باب في الاحتياط
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
أعلم أن العرب إذا أرجات المعنى مكنته واحتاطت1 له.
فمن ذلك التوكيد، وهو على ضربين:
أحدهما تكرير الأول2 بلفظه.
وهو نحو قولك: قام زيد "قام3 زيد" و"ضربت4 زيدًا ضربت" وقد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، والله أكبر الله أكبر5، وقال6:
إذا التياز ذو العضلات قلنا ... إليك إليك ضاق بها ذراعا
وقال7:
وإياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعاء وللشر جالب
وقال:
إن قومًا منهم عمير وأشبا ... هـ عميرٍ ومنهم السفاح
لجديرون بالوفاء إذا قا ... ل أخو النجدة: السلاح السلاح8
وقال:
أخاك أخاك إن من لا أخاله ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح9
وقال:
أبوك أبوك أربد غير شك ... أحلك في المخازى حيث حلا10
يجوز أن يكون من هذا تجعل1 أبوك الثاني منهما2 تكريرًا للأول، وأريد الخبر، ويجوز أن يكون أبوك الثاني خبرًا عن الأول أي أبوك الرجل المشهور بالدناءة والقلة: وقال:
قم قائمًا قم قائمًا ... رأيت عبدًا نائمًا
وأمة مراغمًا ... وعشراء رائمًا3
هذا رجل يدعو لابنه وهو صغير وقال:
فأين إلى أين النجاء ببغلتي ... أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس4
وقالوا في قول امرئ القيس:
#نطعنهم سلكى ومخلوجةً
كر كلامين على نابلٍ5#
قولين: أحدهما ما نحن عليه، أي6 تثنية كلامين على ذي النبل إذ قيل له: ارم ارم، والآخر: كرك لامين، وهما السهمان، أي كما ترد السهمين على البراء للسهام إذا أخذتهما لتنظر إليهما ثم رميتهما إليه فوقعا مختلفين: هكذا أحدهما وهكذا الآخر.
وهذا الباب كثير جدًّا.
وهو في الجمل والآحاد جميعًا.
والثاني1 تكرير الأول بمعناه.
وهو على ضربين: أحدهما للإحاطة2 والعموم والآخر للتثبيت3 والتمكين.
الأول كقولنا: قام القوم كلهم، ورأيتهم أجمعين -ويتبع ذلك4 من اكتع وأبضع5 وأبتع وأكتعين وأبضعين6 وأبتعين ما هو معروف- "مررت بهما كليهما"7.
والثاني نحو قولك: قام زيد نفسه ورأيته نفسه8.
ومن ذلك الاحتياط في التأنيث، كقولهم: فرسة، وعجوزة.
ومنه ناقة؛ لأنهم لو اكتفوا بخلاف مذكرها لها -وهو جمل- لغنوا بذلك.
ومنه الاحتياط في إشباع معنى الصفة كقوله9:
والدهر بالإنسان دوارى
أي دوار، وقوله10:
غضف طواها الأمس كلابي
أي كلاب، وقوله:
كان حداءً قراقريًّا1
أي قراقرًا.
حدثنا أبو علي قال: يقال خطيب مصقع، وشاعر مرقع، وحداء قراقر، ثم أنشدنا البيت، وقد ذكرنا من أين صارت ياء الإضافة إذا لحقتا الصفة قوتا معناها.
وقد يؤكد بالصفة كما تؤكد2 هي، نحو قولهم: أمس الدابر، وأمس المدبر وقول3 الله -عز اسمه- ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ 4 وقوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ 5 وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ 6.
ومنه قولهم: لم يقم زيد.
جاءوا فيه بلفظ المضارع وإن كان معناه المضى.
وذلك أن المضارع أسبق رتبة في النفس من الماضي ألا ترى أن أول7 أحوال الحوادث أن تكون معدومة ثم توجد فيما بعد.
فإذا نفى المضارع الذي هو الأصل فما ظنك بالماضي الذي هو الفرع.
وكذلك قولهم: إن قمت قمت فيجيء8 بلفظ الماضي والمعنى "معنى المضارع"9.
وذلك أنه أراد الاحتياط للمعنى، فجاء بمعنى المضارع المشكوك في وقوعه بلفظ "الماضي10 المقطوع" بكونه حتى كأن هذا قد وقع واستقر "لا أنه"10 متوقع مترقب.
