الخصائصباب في صدق النقلة وثقة الرواة والحملة:

باب في صدق النقلة وثقة الرواة والحملة:

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

هذا موضع من هذا الأمر، لا يعرف صحته إلا من تصور أحوال السلف فيه1 تصورهم2، ورآهم من الوفور والجلالة بأعيانهم، واعتقد في هذا العلم الكريم ما يجب اعتقاده له3، وعلم أنه لم يوفق لاختراعه4، وابتداء قوانينه وأوضاعه، إلا البر عند الله سبحانه، الحظيظ5 بما نوه به، وأعلى شأنه.
أو لا يعلم أن أمير المؤمنين عليا -رضي الله عنه- هو البادئه والمنبه عليه والمنشئه والمرشد6 إليه.
ثم تحقق7 ابن عباس، رضي الله عنه به، واكتفال أبي الأسود -رحمه الله- إياه.
هذا، بعد تنبيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليه، وحضه على الأخذ بالحظ منه، ثم تتالى السلف -رحمهم الله- عليه، واقتفائهم -آخرا على8 أول- طريقه.
ويكفى من9 بعد ما تعرف10 حاله، ويتشاهد11 به من عفة أبي عمرو بن العلاء ومن كان معه، ومجاورا زمانه.
حدثنا بعض أصحابنا -يرفعه- قال: قال أبو عمرو بن العلاء -رحمه الله: مازدت في شعر العرب إلا بيتا واحدا.
يعنى مايرويه للأعشى من قوله: وأنكرتنى وما كان الذى نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا أفلا ترى إلى هذا البدر الطالع12 الباهر، والبحر الزاخر الذي هو أبو العلماء وكهفهم، وبدء13 الرواة وسيفهم، كيف تخلصه من تبعات هذا العلم وتحرجه، وتراجعه فيه إلى الله وتحوبه، حتى أنه لما زاد فيه -على سعته وانبثاقه، وتراميه وانتشاره- بيتا واحدا، وفقه الله للاعتراف به، "وجعل ذلك"14 عنوانا على توفيق ذويه وأهليه.

وهذا الأصمعى -وهو صناجة1 الرواة والنقلة، وإليه محط2 الأعباء والثقلة، ومنه تجنى الفقر والملح، وهو ريحانة كل مغتبق ومصطبح- كانت مشيخة القراء وأماثلهم تحضره -وهو حدث- لأخذ قراءة نافع عنه.
ومعلوم "كم3 قدر ما" حذف من اللغة، فلم يثبته؛ لأنه لم يقو عنده؛ إذ لم يسمعه.
وقد ذكرنا في الباب الذي هذا4 يليه طرفا منه.
فأما إسفاف من لا علم له، وقول من لا مسكة به: إن الأصمعى كان يزيد في كلام العرب، ويفعل كذا، ويقول كذا، فكلام معفو عنه، غير معبوء به ولا منقوم من مثله، حتى كأنه لم يتأد إليه توقفه عن تفسير القرآن وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتحوبه من5 الكلام في الأنواء.
ويكفيك من ذا خشنة6 أبي زيد وأبي عبيدة.
وهذا أبو حاتم بالأمس، وما كان عليه من الجد والانهماك، والعصمة والاستمساك.
وقال لنا أبو علي -رحمه الله- يكاد يعرف7 صدق أبى الحسن ضرورة. وذلك أنه كان مع الخليل في بلد واحد "فلم يحك عنه حرفا واحدا"8.
هذا إلى ما يعرف عن عقل الكسائي وعفته، وظلفه9، ونزاهته؛ حتى إن الرشيد كان يجلسه ومحمد بن الحسن على كرسيين بحضرته، ويأمرهما ألا ينزعجا10 لنهضته.

وحكى أبو الفضل الرياشي قال: جئت أبا زيد لأقرأ عليه كتابه في النبات، فقال: لا تقرأه علي؛ فإني قد أنسيته.
وحسبنا من هذا حديث سيبويه، وقد حطب1 بكتابه -وهو2 ألف ورقة- علما مبتكرا ووضعا3 متجاوزا لما يسمع ويرى، قلما تسند إليه حكاية، أو توصل به رواية، إلا الشاذ الفذ الذي لا حفل به ولا قدر.
فلولا تحفظ من يليه، ولزومه طريق ما يعنيه، لكثرت الحكايات4 عنه، ونيطت أسبابها به، لكن أخلد كل إنسان منهم إلى عصمته، وأدرع جلباب ثقته، وحمى جانبه من صدقه وأمانته، ما أريد من صون هذا العلم الشريف "له به"5.
فإن قلت: فإنا نجد علماء هذا الشأن من البلدين، والمتحلين به في المصرين، كثيرا ما يهجن6 بعضهم بعضا، ولا7 يترك له في8 ذلك سماء ولا أرضا.
قيل له: هذا أول دليل على كرم هذا الأمر، ونزاهة هذا العلم؛ ألا ترى أنه إذا سبقت إلى أحدهم ظنة، أو توجهت نحوه شبهة، سب بها، وبرئ إلى الله منه لمكانها.
ولعل أكثر من يرمى بسقطة في رواية أو غمز في حكاية محمى جانب الصدق فيها برئ عند ذكره9 من تبعتها؛ لكن أخذت عليه، إما لاعتنان شبهة عرضت له أو لمن أخذ عنه، وإما لأن ثالبه ومتعيبه مقصر عن مغزاه، مغضوض

الطرف دون مداه. وقد تعرض الشبه للفريقين "وتعترض على كلتا الطريقتين"1.
فلولا أن هذا العلم في نفوس أهله، والمتفيئين بظله، كريم الطرفين، جدد2 السمتين، لما تسابوا بالهجنة فيه، ولا تنابزوا بالألقاب في تحصين فروجه ونواحيه، ليطووا ثوبه على أعدل غروره3 ومطاويه.
نعم، وإذا كانت هذه المناقضات4 والمثقافات5 موجودة بين السلف القديم، ومن باء فيه بالمنصب والشرف العميم، ممن هم سرج الأنام، والمؤتم بهديهم في الحلال، والحرام ثم لم يكن ذلك قادحا فيما تنازعوا فيه، ولا غاضا منه، ولا عائدا بطرف من أطراف التبعة عليه، جاز مثل ذلك أيضا في علم العرب، الذي لا يخلص جميعه للدين خلوص الكلام والفقه له: ولا يكاد يعدم أهله الأنق به، والارتياح لمحاسنه.
ولله أبو العباس أحمد بن يحيى، وتقدمه في نفوس أصحاب الحديث ثقةً وأمانة، وعصمة وحصانة.
وهم عيار هذا الشان، وأساس هذا البنيان.
وهذا أبو علي رحمه الله، كأنه بعد معنا، ولم تبن به الحال عنا، كان من تحو به وتأنيه6، وتحرجه كثير التوقف فيما يحكيه، دائم الاستظهار لإيراد ما يرويه.
فكان تارة يقول، أنشدت لجرير فيما أحسب، وأخرى: قال لي أبو بكر7 فيما أظن، وأخرى8: في غالب ظني كذا، وأرى أني قد سمعت كذا.
هذا جزء من جملة، وغصن من دوحة، وقطرة من بحر، مما يقال في هذا الأمر.
وإنما أنسنا بذكره، ووكلنا الحال فيه، إلى تحقيق ما يضاهيه.

جارٍ التحميل