باب في جمع الأشباه من حيث يغمض الاشتباه:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
هذا غور من اللغة1 بطين، يحتاج مجتابه إلى فقاهة في النفس، ونصاعة من2 الفكر، ومساءلة خاصية3، ليست4 بمبتذلة ولا ذات هجنة.
ألقيت يوما على بعض من كان5 يعتادني، فقلت6: من أين تجمع بين قوله7:
لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
وبين قولنا: اختصم زيد وعمرو؟ فأجبل8 ورجع مستفهما.
فقلت: اجتماعهما من حيث وضع كل واحد منهما في غير الموضع الذي بدئ له.
وذلك9 أن الطريق خاص وضع موضع العام.
وذلك أن وضع هذا أن يقال: كما عسل أمامه الثعلب، وذلك الأمام قد كان يصلح لأشياء من الأماكن كثيرة: من طريق وعسف
وغيرهما.
فوضع الطريق -وهو بعض ما كان يصلح للأمام أن يقع عليه- موضع الأمام.
فنظير هذا أن واو العطف وضعها لغير الترتيب، وأن تصلح للأوقات الثلاثة، نحو جاء زيد وبكر.
فيصلح أن يكونا جاءا معا، وأن يكون زيد قبل بكر، وأن يكون بكر قبل زيد.
ثم إنك1 قد تنقلها من هذا العموم إلى الخصوص.
وذلك قولهم2: اختصم زيد وعمرو.
فهذا لا يجوز أن يكون الواو فيه إلا لوقوع الأمرين في وقت واحد.
ففي هذا أيضا إخراج الواو عن أول ما وضعت له في ألأصل: من صلاحها للأزمنة الثلاثة والاقتصار بها على بعضها؛ كما اقتصر على الطريق من بعض ما كان يصلح له الأمام.
ومن ذلك أن يقال لك3: من أين تجمع بين قول الله سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ 4 من قول الشاعر:
زمان عليّ غراب غداف ... فطيره الدهر عنى فطارا5
فالجواب: أن في كل واحد من الآية والبيت دليلا على قوة شبه الظرف بالفعل.
أما الآية فلأنه عطف الظرف في قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ﴾ على قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ والعطف نظير التثنية؛ وهو مؤذن بالتماثل والتشابه.
وأما البيت فلأنه عطف الفعل فيه على الظرف الذي هو قوله: "علي غراب غداف".
وهذا واضح.
وبهذا يقوى عندي قول مبرمان: إن الفاء في نحو قولك: خرجت فإذا زيد عاطفة، وليست زائدة كما قال أبو عثمان؛ ولا للجزاء كما قال الزيادي.
ومن ذلك أن يقال: من أين تجمع قول1 الله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ 2 مع قول امرئ القيس:
على لا حب لا يهتدي بمناره ... إذا ساقه العود النباطي جرجرا3
والجواب أن معنى قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ : لم يذل فيحتاج إلى ولى من الذل؛ كما أن هذا معناه: لا منار به فيهتدى به.
ومثله قول الآخر:
لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا يرى الضب بها ينجحر4
وعليه قول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ 5، أى لا يشفعون لهم فينتفعوا بذلك.
يدل عليه قوله عز اسمه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ 6 وإذا كان كذلك فلا شفاعة إلا للمرتضى7.
فعلمت بذلك أن لو "شفع لهم لا ينتفعون"8 بذلك.
ومنه قولهم: هذا أمر لا ينادى وليده أى لا وليد فيه فينادى.
فإن قيل: فإذا كان لا منار به ولا وليد فيه "ولا أرنب هناك"9 فما وجه إضافة هذه الأشياء إلى ما لا ملابسة بينها وبينه؟
قيل: لا10؛ بل هناك ملابسة لأجلها ما صحت الإضافة.
وذلك أن العرف أن يكون في الأرض الواسعة منا يهتدى به، وأرنب تحلها.
فإذا شاهد الإنسان هذا البساط11 من الأرض خاليا من المنار والأرنب12، ضرب بفكره إلى ما فقده
منهما فصار ذلك القدر من الفكر وصلة بين الشيئين، وجامعا لمعتاد الأمرين.
