة من من قولهم: تنوقت في ىالشيء إذا أحكمته وتخيرته, قال ذو الرمة: . . . . . . . . . . . . تنوقت ... به حضرميات الأكف الحوائك7 وعلى هذا قالوا: "جمل" لأن هذا "فَعَل" من الجمال؛ كما أن تلك "فَعَلة" من تنوقت -وأجود اللغتين تأنّقت, قال الله سبحانه: ﴿لَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ 8. وقولهم: "ما بها دبيج" هو "فِعْيل" من لفظ الديباج ومعناه.
وذلك أن الناس بهم العمارة وحسن الآثار, وعلى أيديهم يتم الأنس وطيب الديار.
ولذلك قيل لهم: ناس لأنه في الأصل أناس, فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال.
فهو فعال من الأنس قال 9: أناس لا يملُّون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبُون

وقال: أناس عدًا علقت فيهم وليتني ... طلبت الهوى في رأس ذي زلق أشم1 وكما اشتقوا ديبجًا من الديباج؛ كذلك اشتقوا2 الوشاء من الوشي, فهو "فعال" منه. وذلك أن المال يشي الأرض ويحسنها. " وعلى ذلك قالوا: الغنم؛ لأنه من الغنيمة, كما قالوا لها: الخيل؛ لأنها فَعْل من الاختيال, وكل ذلك مستحب"3.
أفلا ترى إلى تتالي هذه المعاني وتلاحظها وتقابلها وتناظرها؛ وهي التنوّق، والجمال، والأنس، والديباج والوشي والغنيمة "والاختيال. ولذلك قالوا: البقر، من بقرت بطنه أي: شققته؛ فهو إلى السعة والفسحة، وضد الضيق والضغطة"4.
فإن قلت: فإنَّ الشاة من قولهم: رجل أشوه وامرأة شوهاء للقبيحين5.
وهذا ضد الأول؛ ففيه جوابان: أحدهما: أن تكون الشاة جرت6 مجرى القلب لدفع العين عنها لحسنها؛ كما يقال7 في استحسان الشيء: قاتله الله كقوله 8: رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الشنب من أنيابها بالقوادح9

وهو كثير.
والآخر أن يكون من باب1 السلب؛ كأنه سلب القبح2 منها؛ كما قيل للحرم: نالة3.
ولخشسبة الصرار تَوْدية4؛ ولجوّ السماء السكاك5.
ومنه تحوَّب؛ وتأثَّم, أي: ترك الحوب والإثم.
وهو باب واسع؛ وقد كتبنا منه في هذا الكتاب ما6 ستراه بإذن الله تعالى.
وأهل اللغة يسمعون هذا فيرونه7 ساذجًا غُفْلًا، ولا يحسنون لما نحن فيه من حديثه فرعًا ولا أصلًا.
ومن ذلك قولهم: الفضَّة سميت بذلك لانفضاض أجزائها وتفرقها في تراب معدنها, كذا أصلها وإن كانت فيما بعد قد9 تُصَفَّى وتهذب وتسبك.
وقيل لها فضة كما قيل لها لجين.
وذلك لأنها ما دامت في تراب معدنها فيه ملتزقة "في التراب"10 متلجِّنة11 به12؛ قال الشماخ: وماءٍ قد وردت أميم طام ... عليه الطير كالورق اللجين13 أي: المتلزق14 المتلجن؛ وينبغي أن يكونوا إنما ألزموا هذا الاسم التحقير لاستصغار معناه ما دام في تراب معدنه, ويشهد عندك بهذا المعنى قولهم في مراسله "الذهب"8

