الخصائصباب في السلب

باب في السلب

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: نبهنا أبو علي -رحمه الله- من هذا الموضع على ما أذكره وأبسطه، لتتعجب1 من حسن الصنعة فيه.
اعلم أن كل فعل أو اسم مأخوذٍ من الفعل أو فيه معنى الفعل، فإن وضع ذلك في كلامهم على إثبات معناه لا سلبهم إياه.
وذلك قولك2: قام فهذا لإثبات القيام، وجلس لإثبات الجلوس، وينطلق لإثبات الانطلاق، وكذلك الانطلاق ومنطلق: جميع ذلك وما كان مثله إنما هو لإثبات هذه المعاني لا لنفيها.
ألا ترى أنك إذا أردت نفي شيء منها ألحقته حرف النفي فقلت: ما فعل، ولم يفعل، ولن يفعل "ولا تفعل"3 ونحو ذلك.
ثم إنهم مع هذا قد استعملوا ألفاظا من كلامهم من الأفعال ومن4 الأسماء الضامنة لمعانيها، في سلب تلك المعاني لا إثباتها.
ألا ترى أن تصريف "ع ج م" أين وقعت في كلامهم إنما "هو5 للإبهام" وضد البيان.
ومن ذلك العجم لأنهم6 لا يفصحون، وعجم7 الزبيب ونحوه لاستتار في ذي العجم ومنه عجمة الرمل لما استبهم منه على سالكيه فلم يتوجه8 لهم.
ومنه عجمت العود ونحوه إذا عضضته: لك فيه وجهان: إن شئت قلت: إنما ذلك لإدخالك إياه في فيك وإخفائك9 له،

وإن شئت قلت: "إن1 ذلك" لأنك لما عضضته ضغطت2 بعض ظاهر3 أجزائه "فغارت"4 في المعجوم، فخفيت.
ومن ذلك استعجمت الدار إذا لم تجب سائلها، قال5: صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل ومنه "جرح6 العجماء جبار"، لأن البهيمة لا تفصح عما في نفسها.
ومنه "قيل لصلاة"7 الظهر والعصر: العجماوان لأنه لا يفصح فيهما بالقراءة.
"وهذا"8 كله على ما تراه من الاستبهام9 وضد البيان، ثم إنهم قالوا: أعجمت الكتاب إذا بينته10 وأوضحته.
فهو11 إذًا لسلب معنى الاستبهام لا إثباته.
ومثله12 تصريف "ش ك و" فأين13 وقع ذلك فمعناه إثبات الشكو والشكوى والشكاة وشكوت واشتكيت.
فالباب فيه كما تراه لإثبات هذا المعنى، ثم إنهم

قالوا: أشكيت الرجل إذا "زلت له عما يشكوه"1 فهو2 إذًا لسلب معنى الشكوى لا لإثباته أنشد أبو زيد: تمد بالأعناق أو تلويها ... وتشتكي لو أننا نشكيها مس حوايا قلما نجفيها3 وفي الحديث4: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حر الرمضاء فلم يشكنا، أي فلم5 يفسح لنا في إزالة ما شكوناه من ذلك إليه.
ومنه6 تصريف "م ر ض" "إنها لإثبات معنى"7 المرض، نحو مرض يمرض وهو مريض "ومارض"8 ومرضى ومراضى.
ثم إنهم قالوا: مرضت الرجل أي داويته من مرضه حتى أزلته عنه أو لتزيله عنه.
وكذلك تصريف "ق ذ ي" إنها9 لإثبات معنى القذى منه "قذت عينه وقذيت وأقذيتها ثم إنهم مع هذا يقولون: قذيت عينه"10 إذا أزلت عنها القذى وهذا11 لسلب القذى لا لإثباته.