وكذلك1 إذا عظم الأمر واشتد الخطب على أنه لا يقوم له، ولا يحضر فيه إلا الأجلاد وذوو البسالة، دون الولدان وذوي الضراعة.
فصار العلم بفقد هذا الضرب من الناس وصله فيه2 بينهما، وعذرا في تصاقبهما3 وتدانى حاليهما.
ومن ذلك أن يقال: من أين تجمع قول الأعشى:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا4
مع قول الآخر -فيما رويناه عن ابن الأعرابي:
وطعنة مستبسل ثائر ... ترد الكتيبة نصف النهار5
ومع قول العجاج:
ولم يضع جاركم لحم الوضم6
ومع قوله أيضًا:
حتى إذا اصطفوا له جدارا7
والجواب: أن التقاء هذه المواضع كلها هو في1 أن نصب في جميعها "على المصدر"2 ما ليس مصدرا.
وذلك أن قوله: "ليلة أرمدا" انتصب3 "ليلة" منه على المصدر؛ وتقديره: ألم تغتمض عيناك اغتماض ليلة أرمد، فلما حذف المضاف الذي هو "اغتماض" أقام "ليلة" مقامه، فنصبها على المصدر؛ كما كان الاغتماض منصوبا عليه.
فالليلة إذًا ههنا منصوبة على المصدر لا على الظرف.
كذا قال أبو على لنا.
وهو كما ذكر؛ لما ذكرنا.
فكذلك4 إذًا قوله:
ترد5 الكتيبة نصف النهار
"إنما نصف النهار"6 منصوب على المصدر لا على الظرف؛ ألا ترى أن ابن الأعرابي قال في تفسيره: إن معناه: ترد الكتيبة مقدار نصف اليوم أى مقدار مسيرة نصف يوم.
فليس إذًا معناه: تردها في وقت نصف7 النهار؛ بل: الرد الذي لو بدئ أول النهار لبلغ نصف يوم.
وكذلك قول العجاج:
ولم يضع جاركم لحم الوضم
فـ"لحم الوضم" منصوب على المصدر، أى ضياع لحم الوضم.
وكذلك قوله8 أيضًا:
حتى إذا اصطفوا له جدارا
فـ"جدارا" الوضم منصوب على المصدر.
هذا هو الظاهر؛ ألا ترى أن معناه: "حتى إذا اصطفوا8 له" اصطفاف جدار، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛
على ما مضى.
وقد يجوز أن يكون "جدارا" حالا أي مثل الجدار، وأن يكون أيضًا منصوبا على فعل آخر، أى صاروا جدارا، أى مثل جدار، فنصبه1 في هذا الموضع2 على أنه خبر صاروا.
والأول أظهر وأصنع.
ومن ذلك أن يقال: من أين يجمع قول الله سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ 3 مع قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ 4. والتقاؤهما أن أبا علي -رحمه الله- كان يقول: إن عين "استكانوا" من الياء، وكان يأخذه من لفظ5 الكين ومعناه، وهو لحم باطن الفرج، أى فما ذلوا وما خضعوا.
وذلك لذل هذا الموضع ومهانته.
وكذلك قوله: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ إنما هو من لفظ الحياء6 ومعناه "أى الفرج"7، أى يطئوهن8 وهذا واضح.
ومن ذلك أن يقال: من أين "يجمع بين"9 قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ 10، وبين11 قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ 12. والتقاءهما من قبل أن الفاء في قوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ إنما دخلت لما في الصفة التي هي قوله: ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ "من معنى الشرط"13، أى إن فررتم منه لاقاكم -فجعل- عز اسمه- هربهم منه سببا للقيه إياهم؛ على وجه المبالغة؛ حتى كأن هذا مسبب عن هذا؛ كما قال زهير:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه14
فمعنى الشرط إذًا1 إنما هو مفاد من الصفة لا الموصوف.
وكذلك قوله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ إنما استحقوا الويل لسهوهم عن الصلاة، لا للصلاة نفسها، والسهو مفاد من الصفة لا من2 الموصوف.