وذلك لأنه ما دام كذلك غير مصفى فهو كالذاهب1؛ لأن ما فيه من التراب كالمستهلك له أو لأنه لما قل في الدنيا فلم يوجد إلا عزيزًا صار كأنه مفقود ذاهب ألا ترى أن الشيء إذا قل قارب الانتفاء.
وعلى ذلك قالت العرب: قل رجل يقول ذلك إلا زيد بالرفع لأنهم أجروه مجرى ما يقول ذاك أحد إلا زيد.
وعلى2 نحو من هذا قالوا: قلما يقوم زيد فكفوا3 "قل" ب"ما" عن اقتضائها الفاعل، وجاز عندهم إخلاء الفعل من الفاعل لما دخله من مشابهة حرف النفي؛ كما بقوا المبتدأ بلا خبر في نحو هذا من قولهم: أقل امرأتين تقولان ذلك لما ضارع المبتدأ حرف النفي.
أفلا ترى إلى أنسهم باستعمال القلة مقارنة4 للانتفاء.
فكذلك5 لما قل هذا الجوهر في الدنيا أخذوا له اسمًا من الذهاب الذي هو الهلاك.
ولأجل هذا أيضًا سموه "تبرًا" لأنه "فعل" من التبار.
ولا يقال له "تبر" حتى يكون في تراب معدنه أو مكسور.
ولهذا قالوا للجام6 من الفضة "الغَرَب"، وهو "فَعَل" من الشيء الغريب؛ وذلك أنه ليس في العادة والعرف استعمال الآنية من الفضة, فلما استعمل ذلك في بعض الأحوال كان عزيزًا غريبًا.
هذا7 قول أبي إسحق.
وإن شئت جذبته إلى ما كنا عليه فقلت: إن هذا الجوهر غريب من بين الجواهر لنفاسته وشرفه, ألا تراهم إذا أثنوا على إنسان قالوا: هو وحيد في وقته، وغريب8 في زمانه، ومنقطع النظير، ونسيج وحده.
ومنه قول الطائي الكبير:

غربته العُلا على كثرة النا ... س فأضحى في الأقربين جنيبا1 فليطُل عمره فلو مات في مَرْ ... ومقيمًا بها لمات غريبا وقول شاعرنا: أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحًا وإهوانا وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس عزيز2 حيثما كانا ويدلك3 على أنهم قد تصوَّروا هذا الموضع من امتزاجه بتراب معدنه أنهم إذا صفّوه وهذَّبوه أخذوا له اسمًا من ذلك المعنى فقالوا له: الخلاص والإبريز والعقيان.
فالخلاص فَعال من تخلّص, والإبريز إفعيل من برز يبرز, والعقيان فعلان من عقى الصبي يعقي, وهو أول ما ينجيه4 عند سقوطه من بطن أمه قبل أن يأكل وهو العقي.
فقيل له ذلك لبروزه كما قيل له البراز.
فالتأتّي5 والتلطّف في جميع هذه الأشياء وضمها وملاءمة ذات بينها هو "خاص اللغة"6 وسرها، وطلاوتها7 الرائقة وجوهرها, فأما حفظها ساذجة وقمشها8 محطوبة9 هرجة10 فنعوذ بالله منه، ونرغب بما آتاناه سبحانه عنه.

وقال أبو علي -رحمه الله: قيل له حبي كما قيل له سحاب.
تفسيره أن حبيًّا "فعيل" من حبَا يحبو.
وكأن السحاب لثقله يحبو حبوًا؛ كما قيل له سحاب وهو "فعال" من سحب1؛ لأنه يسحب هدابه.
وقد جاء بكليهما شعر العرب؛ قالت امرأة: وأقبل يزحف زحف الكسير ... سياق الرعاء البطاء العشارا2 وقال أوس 3: داٍن مسفٍّ فويق الأرض هَيْدَبُه ... يكاد يدفعه من قام بالراح4 وقالت صبية منهم لأبيها فتجاوزت ذلك: أناخ بذي نفر بركه ... كأن على عضديه كتافا5 وقال أبوهم 6: وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المحمل73

قال: ومن ذلك قولهم في أسماء الحاجة: الحاجة والحوْجَاء واللوجاء, والإرب والإربة والمأربة, واللبانة -والتلاوة بقية الحاجة, والتلية أيضًا- والأشكلة والشهلاء, قال "الشاعر"1: لم أقض حين ارتحلوا شهلائي ... من الكعاب الطفلة الغيداء وأنت تجد مع ذلك 3من اختلاف أصولها ومبانيها جميعها4 "راجعًا"5 إلى موضع واحد، ومخطومًا6 بمعنى لا يختلف, وهو الإقامة على الشيء والتشبث به.
وذلك أن صاحب الحاجة كلف بها ملازم للفكر فيها ومقيم على تنجُّزِها واستحثاثها؛ قال7 رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "حبك الشيء يعمى ويصم".
وقال المولد: صاحب الحاجة أعمى ... لا يرى إلا قضاها وتفسير ذلك أن الحاج شجر له شوك, وما كانت هذه سبيله فهو متشبث بالأشياء, فأيّ شيء مرَّ عليه اعتاقة وتشبث به.
فسميت8 الحاجة تشبيهًا بالشجرة ذات الشوك.
أي: أنا مقيم عليها متمسك بقضائها كهذه الشجرة في اجتذابها ما مرَّ بها وقرب منها.
والحوجاء منها وعنها تصرّف الفعل: احتاج يحتاج احتياجًا9، وأحوجَّ يحوجّ، وحاج يحوج فهو حائج.2