ومنه حكاية الفراء عن أبي1 الجراح: بي إجل فأجلوني، أي داووني ليزول عني.
والإجل: وجع في العنق.
ومن ذلك تصريف "أث م" أين هي وقعت لإثبات معنى الإثم؛ نحو أثم يأثم وآثم وأثيم وأثوم "والمأثم"2 وهذا كله لإثباته.
ثم إنهم قالوا: تأثم أي ترك الإثم.
ومثله تحوب أي ترك الحوب.
فهذا كله كما3 تراه في الفعل وفي ذي الزيادة لما سنذكره.
وقد وجدته أيضًا في الأسماء غير الجارية على الفعل إلا أن فيها معاني الأفعال، كما أن مفتاحًا فيه معنى الفتح وخطافًا فيه معنى الاختطاف4، وسكينًا فيه معنى التسكين وإن لم يكن واحد من ذلك جاريًا على الفعل.
فمن تلك الأسماء قولهم: التودية لعودٍ5 يصر على خلف الناقة ليمنع6 اللبن.
وهي7 تفعلة من ودى يدى، إذا سال وجرى، وإنما هي لإزالة الودى لا لإثباته.
فآعرف ذلك.
ومثله8 قولهم السكاك للجو، هو لسلب معنى تصريف9 "س ك ك" ألا ترى أن ذلك للضيق أين وقع.
منه أذن سكاء أي9 لاصقة، وظليم أسك: إذا ضاق ما بين منسميه، وبئر سك، أي ضيقة10 الجراب.
ومنه11 قوله: ومسك سابغةٍ هتكت فروجها يريد ضيق حلق الدرع.
وعليه بقية الباب.
ثم قالوا للجو -ولا أوسع منه: السكاك؛ فكأنه سلب ما في غيره من الضيق.

ومن ذلك قولهم: النالة لما حول الحرم.
والتقاؤهما أن من كان فيه لم تنله اليد؛ قال الله -عز اسمه: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ 1. فهذا لسلب هذا المعنى لا لإثباته.
ومنه: المئلاة للخرقة في يد النائحة تشير بها.
قال2 لي أبو علي: هي من ألوت، فقلت له: فهذا إذًا من "ما ألوت"؛ لأنها لا تألو أن تشير بها؛ فتبسم رحمه الله إلي3 إيماء؛ إلى ما نحن إليه وإثباتًا له واعترافًا به.
وقد مر بنا من ذلك ألفاظ غير هذه.
وكان أبو علي -رحمه الله- يذهب في الساهر إلى هذا، ويقول: إن قولهم: سهر فلان أي نبا جنبه عن الساهرة "وهي وجه الأرض"4 قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ 5 فكأن6 الإنسان إذا سهر قلق جنبه عن مضجعه ولم يكد يلاقي الأرض فكأنه سلب الساهرة.
ومنه تصريف "ب ط ن" إنما هو لإثبات معنى البطن نحو بطن، وهو بطين ومبطان، ثم قالوا: رجل مبطن7 للخميص البطن8 فكأنه9 لسلب هذا المعنى؛ قال الهذلي 10: مخطوف الحشا زرم وهذا مثله سواءً.

وأكثر ما وجدت هذا1 المعنى من الأفعال فيما كان ذا زيادة؛ ألا ترى أن أعجم ومرض وتحوب وتأثم كل واحد منها ذو زيادة.
فكأنه إنما كثر فيما كان ذا زيادة من قبل أن السلب معنى حادث على إثبات الأصل الذي هو الإيجاب2؛ فلما كان السلب معنى زائدًا حادثًا لاق به من الفعل ما كان ذا زيادة؛ من حيث كانت الزيادة حادثة طارئة على الأصل الذي هو الفاء والعين واللام كما أن التأنيث لما كان معنى3 طارئًا4 على التذكير احتاج إلى زيادة في اللفظ علمًا له كتاء طلحة وقائمة وألفى بشرى وحمراء وسكرى5؛ وكما أن التعريف لما كان طارئًا على التنكير احتاج إلى زيادة لفظ به كلام التعريف في الغلام والجارية ونحوه6.
فأما سهر فإن في بابه وإنه7 خرج إلى سلب8 أصل الحرف بنفسه من غير زيادة فيه؛ فلك فيه عذران: إن شئت قلت: إنه وإن عري من زيادة الحروف فإنه9 لم يعر من زيادة ما هو مجارٍ للحرف وهو ما فيه من الحركات.
وقد عرفت10 من غير وجهٍ مقاربة الحروف للحركات والحركات للحروف فكأن في "سهر" ألفًا وياء حتى كأنه ساهير فكأنه11 إذًا ليس بعار من الزيادة؛ إذ كان فيه ما هو مضارع للحرف، أعني الحركة.
فهذا وجه.

