باب في إيراد المعنى المراد بغير اللفظ المعتاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
اعلم أن هذا موضع1 قد استعملته العرب واتبعتها فيه العلماء.
والسبب في هذا الاتساع أن المعنى المراد مفاد من الموضعين جميعًا, فلمَّا آذنَّا به وأديا إليه سامحوا أنفسهم في العبارة عنه؛ إذ المعاني عندهم أشرف من الألفاظ, وسنفرد لذلك بابًا.
فمن ذلك ما حكاه أبو الحسن: أنه سأل أعرابيًّا عن تحقير الحُبارى فقال: حبرور.
وهذا2 جواب من قصد الغرض ولم يحفل باللفظ؛ إذ لم يفهم غرض أبي الحسن, فجاء بالحبرور لأنه فرخ الحبارى.
وذلك أن هذا الأعرابي تلقَّى سؤال أبي الحسن بما هو الغرض عند الكافة في مثله, ولم يحفل بصناعة الإعراب التي إنما هي لفظية ولقوم مخصوصين، من بين أهل الدنيا أجمعين.
ونحو من ذلك أني سألت الشجري فقلت: كيف تجمع المحرنجم, فقال: وأيش فرقه حتى أجمعه! وسألته يومًا فقلت 3: كيف تحقر الدمكمك4؟ فقال: شخيت4.
فجاء بالمعنى الذي يعرفه هو، ولم يراع مذهب الصناعة.
ونحو من هذا ما يحكى عن أبي السّمال5 أنه كان يقرأ: "فحاسوا خلال الديار"، فيقال له: إنما هو فجاسوا, فيقول: جاسوا وحاسوا واحد6.
وكان أبو مهدية إذا أراد الأذان قال: الله أكبر مرتين7، أشهد أن لا إله ِإلا الله مرتين, ثم كذلك إلى آخره.
فإذا قيل له: ليست السنة كذلك, إنما هي: الله أكبر الله أكبر، أشهد
أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره, فيقول: قد عرفتم أن المعنى واحد والتكرار عي.
وحكى عيسى بن عمر، "سمعت ذا الرمة ينشد "1:
وظاهر لها من يابس الشخت واستعن ... عليها الصبا واجعل يديك لها سترا2
فقلت: أنشدتني: من بائس, فقال "يابس وبائس"3 واحد.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن العباس أحمد بن يحيى قال "أنشدني ابن الأعرابي "4:
وموضع زَبْن لا أريد مبيته ... كأني به من شدة الروع آنس5
فقال له شيخ من أصحابه: ليس هكذا أنشدتنا, إنما أنشدتنا: وموضع ضيق.
فقال: سبحان6 الله! تصحبنا منذ كذا وكذا, ولا تعلم أن الزبن والضيق واحد, وقد قال الله سبحانه وهو أكرم قيلًا: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ 7 وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: " نزل القرآن على سبع لغات كلها شافٍ كاف ".
وهذا ونحوه -عندنا1- هو الذي أدَّى إلينا أشعارهم وحكاياتهم بألفاظ مختلفة، على معانٍ متفقة.
وكان أحدهم إذا أورد المعنى المقصود بغير لفظه المعهود كأنه لم يأت إلا به، "ولا عدل"2 عنه إلى غيره؛ إذ الغرض فيهما واحد, وكل واحد منهما لصاحبه مرافد.
وكان أبو علي -رحمه الله- إذا عبر عن معنى بلفظ3 ما فلم يفهمه القارئ عليه, وأعاد ذلك المعنى عينه بلفظ غيره ففهمه يقول: هذا إذا رأى ابنه في قميص أحمر عرفه, فإن رآه في قميص كحلي لم يعرفه.
فأما الحكاية عن الحسن -رضي الله عنه- وقد سأله رجل عن مسألة, ثم أعاد السؤال, فقال له الحسن: لبَّكت عليَّ.
أي: خلطت, فتأويله عندنا أنه أفسد المعنى الأول بشيء جاء به في القول4 الثاني.
فأما أن يكون الحسن تناكر الأمر لاختلاف اللفظين "مع اتفاق"5 المعنيين فمعاذ الله, و"حاشى أبا سعيد"6.
ويشبه أن يكون الرجل لما أعاد سؤاله بلفظ ثانٍ قدَّر أنه بمعنى اللفظ الأول ولم يحسن7 ما فهمه الحسن8 -رضي الله عنه- كالذي يعترف عند القاضي بما يدعي عليه, وعنده أنه مقيم على إنكاره إياه.
ولهذا نظائر.
ويحكى أن قومًا ترافعوا إلى الشعبي في رجل بخص عين رجل فشرقت بالدم، فأفتى في ذلك بأن أنشد بيت الراعي:
لها أمرها حتى إذا ما تبوأت ... بأخفافها مأوًى تبوأ مضجعا9
لم يزدهم على هذا.
وتفسيره أن هذه العين ينتظر بها أن يستقرَّ أمرها على صورة معروفة محصلة، ثم حينئذ1 يحكم في بابها بما توجبه الحال من أمرها.
فانصرف القوم بالفتوى، وهم عارفون بغرضه فيها.
وأما2 اتباع العلماء العرب في هذا النحو فكقول سيبويه: ومن العرب من3 يقول: لب4 فيجرّه كجرّ أمس وغاق، ألا ترى أنه ليس في واحد من الثلاثة جر؛ إذ الجر إعراب لا بناء وهذا الكلم كلها مبنية "لا معربة"5 فاستعمل لفظ الجر على معنى الكسر، كما يقولون6 في المنادى المفرد المضموم: إنه مرفوع, وكما يعبرون بالفتح عن النصب, وبالنصب عن الفتح وبالجزم عن الوقف "وبالوقف عن الجزم"7 كل ذلك لأنه أمر قد عُرِفَ غرضه والمعنى المعني به.
وإذا جاز أن يكون في أصول هذه اللغة المقررة اختلاف اللفظين8 والمعنى واحد, كان جميع ما نحن فيه جائزًا سائغًا ومأنوسًا به متقبلًا.