واللوجاء من قولهم: لجت الشيء ألوجه لوجًا, إذا أدرته في فيك. والتقاؤهما أن الحاجة مترددة على الفكر ذاهبة جائية إلى أن تقضى, كما أن الشيء إذا تردد في الفم فإنه لا يزال كذلك إلى أن يسيغه الإنسان أو يلفظه1.
والإرب والإربة والمأربة كله من الأُرْبَة وهي العقدة, وعقد مؤرب إذا شدد.
وأنشد2 أبو العباس لكناز3 بن نفيع4 بقوله لجرير: غضبت علينا أن علاك ابن غالب ... فهلّا على جديك إذ ذاك تغضب 5 هما حين يسعى المرء مسعاة جده ... أناخًا فشداك العقال المؤرب6 والحاجة معقودة بنفس الإنسان، مترددة على فكره.
واللبانة من قولهم: تلبّن بالمكان إذا أقام به ولزمه.
وهذا هو المعنى عينه, والتلاوة والتلية من تلوت الشيء إذا قفوته واتبعته لتدركه.
ومنه قوله 7: الله بيني وبين قيّمها ... يفر مني بها وأتَّبع

والأشكلة كذلك كأنها من الشكال1، أي: طالب الحاجة مقيم عليها، كأنها شكال له ومانعة من تصرفه وانصرافه عنها.
ومنه الأشكل من الألوان: الذي خالطت حمرته بياضه, فكأن كل واحد من اللونين اعتاق صاحبه أن يصح ويصفو لونه.
والشهلاء كذلك؛ لأنها من المشاهلة وهي مراجعة القول قال 2: قد كان فيما بيننا مشاهلة ... ثم تولت وهي تمشي البأدلة 3 البأدلة: أن تحرك في مشيها بآدلها وهي لحم صدرها.
وهي مشية القصار من النساء.
فقد ترى إلى ترامي هذه الأصول والميل بمعانيها إلى موضع واحد.
ومن ذلك ما جاء عنهم في الرجل الحافظ للمال, الحسن الرعية له والقيام عليه, يقال: هو خال مال, وخائل مال, وصدى مال, وسرسور مال, وسؤبان4 مال, ومحجن مال "وإزاء مال"5 وبلو مال, وحبل مال "وعسل مال"6 وزر7 مال.
وجميع ذلك راجع إلى الحفظ لها8، والمعرفة بها8.
فخال مال يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون صفة على "فَعَل" كبطل وحسن, أو "فَعِلٍ" ككبش صافٍ ورجل مال.
ويجوز أن يكون محذوفًا من فاعل كقوله 9: لاثٌ به الأشاء والعبري10

فأما خائل مال ففاعل لا محالة.
وكلاهما من قوله 1: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتخولنا بالموعظة, أي: يتعهدنا بها شيئًا فشيئًا2 ويراعينا.
قال أبو علي: هو من قولهم: تساقطوا3 أخولَ أخولَ, أي: شيئًا بعد شيء.
وأنشدنا 4: يساقط عنه روقه ضارياتها ... سقاط حديد القين أخول أخولا5 فكأن هذا الرجل يرعى ماله ويتعهده حفظًا له وشحًا عليه.
وأما صدى مال: فإنه يعارضها من ههنا وههنا ولا يهملها ولا يضيع أمرها -ومنه الصدى لما يعارض الصوت, ومنه قراءة الحسن -رضي الله عنه "صاد والقرآن", وكان يفسره: عارض القرآن بعملك, أي: قابل كل واحد منهما بصاحبه- "قال العجلي: يأتي لها من أيْمُنٍ وأشْمُلٍ6 وكذلك سرسور مال, أي: عارف بأسرار المال فلا يخفى عنه شيء من أمره.
ولست أقول كما يقول الكوفيون -وأبو بكر معهم: إن سرسورًا من لفظ السر, لكنه قريب من لفظه, ومعناه بمنزلة عين ثرة وثرثارة.
وقد تقدَّم7 ذكر ذلك.

