الخصائصباب في أن 1 المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة:

باب في أن 1 المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة:

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة.
وذلك عامة الأفعال نحو: قام زيد, وقعد عمرو, وانطلق بشر, وجاء الصيف, وانهزم2 الشتاء.
ألا ترى أن الفعل يفاد منه معنى الجنسية, فقولك: قام زيد, معناه 3: كان منه القيام, أي: هذا1

الجنس من الفعل, ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام, وكيف1 يكون ذلك وهو جنس, والجنس يطبق2 جميع الماضي وجميع الحاضر وجميع الآتي, الكائنات من كل من وجد منه القيام.
ومعلوم3 أنه لا يجتمع لإنسان واحد "في وقت واحد"4, ولا في مائة ألف سنة مضاعفة القيام كله الداخل تحت الوهم, هذا محال عند كل ذي لب.
فإذا كان كذلك علمت أن "قام زيد" مجاز لا حقيقة, وإنما هو على وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير.
ويدل على انتظام ذلك لجميع جنسه أنك تعلمه في جميع أجزاء ذلك الفعل فتقول: قمت قومة, وقومتين, ومائة قومة, وقيامًا حسنًا, وقيامًا قبيحًا.
فأعمالك إياه في جميع أجزائه يدل على أنه موضوع عندهم على صلاحه لتناول جميعها.
وإنما يعمل الفعل من المصادر فيما فيه عليه دليل؛ ألا تراك لا تقول: قمت جلوسًا, ولا ذهبت مجيئًا, ولا نحو ذلك لما لم تكن فيه دلالة عليه, ألا ترى إلى قوله: لعمري لقد أحببتك الحب كله ... وزدتك حبًا لم يكن قبل يعرف5 "فانتظامه6 لجميعه يدل على وضعه على اغتراقه واستيعابه"7 وكذلك قول الآخر: فقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظنّ أن لا تلاقيا8

فقوله: "كل الظن" يدل على صحة ما ذهبنا إليه.
قال لي أبو علي: قولنا: قام زيد, بمنزلة قولنا: خرجت فإذا الأسد, ومعناه أن قولهم: خرجت فإذا الأسد تعريفه هنا تعريف الجنس كقولك: الأسد أشد من الذئب, وأنت لا تريد أنك "خرجت وجميع الأسد"1 التي2 يتناولها الوهم على الباب. هذا محال واعتقاده اختلال3.
وإنما أردت: خرجت فإذا واحد من هذا الجنس بالباب, فوضعت لفظ الجماعة على الواحد مجازًا لما فيه من الاتساع والتوكيد والتشبيه.
أما الاتساع فإنك4 وضعت اللفظ المعتاد للجماعة على الواحد.
وأما التوكيد فلأنك عظمت قدر ذلك الواحد، بأن جئت بلفظه على اللفظ المعتاد للجماعة, وأما التشبيه فلأنّك عظّمت قدر ذلك الواحد بالجماعة؛ لأن كل واحد منها مثله في كونه أسدًا.
وإذا كان كذلك فمثله قعد جعفر, وانطلق محمد, وجاء الليل, وانصرم النهار.
وكذلك أفعال القديم سبحانه؛ نحو5: خلق الله السماء والأرض, وما6 كان مثله, ألا ترى -أنه عزَّ اسمه- لم يكن منه بذلك خلق أفعالنا, ولو كان حقيقة لا مجازًا لكان خالقًا للكفر والعدوان وغيرهما7 من أفعالنا -عز وعلا.
وكذلك علم الله قيام زيد مجاز8 أيضًا؛ لأنه لست الحال التي علم عليها قيام زيد هي الحال التي علم عليها قعود عمرو.
ولسنا نثبت له سبحانه علمًا؛ لأنه عالم بنفسه9, إلا أنَّا مع ذلك نعلم

أنه ليست1 حال علمه بقيام2 زيد هي حال علمه بجلوس عمرو ونحو ذلك.
وكذلك قولك: ضربت عمرًا مجاز أيضًا من غير جهة التجوّز في الفعل -وذلك أنك إنما فعلت بعض الضرب لا جميعه- ولكن من جهة أخرى؛ وهو أنك إنما ضربت بعضه لا جميعه, ألا تراك تقول: ضربت زيدًا, ولعلك إنما ضربت يده أو إصبعه, أو ناحية من نواحي جسده, ولهذا إذا احتاط الإنسان واستظهر جاء ببدل البعض فقال: ضربت زيدًا وجهه أو رأسه.
نعم, ثم إنه مع ذلك متجوز, ألا "تراه قد يقول "3: ضربت زيدًا رأسه4، فيبدل للاحتياط, وهو إنما ضرب ناحية من رأسه لا رأسه كله.
ولهذا ما يحتاط بعضهم في نحو هذا فيقول: ضربت زيدًا جانب وجهه الأيمن, أو ضربته أعلى رأسه الأسمق5؛ لأن أعلى رأسه قد تختلف أحواله فيكون بعضه أرفع من بعض.
وبعد فإذا عرف التوكيد لم وقع في الكلام -نحو: نفسه وعينه وأجمع وكله وكلهم وكليهما, وما أشبه ذلك- عرفت منه "حال سعة"6 المجاز في هذا الكلام, ألا تراك قد7 تقول: قطع الأمير اللص, ويكون القطع له بأمره8 لا بيده, فإذا قلت: قطع الأمير نفسه اللص, رفعت المجاز من جهة الفعل وصرت إلى الحقيقة, لكن يبقى عليك التجوز من مكان آخر وهو قولك: اللص, وإنما لعله قطع يده أو رجله، فإذا9 احتطت قلت: قطع الأمير نفسه يد اللص أو رجله.
وكذلك