فقد ترى إلى اجتماع الصفتين في أن المستحق من المعنى إنما هو لما فيهما من الفعل الذي هو الفرار والسهو، وليس من نفس الموصوفين اللذين هما الموت والمصلون.
وليس كذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِم﴾ 3، من قبل أن معنى الفعل المشروط به هنا إنما هو مفاد من نفس الاسم الذي ليس موصوفا، أعنى: الذين ينفقون.
وهذا واضح.
وقال لى أبو علي -رحمه الله: إنى لم أودع كتابى" "في الحجة" شيئا من انتزاع أبي العباس غير هذا الموضع، أعنى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ مع قوله:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
وكان -رحمه الله- يستحسن الجمع بينهما.
ومن ذلك أن يقال: من أين يجمع4 قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 5 مع قول الأعشى:
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر6
والتقاؤهما أن معناه: فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة، وكذلك قوله: حتى يقول الناس، أى حتى يقول كل واحد من الناس: يا عجبا!؛ ألا ترى أنه
لولا ذلك لقيل: يا عجبنا.
ومثل ذلك ما حكاه أبز ويد من قولهم: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة وأعطانا كلنا مائة؛ أى كسا كل واحد منا، حلة وأعطاه مائة.
ومثل قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ 1 أى: أو لم نعمر كل واحد منكم ما يتذكر فيه من تذكر.
ومن ذلك أن يقال: من أين يجمع2 قول العجاج3:
وكحل العينين بالعواور
مع قول الآخر:
لما رأى أن لادعه ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقف فالطجع4
واجتماعهما أنه صحح الواو في العواور، لإرادة الياء في العواوير5، كما أنه أراد: فاضطجع، ثم أبدل من الضاد6 لا ما.
فكان قياسه إذ زالت الضاد وخلفتها اللام أن تظهر تاء افتعل، فيقال: التجع، كما يقال: التفت، والتقم، والتحف.
لكن أقرت الطاء بحالها ليكون اللفظ بها دليلا على إرادة الضاد التي هذه اللام بدل منها، كما دلت صحة الواو "في العواور"7 على إرادة الياء في العواوير، وكما دلت الهمزة في أوائيل -إذا مددت مضطرا- على زيادة الياء فيها وأن الغرض إنما هو أفاعل لا أفاعيل.
ونحو من الطجع في إقرار الطاء لإرادة الضاد ما حكى لنا أبو علي عن خلف من قولهم: التقطت النوى واستقطته واضتقطته.
فصحة التاء مع الضاد في اضتقطته
دليل على إرادة اللام1 في التقطته، وإن هذه الضاد بدل من تلك اللام؛ كما أن لام الطجع بدل من ضاد اضطجع: هذا هنا كذلك ثمة.
ونحو من ذلك ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: لا أكلمك حيرى2 دهرٍ، بإسكان الياء في الكلام وعن غير ضرورة من الشعر.
وذلك أنه أراد: حيرى دهر -أى امتداد الدهر، وهو من الحيرة؛ لأنها مؤذنة بالوقوف والمطاولة- فحذف الياء الأخيرة3، وبقيت الياء الأولى على سكونها، وجعل بقاؤها ساكنة على الحال التي كانت عليها قبل حذف الأخرى من بعدها دليلا على إرادة هذا المعنى فيها وأنها ليست مبنية على التخفيف في أول أمرها إذ لو كانت كذلك لوجب تحريكها بالفتح فيقال: لا أكلمك حيرى دهر كقولك: مدة الدهر "وأبد الأبد ويد المسند"4 و:
بقاء الوحى في الصم الصلاب
ونحو ذلك.
وهذا يدل على أن المحذوف من الياءين في قوله:
بكى بعينك واكف القطر ... ابن الحوارى العالى الذكر5
إنما هو الياء الثانية في الحوارى، كما أن المحذوف من حيرى دهر، إنما هو الثانية في حيرى.
فاعرفه.
ومثله إنشاد أبي الحسن:
ارهن بنيك عنهم أرهن بنى
يريد بني، فحذف الياء الثانية للقافية، ولم يعد النون التي كان حذفها للإضافة، فيقول: بنين؛ لأنه نوى الياء الثانية، فجعل ذلك دليلا على إرادتها ونيته إياها.