وهذا تفسير أبي علي عن أبي بكر، وما أحسنه!
ومنه قوله1:
قالت بنو عامر خالوا بني أسدٍ ... يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
أي يا بؤس الحرب، فأقحم لام الإضافة "تمكينًا واحتياطًا لمعنى الإضافة"2 وكذلك قول الآخر3:
يا بؤس للحرب التي ... وضغت أراهط فاستراحوا
أي4 يا بؤس الحرب إلا أن الجر في هذا ونحوه إنما هو اللام الداخلة عليه وإن كانت زائدة.
وذلك أن الحرف العامل وإن كان زائدًا فإنه لا بد عامل، ألا ترى إلى قوله5:
بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غني مضر
فالباء زائدة وهي "مع ذا"6 عاملة، وكذلك قولهم: قد كان من مطر، وقد كان من حديث فخل عني؛ فـ"من" زائدة وهي جارّة ولا يجوز أن تكون7 "الحرب" من قوله:
يا بؤس مجرورة بإضافة "بؤس" إليها، واللام معلقة من قبل أن تعليق اسم1 المضاف والتأول له أسهل من تعليق حرف الجر والتأول له، لقوة الاسم وضعف الحرف فأما قوله2:
لو كنت في خلقاء من رأس شاهقٍ ... وليس إلى منها النزول سبيل3
فإن هذا إنما هو فصل بحرف الجر لا تعليق.
فإن قلت: فما4 تقول في قوله:
أني جزوا عامرًا سوءًا بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوءى من الحسن5
وجمعه بين أم وكيف؟ فالقول أنهما ليسا لمعنى واحد.
وذلك أن "أم" هنا جردت لمعنى الترك6 والتحول، وجردت من معنى الاستفهام "وأفيد"7 ذلك من "كيف" لا منها.
وقد دللنا على ذلك فيما مضى.
فإن قيل: فهلا وكدت إحداهما الأخرى8 كتوكيد9 اللام لمعنى الإضافة وياءي10 النسب لمعنى الصفة.
قيل: يمنع من ذلك أن "كيف" لما بنيت واقتصر بها على الاستفهام البتة11، جرت مجرى الحرف البتة وليس في الكلام اجتماع حرفين لمعنى واحد؛ لأن في ذلك نقضًا
لما اعتزم عليه1 من الاختصار في استعمال الحروف.
وليس كذلك يا بؤس للحرب وأحمري وأشقري.
وذلك أن هنا إنما انضم الحرف إلى الاسم فهما مختلفان فجاز أن يترادفا في موضعهما لاختلاف جنسيهما.
فإن قلت: فقد قال2:
وما إن طبنا جبنٌ ولكن
وقال3:
ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم
فجمع بين ما وإن، وكلاهما لمعنى النفي، وهما -كما ترى- حرفان.
قيل: ليست إن من قوله:
ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم4
بحرف نفي5 فيلزم ما رمت إلزامه، وإنما هي حرف يؤكد به، بمنزلة ما ولا والباء ومن وغير ذلك ألا ترى إلى قولهم في الاستثبات عن زيد من نحو قولك6 جاءني زيد: أزيد إنيه؟، وفي باب7 رأيت زيدًا: أزيدا إنيه؟ فكما زيدت "إن" هنا توكيدًا مع غير8 "ما"، فكذلك زيدت مع "ما" توكيدًا.
وأما قوله9:
طعامهم لئن أكلوا معدٌ ... وما إن لا تحاك لهم ثياب
فإن "ما" وحدها ايضًا للنفي "وإن" و"لا" جميعًا للتوكيد، ولا ينكر اجتماع حرفين للتوكيد لجملة الكلام.
وذلك أنهم قد وكدوا1 بأكثر من الحرف الواحد في غير هذا.
وذلك قولهم: لتقومن ولتقعدن.
فاللام2 والنون جميعًا للتوكيد.
وكذلك قول الله -جل وعز: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ 3 فما والنون جميعًا مؤكدتان.