جاء الجيش أجمع, ولولا أنه قد كان يمكن أن يكون إنما جاء بعضه1 -وإن أطلقت المجيء على جميعه- لما كان لقولك: أجمع معنى.
فوقوع التوكيد في هذه اللغة أقوى دليل على شياع المجاز فيها واشتماله عليها, حتى إن أهل العربية أفردوا له بابًا لعنايتهم به، وكونه مما2 لا يضاع ولا يهمل مثله, كما أفردوا لكل معنى أهمهم بابًا؛ كالصفة والعطف والإضافة والنداء والندبة والقسم والجزاء, ونحو ذلك.
وبينت منذ قريب لبعض منتحلي هذه الصناعة هذا الموضع -أعني: ما في3 ضربت زيدًا, وخلق الله, ونحو ذلك- فلم يفهمه إلّا بعد أن بات4 عليه, وراض نفسه فيه, واطلع في الموضع الذي أومأت له إليه, فحينئذ ما تصوره, وجرى على مذهبه في أن لم يشكره.
واعلم أن جميع ما أوردناه في سعة المجاز عندهم واستمراره على ألسنتهم دفع أبي الحسن القياس على حذف المضاف, وإن لم يكن حقيقة.
أولا5 يعلم أبو الحسن كثرة المجاز غيره, وسعة استعماله وانتشار مواقعه, كقام أخوك, وجاء الجيش, وضربت زيدًا, ونحو ذلك, وكل ذلك مجاز "لا حقيقة"6 "وهو على غاية الانقياد والاطراد.
وكذلك أيضًا حذف المضاف مجاز لا حقيقة"7 وهو مع ذلك مستعمل8.

فإن احتج أبو الحسن بكثرة هذه المواضع؛ نحو: قام زيد, وانطلق محمد, وجاء القوم, ونحو ذلك, قيل له: وكذلك حذف المضاف قد كثر؛ حتى إن في القرآن -وهو أفصح الكلام- منه أكثر من مائة موضع، بل ثلاثمائة موضع1، وفي الشعر منه ما لا أحصيه.
فإن قيل: يجيء من هذا أن تقول: ضربت زيدًا, وإنما ضربت غلامه وولده.
قيل: هذا الذي شنَّعت به بعينه جائز؛ ألا تراك تقول: إنما ضربت زيدًا بضربك غلامه, وأهنته بإهانتك ولده.
وهذا باب إنما يصلحه ويفسده المعرفة به.
فإن فهم عنك في قولك: ضربت زيدًا, أنك إنما أردت بذلك: ضربت غلامه أو أخاه أو نحو ذلك جاز, وإن لم يفهم عنك لم يجز, كما أنك إن فهم عنك2 بقولك: أكلت الطعام, أنك أكلت بعضه, لم تحتج إلى البدل, وإن3لم يفهم عنك وأردت إفهام المخاطب إياه لم تجد بدًّا من البيان, وأن تقول: بعضه أو نصفه أو نحو ذلك.
ألا ترى أن الشاعر لما فهم عنه ما "أراد4 بقوله" قال 5: صبَّحن من كاظمة الخُصِّ الخرب ... يحملن عباس بن عبد المطلب6

وإنما أراد: عبد الله بن عباس, ولو لم يكن على الثقة بفهم ذلك لم يجد بدًّا من البيان.
وعلى ذلك قول الآخر 1: عليم بما أعيا النطاسي حذيما أراد: ابن حذيم.
ويدلك على لحاق المجاز بالحقيقة عندهم وسلوكه طريقته في أنفسهم أن العرب قد وكدته كما وكَّدت الحقيقة, وذلك قول الفرزدق: عشيَّة سال المربدان كلاهما ... سحابة موت بالسيوف الصوارم2 وإنما هو مربد واحد, فثناه مجازًا لما يتصل به من مجاوره, ثم إنه مع ذلك وكَّده وإن كان مجازًا.
وقد يجوز أن يكون سمَّى كل واحد من جانبيه مربدًا.
وقال الآخر:

