باب القول على البناء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
وهو لزوم آخر الكلمة ضربًا واحدًا: من السكون أو الحركة لا لشيء أحدث ذلك من العوامل.
وكأنهم إنما سموه بناء لأنه لما لزم ضربًا واحدًا فلم يتغير تغير الإعراب سمي بناء من حيث كان البناء لازمًا موضعه لا يزول من مكان إلى غيره وليس كذلك سائر الآلات المنقولة المبتذلة1 كالخيمة والمظلة والفسطاط والسرادق ونحو ذلك.
وعلى أنه قد أوقع على هذا الضرب من المستعملات المزالة من مكان إلى مكان لفظ البناء تشبيهًا لذلك2 -من حيث
كان مسكونًا, وحاجزًا ومظلًا -بالبناء من الآجر والطين والجص؛ ألا ترى إلى قول أبي مارد الشيباني:
لو وصل الغيث أبنين امرأ ... كانت له قبة سحق بجاد1
أي لو اتصل الغيث لأكلأت الأرض وأعشبت فركب الناس خيلهم للغارات فأبدلت الخيل الغني الذي كان له قبة من قبته سحق بجاد فبناه بيتًا له بعد ما كان يبني لنفسه قبة.
فنسب ذلك البناء2 إلى الخيل لما كانت هي الحاملة للغزاة الذين أغاروا على الملوك فأبدلوهم من قبابهم ونظير معنى هذا البيت ما أخبرنا به أبو بكر محمد3 بن الحسن عن أحمد4 بن يحيى من قول الشاعر:
قد كنت تأمنني والجدب دونكم ... فكيف أنت إذا رقش الجراد نزا5
ومثله أيضًا ما رويناه عنه "عنه"6 أيضًا من قول الآخر:
قوم إذا اخضرت نعالهم ... يتناهقون تناهق الحمر7
قالوا في تفسيره: إن النعال جمع نعل وهي الحرة أي إذا اخضرت الأرض بطروا وأشروا1 فنزا بعضهم على بعض.
وبنحو من هذا فسر أيضًا قول النبي2 صلى الله عليه وسلم: "إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال" أي إذا ابتلت الحرار.
ومن هذا اللفظ والمعنى ما حكاه أبو زيد من قولهم: "المعزى تبهى ولا تبنى".
ف "تبهى " تفعل من البهو أي تتقافز على البيوت من الصوف فتخرقها فتتسع الفواصل من الشعر فيتباعد ما بينها حتى يكون في سعة البهو 3. "ولا تبنى " أي لا ثلة لها وهي الصوف فهي لا يجز منها الصوف ثم ينسجونه ثم يبنون منه بيتًا.
هكذا فسره أبو زيد.
قال: ويقال أبنيت الرجل بيتًا إذا أعطيته ما يبني منه بيتًا.
ومن هذا قولهم: قد بنى فلان بأهله وذلك أن الرجل كان إذا أراد الدخول بأهله بنى بيتًا من أدم أو قبة أو نحو ذلك من غير الحجر والمدر ثم دخل بها فيه فقيل لكل داخل بأهله: هو بان بأهله وقد بنى بأهله.
وابتنى بالمرأة هو افتعل من هذا اللفظ وأصل المعنى منه.
فهذا كله على التشبيه لبيوت الأعراب ببيوت ذوي الأمصار.
ونحو من هذه الاستعارة في هذه الصناعة استعارتهم ذلك في الشرف والمجد قال لبيد:
فبنى لنا بيتًا رفيعًا سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها
وقال غيره 1: بنى البناة لنا مجدًا ومأثرة ... لا كالبناء من الآجر والطين وقال الآخر 2: لسنا وإن كرمت أوائلنا ... يومًا على الأحساب نتكل نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا ومن الضرب3 الأول قول المولد: وبيت قد بنينا فا ... رد كالكوكب الفرد بنيناه على أعم ... دة من قضب الهند وهذا واسع4 غير أن الأصل فيه ما قدمناه.
باب القول على أصل اللغة أإلهام1 هي أم اصطلاح:
هذا موضع محوج إلى فضل تأمل غير أن أكثر أهل النظرعلى أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي "وتوقيف "2. إلا أن أبا علي رحمه الله قال لي يومًا: هي من عند الله واحتج بقوله سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وهذا لا يتناول موضع الخلاف.
وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر
: "باب القول على أصل اللغة أإلهام هي أم اصطلاح".
2 كذا في أ، وفي ش، ب "ولا توقيف".
آدم على أن واضع عليها وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة.
فإذا كان ذلك محتملًا غير مستنكر سقط الاستدلال به.