وإن شئت قلت: خرج "سهر" منتقلًا عن أصل بابه إلى سلب معناه منه1؛ كما خرجت الأعلام عن شياع الأجناس إلى خصوصها بأنفسها لا بحرف يفيد التعريف فيها؛ ألا ترى أن بكرًا وزيدًا ونحوهما من الأعلام إنما تعرفه بوضعه، لا بلام التعريف2 فيه، كلام الرجل والمرأة وما أشبه ذلك.
وكما أن ما كان مؤنثًا بالوضع كذلك أيضًا، نحو هند وجملٍ وزينب وسعاد فاعرفه.
ومثل سهر في تعريه من الزيادة قوله 3: يخفي النراب بأظلاف ثمانية ومن ذي الزيادة منه قولهم: أخفيت الشيء أي4 أظهرته.
وأنا أرى أن في هذا الموضع من العربية ما أذكره لك، وهو أن هذا المعنى الذي وجد في الأفعال من الزيادة على معنى الإثبات بسلبه5 كأنه مسوق على ما جاء من الأسماء ضامنًا لمعنى الحرف، كالأسماء المستفهم بها، نحو: كم6 ومن وأي وكيف ومتى وأين7 وبقية الباب.
فإن الاستفهام معنى حادث فيها على ما وضعت له الأسماء

من إفادة معانيها.
وكذلك الأسماء المشروط بها: من وما وأي، وأخواتهن، فإن الشرط معنى زائد على مقتضاهن: من معنى الأسمية.
فأرادوا ألا تخلو الأفعال من شيء من هذا الحكم -أعني1 تضمنها معنى حرف النفي- كما تضمن الأسماء معنى حرف الإستفهام، ومعنى حرف الشرط2 ومعنى حرف التعريف في أمس والآن، ومعنى حرف الأمر في تراك وحذار وصه ومه ونحو ذلك.
وكأن الحرف الزائد الذي لا يكاد3 ينفك4 منه أفعال السلب يصير كأنه عوض من حرف5 السلب.
وأيضًا فإن الماضي وإن عرى من حرف6 الزيادة فإن المضارع لا بد له من حرف المضارعة والأفعال كلها تجري مجرى المثال الواحد.
فإذا وجد في بعضها شيء فكأنه موجود في بقيتها.
وإنما جعلنا هذه الأفعال في كونها ضامنة لمعنى حرف النفي ملحقة بالأسماء في ذلك، وجعلنا الأسماء أصلا فيه، من حيث كانت الأسماء أشد تصرفًا في هذا ونحوه من الأفعال، إذ كانت هي الأول، والأفعال توابع وثوانٍ لها، وللأصول من الاتساع والتصرف ما ليس للفروع.
فإن قيل: فكان يجب على هذا أن يبنى من الأسماء ما تضمن هذا المعنى، وهو ما ذكرته: من التودية والسكاك7 والنالة والمئلاة وأنت ترى كلا من ذلك معربا.

قيل: الموضع في هذا المعنى من السلب إنما هو للفعل، وفيه كثرته، فلما لم يؤثر هذا المعنى في نفس الفعل كان ألا يؤثر فيما هو محمول عليه "أولى1 و" أحرى بذلك.
فإن قيل: وهلا أثر هذا المعنى في الفعل أصلا، كما يؤثر تضمن معنى الحرف في الاسم؟ قيل: البناء لتضمن معنى الحرف أمر "يخص2 الاسم" ككم وأين وكيف ومتى ونحو ذلك، والأفعال لا تبنى لمشابهتها الحروف.
أما الماضي فلأن فيه من البناء ما يكفيه، وكذلك فعل الأمر العارى من حروف المضارعة، نحو افعل.
وأما المضارع فلأنه لما أهيب3 به ورفع عن ضعة4 البناء إلى شرف الإعراب لو يروا أن يتراجعوا به إليه وقد انصرفوا5 به عنه لئلا يكون ذلك نقصا.
فإن قلت: فقد بنوا من الفعل المعرب ما لحقته نون التوكيد نحو لتفعلن.
قيل: لما خصته النون بالاستقبال، ومنعته الحال التي المضارع أولى بها جاز أن يعرض له البناء.
وليس كذلك السين وسوف؛ لأنهما لم يبينا معه بناء نون التوكيد فيبنى هو، وإنما هما فيه كلام التعريف "الذي لا يوجب"6 بناء الاسم فاعرفه.