إذا البيضة الصمَّاء عضت صفيحة ... بحربائها صاحت صياحًا وصلَّت1 فأكد "صاحت" وهو مجاز بقوله: صياحًا.
وأما2 قول الله -عز وجل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ 3 فليس من باب المجاز "في الكلام"4, بل هو حقيقة, قال أبو الحسن 5: خلق الله لموسى6 كلامًا في الشجرة, فكلَّم به موسى, وإذا أحثَّه كان متكلمًا به.
فأمَّا أن يحدثه في شجرة أو فم أو غيرهما, فهو شيء آخر, لكن الكلام واقع, ألا ترى أن المتكلم منا إنما يستحق هذه الصفة بكونه متكلمًا لا غير لا؛ لأنه أحدثه في آلة نظقه, وإن كان لا يكون متكلمًا حتى يحرك به آلات نطقه.
فإن قلت: أرأيت لو أن أحدنا عمل آلة مصوِّتة وحركها واحتذى بأصواتها أصوات الحروف المقطعة المسموعة في كلامنا, أكنت تسميه متكلمًا؟ وتسمي تلك الأصوات كلامًا؟ فجوابه ألا7 تكون تلك الأصوات كلامًا, ولا ذلك المصوِّت لها متكلمًا, وذلك أنه ليس في قوة8 البشر أن يوردوه بالآلات التي يصنعونها على سمت الحروف

المنطوق بها وصورتها "في النفس"1؛ لعجزهم عن ذلك.
وإنما يأتون بأصوات فيها الشبه اليسير من حروفنا2؛ فلا يستحق لذلك أن تكون3 كلامًا، ولا أن يكون الناطق بها متكلمًا, كما أن الذي يصور الحيوان تجسيمًا أو ترقيمًا لا يسمَّى خالقًا للحيوان, وإنما يقال مصور وحاكٍ ومشبِّه.
وأما القديم سبحانه فإنه قادر على إحداث الكلام على صورته الحقيقية وأصواته الحيوانية في الشجرة والهواء وما أحب سبحانه وشاء.
فهذا فرق.
فإن قلت: فقد أحال سيبويه4 قولنا: أشرب ماء البحر, وهذا منه حظر للمجاز الذي أنت مدَّع شياعه وانتشاره.
قيل: إنما أحال ذلك على أن المتكلم يريد به الحقيقة, وهذا5 مستقيم إذ6 الإنسان الواحد لا يشرب جميع ماء البحر, فأما إن أراد به بضعه ثم أطلق هناك اللفظ يريد به جميعه, فلا محالة من جوازه, ألا ترى إلى "قول الأسود7 بن يعفر": نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد8 "فلم يحصل"9 هنا جميعه؛ لأنه قد يمكن أن يكون بعض مائه مختلجًا قبل وصوله إلى أرضهم "بشرب10 أو بسقي" زرع ونحوه, فسيبويه إذًا إنما وضع هذه اللفظة

في هذا الموضع على أصل "وضعها في اللغة"1 من العموم, واجتنب المستعمل فيه من الخصوص.
ومثل2 توكيد المجاز فيما مضى قولنا: قام زيد قيامًا, وجلس عمرو جلوسًا, وذهب سعيد3 ذهابًا، "ونحو ذلك4؛ لأن" قولنا: قام زيد ونحو ذلك قد قدَّمنا الدليل على أنه مجاز, وهو مع ذلك مؤكَّد بالمصدر.
فهذا5 توكيد المجاز كما ترى, وكذلك أيضًا يكون قوله سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ومن هذا الوجه مجازًا على ما مضى.
ومن التوكيد في المجاز قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ 6 ولم تؤت لِحْيَة ولا ذكرًا.
ووجه هذا عندي أن يكون مما حذفت صفته حتى كأنه قال: وأوتيت من كل شيء تؤتاه المرأة الملكة7؛ ألا ترى "أنها8 لو" أوتيت لحية وذكرًا لم تكن امرأة أصلًا9، ولما قيل فيها: أوتيت, ولقيل أوتي.
ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ 10 وهو سبحانه شيء.
وهذا11 مما يستثنيه12 العقل ببديهته, ولا يحوج إلى التشاغل باستثنائه13؛ ألا ترى أن الشيء كائنًا ما كان لا يخلق نفسه, كما أن المرأة لا تؤتي لحية ولا ذكرًا.

فأما1 قوله سبحانه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ 2 فحقيقة لا مجاز.
وذلك3 أنه سبحانه ليس عالمًا بعلم؛ فهو إذًا العليم الذي4 فوق ذوي العلوم أجمعين.
ولذلك5 لم يقل: وفوق كل عالم عليم؛ لأنه عزَّ اسمه عالم ولا عالم فوقه.
فإن قلت: فليس في شيء مما أوردته6 من قولك: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ و ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ 7 ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ اللفظ المعتاد للتوكيد.
قيل: هو وإن لم يأت تابعًا على سمت التوكيد فإنه بمعنى التوكيد البتة, ألا ترى أنك8 إذا قلت: عممت بالضرب جميع القوم, ففائدته فائدة قولك: ضربت القوم كلهم.
فإذا كان المعنيان واحدًا كان ما وراء ذلك غير معتَدٍّ به ولغوًا.

جارٍ التحميل