وقد كان أبو علي رحمه الله أيضًا قال2 به في بعض كلامه.
وهذا أيضًا رأي أبي الحسن على أنه3 لم يمنع قول من قال: إنها تواضع منه 4. على أنه قد فسر هذا بأن قيل: إن الله سبحانه علم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات: العربية والفارسية والسريانية والعبرية والرومية وغير ذلك من سائر اللغات فكان آدم وولده يتكلمون بها ثم إن ولده تفرقوا في الدنيا وعلق كل منهم بلغة من تلك اللغات فغلبت عليه واضمحل عنه ما سواها لبعد عهدهم بها.
وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا وجب تلقيه باعتقاده والانطواء على القول به.
فإن قيل: فاللغة فيها أسماء وأفعال وحروف وليس يجوز أن يكلم المعلم من ذلك الأسماء دون غيرها: مما ليس بأسماء فكيف خص الأسماء وحدها؟ قيل: اعتمد5 ذلك من حيث كانت الأسماء أقوى القبل6 الثلاثة ولا بد لكل كلام مفيد من الاسم وقد تستغني الجملة المستقلة عن كل واحد من الحرف
والفعل فلما كانت الأسماء من القوة والأولية في النفس والرتبة على ما لا خفاء به جاز أن يكتفى بها مما هو تال لها ومحمول في الحاجة إليه عليها 1. وهذا كقول المخزومي 2:
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد
أي فإذا كان الله يعلمه فلا أبالي بغيره سبحانه أذكرته واستشهدته3 أم لم4 أذكره ولم أستشهده.
ولا يريد بذلك أن هذا أمر خفي فلا يعلمه إلا الله وحده بل إنما يحيل فيه على أمر واضح وحال مشهورة5 حينئذ متعالمة.
وكذلك قول الآخر:
الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى أحبابنا صور6
وليس بمدع أن هذا باب مستور ولا حديث غير مشهور حتى إنه لا يعرفه أحد إلا الله وحده وإنما العادة في أمثاله عموم معرفة الناس به لفشوه فيهم وكثرة جريانه على ألسنتهم.
فإن قيل: فقد جاء عنهم في كتمان الحب وطيه وستره والبجح1 بذلك والادعاء له ما لا خفاء به؛ فقد ترى إلى اعتدال الحالين فيما ذكرت.
قيل: هذا وإن جاء عنهم فإن إظهاره أنسب2 عندهم وأعذب على مستمعهم ألا ترى أن فيه إيذانًا من صاحبه بعجزه عنه وعن ستر مثله ولو أمكنه إخفاؤه والتحامل3 به لكان مطيقًا له مقتدرًا عليه وليس في هذا من التغزل ما في الاعتراف بالبعل4 به وخور الطبيعة عن الاستقلال بمثله ألا ترى إلى قول عمر "بن أبي ربيعة"5:
فقلت لها ما بي من ترقب ... ولكن سري ليس يحمله مثلي6
وكذلك قول الأعشى:
وهل تطيق وداعًا أيها الرجل7
وكذلك قول الآخر:
ودعته بدموعي يوم فارقني ... ولم أطق جزعًا للبين مد يدي8
والأمر في هذا أظهر وشواهده أسير وأكثر.
ثم لنعد فلنقل في الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحيًا.
وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة قالوا: وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات فيضعوا لكل واحد "منها"1 سمة ولفظًا إذا ذكر عرف به ما مسماه2، ليمتاز من غيره وليغنى بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين فيكون ذلك أقرب وأخف وأسهل من تكلف إحضاره لبلوغ الغرض في إبانة حاله.
بل قد يحتاج في كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يمكن إحضاره ولا إدناؤه كالفاني3 وحال اجتماع الضدين على المحل الواحد كيف4 يكون ذلك لو جاز وغير هذا مما هو جار في الاستحالة والبعد مجراه فكأنهم جاءوا إلى واحد من بني آدم فأومئوا إليه وقالوا: إنسان إنسان إنسان فأي وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا الضرب من المخلوق وإن أرادوا سمة عينه أو يده أشاروا إلى ذلك فقالوا: يد عين رأس قدم أو نحو ذلك.
فمتى سمعت اللفظة من هذا عرف معنيها5 وهلم جرا فيما سوى هذا من الأسماء والأفعال والحروف.
ثم لك من بعد ذلك أن تنقل هذه المواضعة إلى غيرها فتقول: الذي اسمه إنسان فليجعل مكانه مرد6 والذي اسمه رأس فليجعل مكانه سر6 وعلى هذا بقية الكلام.