باب في وجوب الجائز 1: وذلك في الكلام على ضربين: أحدهما أن توجبه الصنعة فلا بد إذًا منه.
والآخر أن تعتزمه العرب فتوجبه وإن كان القياس يبيح غيره.
الأول: من ذلك كأن تقول في تحقير أسود: أسيد.
وإن شئت صححت فقلت: أسيود.
والإعلال فيه أقوى لا جتماع الياء والواو وسبق الأولى منهما بالسكون.
وكذلك جدول تقول فيه: جديل.
وإن شئت صححت فقلت: جديول.
فإذا صرت إلى تحقير نحو2 عجوز، ويقوم اسم رجل، قلت بالإعلال لا غير: عجيز، ويقيم.
وفي مقام: مقيم البتة.
وذلك أنك إنما كنت تجيز أسيود وجديولا3 لصحة الواو في الواحد، وظهورها في الجمع؛ نحو أساود وجداول.
فأما مقام يقوم علمًا فإن العين وإن ظهرت في تكسيرهما -وهو مقاوم ويقاوم- فإنها في الواحد معتلة؛ ألا "ترى4 أنها" في "مقام" مبدلة وفي "يقوم" مضعفة بالإسكان لها ونقل الحركة إلى الفاء عنها.
فإذا كنت تختار فيما تحركت5 واو واحدة وظهرت في جمعه الإعلال، صار القلب فيما ضعفت واوه بالقلب، وبألا تصح في جمعه واجبًا لا جائزًا.
وأما واو عجوز فأظهر أمرًا في وجوب الإعلال من يقوم ومقام6؛

فذهب الكسائي فيه إلى أن أصله وآر، وأنه فعال من وأرت النار إذا حفرت لها الإرة1، فخففت الهمزة فصارت لفظًا إلى ووار فهمزت الفاء البتة فصارت: أوار.
ولم يأت منهم2 على أصله: وآر ولا3 مخففا "مبدل4 العين": ووار.
وكلاهما يبيحه القياس ولا يحظره.
فأما قول الخليل في فعل من وأيت إذا خففته: أويٌ فقد رده أبو الحسن وأبو عثمان وما أبيا منه عندي5 إلا مأبيًا.
وكذلك البرية فيمن أخذها6 من برأ الله الخلق -وعليه أكثر الناس، والنبي عند سيبويه7 ومن تبعه فيه، والذرية فيمن أخذها من ذرأ الله الخلق.
وكذلك ترى وأرى ونرى ويرى في أكثر الأمر، والخابية، ونحو ذلك مما ألزم التخفيف.
ومنه ما ألزم البدل، وهو النبي -عند سيبويه، وعيد؛ لقولهم: أعياد، وعييد.
ومن ذلك ما يبيحه8 القياس في نحو يضرب ويجلس ويدخل ويخرج: من اعتقاب الكسر والضم على كل واحدة9 من هذه العيون وأن يقال: يخرج ويخرج، ويدخل ويدخل، ويضرب ويضرب، ويجلس ويجلس، قياسًا على ما اعتقبت على عينه الحركتان معًا؛ نحو يعرش ويعرش ويشنق ويشنق10 ويخلق ويخلق11، وإن كان الكسر في عين12 مضارع فعل أولى به من يفعل؛ لما قد ذكرناه في شرح تصريف أبي عثمان، فإنهما على كل حال مسموعان أكثر السماع في عين مضارع فعل.
فاعرف ذلك ونحوه مذهبًا للعرب، فمهما ورد منه فتلقه عليه

جارٍ التحميل