فهذا شرح من خاصي السؤال1، لم تكد تجرى به عادة في الاستعمال.
وقد كان أبو علي رحمه الله -وإن لم يكن تطرقه2- يعتاد3 من الإلقاء نحوا منه، فيتلو الآية، وينشد البيت، ثم يقول: ما في هذا مما يسأل عنه؟ من غير أن يبرز4 "نفس حال"5 المسئول عنه، ولا يسمح بذكره من جهته، ويكله إلى استنباط المسئول عنه، حتى إذا وقع له غرض أبي علي فيه، أخذ في الجواب عليه.
باب في المستحيل، وصحة قياس الفروع، على فساد الأصول:
اعلم أن هذا الباب، وإن ألانه عندك ظاهر ترجمته، وغض منه في نفسك بذاذة سمته، فإن فيه ومن ورائه تحصينا للمعاني، وتحريرا للألفاظ، وتشجيعا على مزاولة الأغراض.
والكلام فيه من موضعين:
أحدهما: ذكر استقامة المعنى من1 استحالته، والآخر: الاستطالة على اللفظ بتحريفه والتعلب به، ليكون ذلك مدرجة للفكر، ومشجعة للنفس، وارتياضا لما يرد من ذلك الطرز.
وليس لك أن تقول: فما في الاشتغال بإنشاء فروع كاذبة2، عن3 أصول فاسدة! وقد كان في التشاغل بالصحيح، مغنٍ عن التكلف للسقيم.
هذا خطأ من القول، من قبل أنه إذا أصلح الفكر، وشحذ البصر، وفتق النظر، كان ذلك عونا لك، وسيفا ماضيا في يدك؛ ألا ترى إلى ما كان نحو هذا من الحساب وما فيه من التصرف والاعتمال.
وذلك قولك4: إذا فرضت5 أن سبعة في خمسة أربعون فكم يجب أن يكون على هذا ثمانية في ثلاثة؟ فجوابه أن تقول: سبعة وعشرون وثلاثة أسباع. وبابه -على الاختصار- أن تزيد على الأربعة والعشرين سُبُعها، وهو ثلاثة وثلاثة أسباع؛ كما زدت على الخمسة والثلاثين سبعها -وهو خمسة- حتى صارت: أربعين.
وكذلك لو قال: لو كانت سبعة في خمسة ثلاثين، كم كان يجب أن تكون ثمانية في ثلاثة؟ لقلت: عشرين وأربعة أسباع، نقصت من الأربعة والعشرين سبعها، كما نقصت من الخمسة والثلاثين سبعها. وكذلك لو كان نصف المائة أربعين لكان نصف الثلاثين اثنى عشر. "وكذلك لو كان نصف المائة ستين لكان نصف الثلاثين ثمانية عشر"6.
ومن المحال أن يقول لك: ما تقول في مال نصفه ثلثاه، كم ينبغي أن يكون ثلثه؟ فجوابه أن تقول: أربعة أتساعه.
وكذلك لو قال: ما تقول في مال ربعه وخمسه نصفه وعشره، كم ينبغي أن يكون نصفه وثلثه؟ فجوابه أن يكون: جميعه7 وتسعه.
وكذلك لو قال: ما تقول في مال نصفه ثلاثة أمثاله، كم يجب أن تكون
سبعة أمثاله؟ فجوابه أن تقول: اثنين وأربعين مثلا له. "وكذلك لو قال: ما تقول في مال ضعفه ثلثه كم ينبغي أن يكون أربعة أخماسه؟ وجوابه أن تقول: عشره وثلث عشره"1.
وكذلك لو قال لك: إذا كانت أربعة وخمسة ثلاثة عشر فكم يجب أن يكون تسعة وستة؟ فجوابه أن تقول: أحدا وعشرين وثلثين.