وكذلك لو بدئت اللغة الفارسية فوقعت المواضعة عليها لجاز أن تنقل ويولد
منها لغات كثيرة: من الرومية والزنجية وغيرهما.
وعلى هذا ما نشاهده الآن من اختراعات الصناع لآلات صنائعهم من الأسماء: كالنجار والصائغ والحائك والبناء وكذلك الملاح.
قالوا: ولكن لا بد لأولها من أن يكون متواضعًا1 بالمشاهدة والإيماء.
قالوا: والقديم سبحانه لا يجوز أن يوصف بأن يواضع أحدًا من عباده على شيء إذ قد ثبت أن المواضعة لا بد معها من إيماء وإشارة بالجارحة نحو المومأ إليه والمشار نحوه والقديم سبحانه لا جارحة له فيصح الإيماء والإشارة بها منه فبطل عنهم أن تصح المواضعة على اللغة منه تقست أسماؤه قالوا: ولكن يجوز أن ينقل الله اللغة التي قد وقع التواضع بين عباده عليها بأن يقول: الذي كنتم تعبرون عنه بكذا عبروا عنه بكذا والذي "كنتم تسمونه"2 كذا ينبغي أن تسموه كذا3 وجواز هذا منه -سبحانه- كجوازه من عباده.
ومن هذا الذي في الأصوات ما يتعاطاه الناس الآن4 من مخالفة الأشكال في حروف المعجم كالصورة5 التي توضع للمعميات6 والتراجم6 وعلى ذلك أيضًا اختلفت أقلام ذوي
اللغات؛ كما اختلفت أنفس الأصوات المرتبة على مذاهبهم في المواضعات.
وهذا قول من الظهور على ما تراه.
إلا أنني سألت يومًا بعض أهله1 فقلت: ما تنكر أن تصح المواضعة من الله تعالى وإن لم يكن ذا جارحة بأن يحدث في جسم من الأجسام خشبة أو غيرها إقبالًا على شخص من الأشخاص وتحريكًا لها نحوه ويسمع في نفس تحريك الخشبة نحو ذلك الشخص صوتًا يضعه اسمًا له2 ويعيد حركة تلك الخشبة نحو ذلك الشخص دفعات مع أنه -عز اسمه- قادر على أن يقنع في تعريفه ذلك بالمرة الواحدة فتقوم الخشبة في هذا الإيماء وهذه الإشارة مقام جارحة ابن آدم في الإشارة بها في المواضعة وكما أن الإنسان أيضًا قد يجوز إذا أراد المواضعة أن يشير بخشبة نحو المراد المتواضع عليه فيقيمها في ذلك مقام يده لو أراد الإيماء بها نحوه فلم يجب عن هذا بأكثر من الاعتراف بوجوبه ولم يخرج من جهته شيء أصلًا فأحكيه عنه وهو عندي3 وعلى ما تراه الآن لازم لمن قال بامتناع مواضعة القديم تعالى لغة مرتجلة4 غير ناقلة لسانًا إلى لسان.
فاعرف ذلك.
وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيج الحمار ونعيق الغراب،
وصهيل الفرس ونزيب1 الظبي ونحو ذلك.
ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد.
وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل.
واعلم فيما بعد أنني على تقادم الوقت دائم التنقير والبحث عن هذا الموضع فأجد الدواعي والخوالج قوية التجاذب لي مختلفة جهات التغول2 على فكري.
وذلك أنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك علي جانب الفكر حتى يكاد يطمح به أمام غلوة3 السحر.
فمن ذلك ما نبه عليه أصحابنا رحمهم الله ومنه ما حذوته على أمثلتهم فعرفت بتتابعه وانقياده وبعد مراميه وآماده صحة ما وفقوا لتقديمه منه.
ولطف ما أسعدوا به وفرق لهم عنه.
وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله عز وجل فقوى في نفسي اعتقاد كونها توفيقًا من الله سبحانه وأنها وحي.
ثم أقول في ضد هذا: كما وقع لأصحابنا ولنا وتنبهوا وتنبهنا على تأمل هذه الحكمة الرائعة الباهرة كذلك لا ننكر أن يكون الله تعالى قد خلق من قبلنا -وإن بعد مداه عنا- من كان ألطف منا أذهانًا وأسرع خواطر وأجرأ جنانًا.
فأقف4 بين تين الخلتين حسيرًا وأكاثرهما فأنكفيء مكثورًا.
وإن خطر خاطر فيما بعد يعلق الكف بإحدى الجهتين ويكفها5 عن صاحبتها قلنا به وبالله التوفيق.