فإما اجتماع الحرفين في قوله:
وما إن لا تحاك لهم ثياب
وافتراقهما في لتفعلن وإنا ترين فلأنهم أشعروا لجمعهم إياهما في موضع واحد بقوة عنايتهم بتوكيد ما هم عليه لأنهم كما جمعوا بين حرفين لمعنى5 واحد، كذلك أيضًا جعلوا اجتماعهما وتجاورهما تنويهًا وعلمًا على قوة العناية بالحال.
وكأنهم حذوا ذلك على الشائع الذائع عنهم من احتمال6 تكرير الأسماء المؤكد بها في نحو أجمع7 وأكتع وأبضع8 وأبتع وما يجري مجراه.
فلما شاع ذلك وتنوزع9 في غالب الأمر في الأسماء لم يخلو10 الحروف من نحوٍ منه، إيذانًا بما هم عليه مما11 اعتزموه ووكدوه.
وعليه أيضًا ما جاء عنهم من تكرير الفعل فيه نحو قولهم: اضرب اضرب وقم قم وارم وارم وقوله:
أتاك أتاك اللاحقوك احبس احبس124
فاعرف ذلك فرقًا بين توكيد المعنى الواحد -نحو الأمر والنهي والإضافة- وتوكيد معنى الجملة في "امتناع اجتماع"1 حرفين لمعنى واحد، وجواز اجتماع حرفين لمعنى جملة الكلام في لتقربن وإما ترين؛ ألا ترى أنك إذا قلت: هل تقومن فـ"هل" وحدها للاستفهام؛ وأما النون فلتوكيد جملة الكلام.
يدل2 على أنها لذلك3 لا لتوكيد معنى الاستفهام وحده وجودك إياها في الأمر نحو اضربن زيدًا، وفي4 النهي في لا تضربن زيدًا، والخبر في لتضربن زيدًا، والنفي في نحو قلَّما تقومن5.
فشياعها في جميع هذه المواضع أدل دليل على ما نعتقده6: من كونها توكيدًا لجملة القول لا لمعنى مفرد منه مخصوص لأنها لو كانت موضوعة له وحده لخصت به ولم تشع في غيره كغيرها من الحروف.
فإن قلت: يكون من الحروف ما يصلح من المعاني لأكثر من الواحد نحو: من فإنها تكون تبغيضًا وابتداء ولا تكون نفيًا ونهيًا وتوكيدًا، وإن فإنها تكون شرطًا ونفيًا وتوكيدًا.
قيل: هذا إلزام يسقطه تأمله.
وذلك أن من ولا وإن ونحو ذلك لم يقتصر بها على معنى واحد؛ لأنها حروف وقعت مشتركة كما وقعت الأسماء مشتركة؛ نحو الصدى؛ فإنه ما يعارض الصوت، وهو بدن الميت، وهو طائر يخرج فيما يدعون
من رأس القتيل إذا لم يؤخذ بثأره.
وهو أيضًا الرجل الجيد الرعية1 للمال في قولهم: هو صدى مالٍ، وخائل مالٍ، وخال مال، وسر سور مال، وإزاء مالٍ، و"نحو ذلك من"2 الشوى3 ونحوه4 مما اتفق لفظه واختلف معناه.
وكما وقعت الأفعال مشتركة، نحو وجدت في الحزن، ووجدت في الغضب ووجدت في الغنى ووجدت في5 الضالة، ووجدت بمعنى علمت ونحو ذلك فكذلك جاء نحو هذا في الحروف.
وليست كذلك النون؛ لأنها وضعت لتوكيد ما قد أخذ مأخذه، واستقر من الكلام بمعانيه المفادة من أسمائه وأفعاله وحروفه.
فليست لتوكيد شيء مخصوص من ذلك دون غيره، ألا تراها للشيء وضده نحو اذهبن، ولا تذهبن والإثبات في لتقومن والنفي في قلما تقومن.
فهي إذًا لمعنى واحد وهو التوكيد لا غير.
ومن الاحتياط إعادة العامل في العطف، والبدل.
فالعطف نحو مررت بزيد وبعمرو؛ فهذا أوكد معنى من مررت بزيد وعمرو.
والبدل كقولك: مررت بقومك بأكثرهم؛ فهذا أوكد معنى من قولك: مررت بقومك أكثرهم.
ووجوه الاحتياط في الكلام6 كثيرة، و"هذا طريقها"7 "فتنبه عليها"8