وكذلك طريق الفرائض أيضا؛ ألا تراه لو قال: مات رجل، وخلف ابنا وثلاث عشرة بنتا، فأصاب الواحدة ثلاثة أرباع ما خلفه المتوفى، كم يجب أن2 يصيب الجماعة؟ فالجواب أنه يصيب جميع الورثة مثل ما خلفه المتوفى إحدى عشرة مرة وربعا.
وكذلك لو قال: امرأة ماتت، وخلفت زوجا وأختين لأب وأم، فأصاب كل واحدة3 منهما أربعة أتساع ما خلفته المتوفاة، كم ينبغي أن يصيب جميع4 الورثة؟ والجواب أنه يصيبهم ما خلفته المرأة وخمسة أتساعه.
فهذه كلها ونحوه من غير ما ذكرنا، أجوبة صحيحة، على أصول فاسدة.
ولو شئت أن تزيد وتغمض في السؤال لكان ذلك لك5.
وإنما الغرض في هذا ونحوه التدرب به، والارتياض بالصنعة فيه.
وستراه بإذن الله.
فمن المحال أن تنقض أول كلامك بآخره.
وذلك كقولك: قمت غدا، وسأقوم أمس، ونحو هذا.
فإن قلت: فقد تقول؛ إن قمت غدا قمت معك، وتقول: لم أقم أمس، وتقول: أعزك الله، وأطال بقاءك، فتأتى بلفظ الماضي ومعناه الاستقبال؛ وقال6:
ولقد أمر على اللئيم يسبنى ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
أي: ولقد مررت.
وقال1:
وإنى لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستيجاب ما كان في غد
أي ما يكون.
وقال:
أوديت إن لم تحب حبو المعتنك2
أي أودى -وأمثاله كثيرة.
قيل: ما قدمناه على ما أردنا فيه.
فأما هذه المواضع المتجوزة3، وما كان نحوها، فقد ذكرنا أكثرها فيما حكيناه عن أبي علي، وقد سأل أبا بكر عنه في4 نحو هذا فقال "أبو بكر"5 كان حكم الأفعال أن تأتي كلها6 بلفظ واحد؛ لأنها لمعنى واحد، غير أنه لما كان الغرض في صناعتها أن تفيد أزمنتها، خولف بين مُثُلها، ليكون ذلك دليلا على المراد فيها.
قال: فإن أمن اللبس فيها جاز أن يقع بعضها موقع بعض.
وذلك مع حرف الشرط؛ نحو إن قمت جلست؛ لأن الشرط معلوم أنه لا يصح إلا مع الاستقبال.
وكذلك لم يقم أمس، وجب لدخول لم ما لولا هي لم يجز.
قال7: ولأن المضارع أسبق في الرتبة من الماضي، فإذا نفى8 الأصل كان الفرع أشد انتفاء.
وكذلك أيضا حديث الشرط في نحو إن قمت قمت جئت فيه بلفظ الماضي الواجب تحقيقا للأمر، وتثبيتا له، أي إن هذا وعد موفى به لا محالة؛ كما أن الماضي واجب ثابت لا محالة.
أي إن لم تتداركني هلكت الساعة غير1 شك، هكذا يريد.
فلأجله ما2 جاء بلفظ الواجب الواقع غير المرتاب به، ولا المشكوك في وقوعه.
وقد نظر إلى هذا الموضع أبو العتاهية، فاتبعه فيه، وإن صغر لفظه، وتحاقر دونه.
قال:
عتب الساعة الساعهْ ... أموت الساعة الساعهْ
وهذا -على نذالة3 لفظه- وفق ما نحن على سمته.
وهذا هذا.
وليس كذلك قولك: قمت غدا، وسأقوم أمس، لأنه عارٍ من جميع ما نحن فيه؛ إلا أنه لو دل دليل من لفظ أو حال لجاز نحو هذا.
فأما على تعرية منه، وخلوه مما شرطناه فيه فلا.
ومن المحال قولك: زيد أفضل إخوته، ونحو ذلك.
وذلك أن أفضل: أفعل، وأفعل هذه التي4 معناها المبالغة والمفاضلة، متى أضيفت إلى شيء فهى بعضه؛ كقولك: زيد أفضل الناس، فهذا جائز؛ لأنه منهم، والياقوت أنفس الأحجار؛ لأنه بعضها.