وكذلك سوبان مالٍ هو "فُعْلان" من السأب, وهو الزق للشراب, قال الشاعر: إذا ذقت فاهًا قلت علق مدمس ... أريد به قيل فغودر في ساب1 والتقاؤهما أن الزق إنما وضع لحفظ ما فيه, فكذلك هذا الراعي يحفظ المال ويحتاط عليه احتياط الزق على ما فيه.
وكذلك محجن مال: هو "مِفْعل" من احتجنت الشيء إذا حفظته وادخرته.
وكذلك إزاء مال: هو "فِعَال" من أزى الشيء يأزي, إذا تقبض2 واجتمع, قال: ظل لها يوم من الشعرى أزي3 أي: يغم الأنفاس ويضيقها لشدة الحر.
وكذلك هذا الراعي يشح عليها ويمنع من تسربها.
وأنشد أبو علي عن أبي بكر لعمارة: هذا الزمان مولّ خيره أزي ... صارت رءوس به أذناب أعجاز وكذلك بلو مال، أي: هو بمعرفته به قد بلاه واختبره, قال الله سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ 4 قال عمر بن لجأ: فصادفت أعصل من أبلائها ... يعجبه النزع على ظمائها5

وكذلك حبل مال, كأنه يضبطها كما يضبطها الحبل يشد به.
ومنه الحبل: الداهية من الرجال؛ لأنه يضبط الأمور ويحيط بها.
وكذلك عسْل1 مال؛ لأنه يأتيها ويعسل2 إليها من كل مكان, ومنه الذئب العسول, ألا ترى أنه إنما سمي3 ذئبًا لتذاؤبه وخبثه ومجيئه تارة من هنا ومرة4 من هنا.
وكذلك زرّ مال: أي يجمعه ويضبطه كما يضبط الزر "الشيء"5 المزرور.
فهذه الأصول وهذه الصيغ على اختلاف الجميع مرتمية إلى موضع واحد على ما ترى.
ومن ذلك قولهم للدم: الجدَّية والبصيرة.
فالدم من الدمية لفظًا ومعنًى, وذلك أن الدمية إنما هي للعين6 والبصر, وإذا شوهدت فكأنَّ ما هي صورته مشاهد بها, وغير غائب مع حضورها, فهي تصف حال ما بعد عنك.
وهذا هو الغرض في هذه الصور المرسومة للمشاهدة.
وتلك عندهم حال الدم؛ ألا ترى أن الرميّة إذا غابت عن الرامي استدلّ عليها بدمها, فاتبعه7 حتى يؤديه إليها.
ويؤكد ذلك لك قولهم فيه "البصيرة", وذلك أنها "إذا"8 أبصرت أدت إلى المرمي الجريح. ولذلك أيضًا قالوا له "الجدية"؛ لأنه يجدي على الطالب للرّمية ما يبغيه منها9.
ولو لم ير الدم لم يستدلل عليها, ولا عرف موضعها, قال صلى الله عليه وسلم "كُلْ ما أصميت ودع ما أنميت"10.

وهذا1 مذهب في هذه اللغة طريف غريب لطيف2.
وهو فقهها3، وجامع معانيها وضامّ نشرها4.
وقد هممث غير دفعة أن أنشئ في ذلك كتابًا أتقصَّى فيه أكثرها, والوقت يضيق دونه.
ولعله لو خرج لما أقنعه ألف ورقة إلا على اختصار5 وإيماء.
وكان أبو علي -رحمه الله- يستحسن هذا الموضع جدًّا وينبه عليه, ويسر بما يحضره خاطره منه.
هذا باب إنما يجمع بين بعضه وبعض من طريق المعاني مجرَّدة من الألفاظ, وليس كالاشتقاق الذي هو من لفظ واحد, فكأنَّ بعضه منبهة على بعض.
وهذا إنما يعتنق فيه الفكر المعاني غير منبهته6 عليها الألفاظ, فهو أشرف الصنعتين7، وأعلى المأخذين.
فتفطن له، وتأنّ8 لجمعه؛ فإنه يؤنقك ويفيء عليك, ويبسط ما تجعَّد من خاطرك, ويريك من حكم الباري -عز اسمه ما تقف تحته وتسلم لعظم الصنعة فيه, وما أودعته أحضانه ونواحيه.

جارٍ التحميل