ولا تقول: زيد أفضل الحمير، ولا الياقوت أنفس الطعام؛ لأنهما ليسا منهما.
وهذا مفاد5 هذا.
فعلى ذلك لم يجيزوا: زيد أفضل إخوته؛ لأنه ليس واحد من إخوته، وإنما هو واحد من بنى أبيه؛ ألا ترى أنه لو كان له إخوة بالبصرة وهو ببغداد، وكان6 بعضهم وهم7 بالبصرة، لوجب من هذا أن يكون من ببغداد البتة في حال كونه بها، مقيما بالبصرة البتة في تلك الحال.
وأيضا فإن الإخوة مضافون إلى ضمير زيد، وهي الهاء في إخوته، فلو كان واحدا منهم وهم مضافون إلى ضميره كما ترى؛ لوجب أيضا8 أن يكون داخلا معهم في إضافته
إلى ضميره، وضمير الشيء هو الشيء البتة، والشيء لا يضاف إلى نفسه.
وأما1 قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ 2 فإن الحق هنا غير اليقين، وإنما هو خالصه وواضحه فجرى مجرى إضافة البعض إلى الكل؛ نحو هذا ثوب خز.
ونحوه قولهم: الواحد بعض العشرة.
ولا يلزم من حيث كان الواحد بعض العشرة أن يكون بعض نفسه؛ لأنه لم يضف إلى نفسه، وإنما أضيف إلى جماعة نفسه بعضها وليس كذلك زيد أفضل إخوته؛ لأن الإخوة مضافة إلى نفس زيد، وهي الهاء التي هي ضميره.
ولو كان زيد بعضهم وهم مضافون إلى ضميره لكان هو أيضا مضافا إلى ضميره الذي هو نفسه، وهذا محال.
فاعرف ذلك فرقا بين الموضعين؛ فإنه واضح.
فأما قولنا3: أخذت كل المال، وضربت كل القوم، فليس الكل هو ما أضيف إليه.
قال أبو بكر: إنما الكل عبارة عن أجزاء الشيء، وكما جاز أن يضاف أجزاء الجزء الواحد4 إلى الجملة، جاز أيضا أن تضاف الأجزاء كلها إليه.
فإن قيل: فالأجزاء كلها هي الجملة، فقد عاد الأمر إلى إضافة الشيء إلى نفسه.
قيل: هذا فاسد، وليس أجزاء الشيء هي الشيء وإن كان مركبا منها.
بل الكل في هذا جارٍ مجرى البعض في أنه ليس بالشيء5 نفسه؛ كما أن البعض ليس به نفسه.
يدل على ذلك وأن حال البعض متصورة في الكل قولك: كل
القوم عاقل، أي كل واحد منهم على انفراده عاقل.
هذا هو الظاهر، وهو طريق الحمل على اللفظ؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ 1، وقال تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ 2 فوحد، وقال3:
كلا أبويكم كان فرع دعامة
فلم يقل: كانا، وهو الباب.
ومثله قول الأعشى أيضا:
حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر4
أي حتى يقول كل واحد منهم: يا عجبا.
وعليه قول الآخر:
تفوقت مال ابنى حجير وما هما ... بذي حطمة فانٍ ولا ضرع غمر5
أي: وما كل واحد منهما كذلك.
فأما قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ 6 و ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ 7 فمحمول على المعنى دون اللفظ.
وكأنه إنما حمل عليه هنا لأن كلا فيه غير مضافة، فلما لم تضف إلى جماعة عوض من ذلك ذكر الجماعة في الخيبر.
ألا ترى أنه لو قال: وكل له
قانت لم يكن فيه لفظ الجمع1 البتة، ولما قال: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ 2 فجاء بلفظ الجماعة مضافا إليها، استغنى به عن ذكر الجماعة في الخبر.
وتقول -على اللفظ: كل نسائك قائم، ويجوز: قائمة إفرادا على اللفظ أيضا، وقائمات على المعنى البتة؛ قال الله -سبحانه: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ 3 ولم يقل: كواحدة؛ لأن الموضع موضع عموم، فغلب فيه التذكير، وإن كان معناه: ليست كل واحدة منكن كواحدة من النساء؛ لما ذكرناه من دخول الكلام "معنى العموم"4.
فاعرف ذلك.
وصواب5 المسألة أن تقول: زيد أفضل بني أبيه، وأكرم نجل أبيه "وعترة أبيه"6، ونحو ذلك، وأن تقول: زيد أفضل من إخوته؛ لأن بدخول "مِن" ارتفعت الإضافة فجازت المسألة.
ومن المحال قولك: أحق الناس بمال أبيه ابنه.
وذلك أنك إذا ذكرت الأبوة فقد انطوت على البنوة، فكأنك إذًا إنما قلت: أحق الناس بمال أبيه أحق الناس بمال أبيه.
فجرى ذلك7 مجرى قولك: زيد زيد، والقائم القائم، ونحو ذلك مما ليس في الجزء الثاني منه إلا ما في الجزء الأول البتة، وليس على ذلك عقد8 الإخبار؛ لأنه "يجب أن يستفاد من الجزء الثاني"9 ما ليس مستفادا من الجزء الأول.
ولذلك10 لم يجيزوا: ناكح الجارية واطئها، ولا رب الجارية مالكها؛ لأن الجزء الأول مستوف لما انطوى عليه الثاني.
فإن قلت: فقد قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري1 وقال الآخر: إذ الناس ناسٌ والبلاد بغرة ... وإذ أم عمار صديقٌ مساعف2 "وقال3 آخر": بلاد بها كنا وكنا نحلها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد4 وقال الآخر: هذه رجائي وهذي مصر عامرةً ... وأنت أنت وقد ناديت من كثب وأنشد أبو زيد: رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هُم هُم5 وأمثاله كثيرة.
قيل: هذا كله وغيره مما هو جار مجراه، محمول عندنا على معناه دون لفظه؛ ألا ترى أن المعنى: وشعرى متناهٍ في الجودة، على ما تعرفه وكما بلغك1، وقوله: إذ الناس ناس أي: إذ الناس أحرار، والبلاد أحرار، وأنت أنت أي: وأنت المعروف بالكرم، وهم هم أي: هم الذين أعرفهم بالشر والنكر لم يستحيلوا ولم يتغيروا.
فلولا هذه الأغراض وأنها مرادة معتزمة، لم يجز شيء من ذلك؛ لتعرى الجزء الآخر2 من زيادة الفائدة على الجزء الأول.
وكأنه إنما أعيد لفظ الأول لضرب من الإدلال والثقة بمحصول الحال.
أي أنا أبو النجم الذي يكتفى باسمه من صفته ونعته.
وكذلك بقية الباب؛ كما قال:
أنا الحباب الذي يكفي سمي نسبي3
ونظر إليه شاعرنا وقلبه، فقال:
ومن يصفك فقد سماك للعرب4
ولكن صحة المسألة أن تقول: أحق الناس بماله أبيه أبرهم به، وأقومهم بحقوقه.
فتزيد في الثاني ما ليس موجودا5 في الأول.
فهذه1 طريقة استحالة المعنى.
وهو باب.
وأما صحة قياس الفروع، على فساد الأصول فكأن يقول لك قائل: لو كانت الناقة من لفظ "القنو" ما كان يكون مثالها من الفعل؟.
فجوابه أن تقول: علفة.
وذلك أن النون عين "والألف منقلبة عن واو، والواو لام"2 القنو، والقاف فاؤه.
ولو كان القنو مشتقا من لفظ الناقة لكان مثاله لفع.
فهذان أصلان فاسدان، والقياس عليهما آوٍ بالفرعين إليهما.
وكذلك لو كانت الأسكفة مشتقة من استكف الشيء -على ما قال وذهب إليه أحمد بن يحيى لكانت أسفعلة- ولو كان استكف مشتقا من الأسكفة، لكان على اللفظ: افتعل بتشديد اللام، وعلى الأصل3: افتعلل؛ لأن أصله على الحقيقة: استكفف.
ومن ذلك "أن لو كان ماهان عربيا"4، فكان من5 لفظ هوم أو هيم لكان لعفان. "ولو كان من لفظ الوهم لكان لفعان"6.
ولو كان من لفظ همى لكان: علفان. ولو وجد في الكلام تركيب "وم هـ" فكان ماهان من لفظه لكان مثاله: عفلان. ولو كان من لفظ النهم لكان: لاعافا. ولو كان من لفظ المهيمن لكان: عافالا7.
ولو كان في الكلام تركيب "م ن هـ" فكان ماهان منه لكان: فالاعا8.
ولو كان فيه تركيب "ن م هـ" "فكان منه لكان"9: عالافا.
وذهب أبو عبيدة في المندوحة إلى أنها من قولهم: انداح بطنه إذا اتسع.
وذلك خطأ فاحش.
ولو كانت منه لكانت: منفعلة.
وقد ذكرنا ذلك في باب
سقطات العلماء1.
نعم ولو كانت من لفظ الواحد لكانت: منلفعة.
ولو كانت من لفظ حدوت لكانت: منعلفة.
ولو كانت من دحوت لكانت: منفلعة.
ولو كان في الكلام تركيب "ود ح" فكانت مندوحة منه لكانت: منعفلة.
ولو كان قولهم: انداح بطنه من لفظ مندوحة لكانت: أفعال، بألف2 موصولة "واللام مخففة"3.
وذهب بعض أشياخ اللغة في يستعور إلى أنه: يفتعول، وأخذه من سعر. وهذا غلط4.
ولو كان من قولهم: عرس بالمكان لكان: يلتفوعا.
ولو كان من سَرُع لكان: يفتلوعا.
ولو كان من عسر لكان: يعتفولا.
ولو كان من لفظ رسع لكان: يعتلوفا.
ولو كان من لفظ رعس لكان: يلتعوفا.
وأما تيهورة فلو كانت من تركيب5 "هـ ر ت" لكانت: ليفوعة.
"ولو كانت من لفظ "ت ر هـ" لكانت: فيلوعة.
ولو كانت من لفظ "هـ ت ر" لكانت: عيفولة"5.
ولو كانت من لفظ "ر هـ ت"، لكانت: ليعوفة.
ولو كانت من لفظ "ر ت هـ"، لكانت: عيلوفة.
ومع هذا فليست من لفظ "ت هـ ر"، وإن كانت -في الظاهر وعلى البادى- منه بل هي عندنا من لفظ "هـ ور".
وقد ذكر ذلك أبو على في تذكرته فغنينا عن إعادته.
وإنما غرضنا هنا مساق الفروع على فساد الأصول لما يعقب ذلك من قوة الصنعة وإرهاف الفكرة.
وأما مرمريس فلو كانت من لفظ "س م ر"، لكانت: علعليف.
ولو كانت من لفظ "ر س م": لكانت لفلفيع ولو كانت من لفظ "ر م س" لكانت: عفعفيل.
ولو كانت من لفظ "س ر م"، لكانت: لعلعيف.
ولو كانت من لفظ "م س ر"
لكانت: فلفليع"1.
لكنها عندنا من لفظ "م ر س"، وهي على الحقيقة فعفعيل منه.
وأما قرقرير لقرقرة الحمام فإنها فعلليل، وهو رباعي، وليست من هذا الطرز الذي مضى.
وأما قندأو2 فإنها فنعلو، من لفظ "ق د أ"، ولو كانت من لفظ "ق د و" لكانت: فنعأل.
ولو كانت من لفظ "د وق" لكانت: لنفأع.
ولو كانت من لفظ "ن ق د" لكانت: عفلأو.
ولو كانت من لفظ "ن د ق" لكانت: لفعأو.
ولو كانت من لفظ الندأة3 لكانت قفلعو، فحكمت بزيادة القاف، وهذا أغرب مما قبله.
ولو كانت من لفظ النآدى4 لكانت: قفلعو بزيادة القاف أيضا.
والمسائل "من هذا النجر"5 تمتد وتنقاد؛ إلا أن هذا طريق صنعتها.
فاعرفه وقسه بإذن الله تعالى.