باب في التراجع عند التناهي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
هذا معنى مطروق في غير صناعة الإعراب؛ كما أنه مطروق فيها.
وإذا تشاهدت1 حالاهما كان أقوى لها، وأذهب في الأنس بها.
فمن ذلك قولهم: إن الإنسان إذا تناهى في الضحك بكى، وإذا تناهى في الغم ضحك، وإذا تناهى في العظة أهمل، وإذا تناهت العداوة استحالت مودة.
وقد2 قال3:
وكل شيء بلغ الحد انتهى
وأبلغ من هذا قول شاعرنا4:
ولجدت حتى كدت تبخل حائلا ... للمنتهى ومن السرور بكاء
والطريق في هذا ونحوه معروفة مسلوكة.
وأما طريق صناعة الإعراب في مثله" فقول أبي إسحاق في ذكر العلة التي امتنع لها أن يقولوا: مازال زيد إلا قائمًا: "نفي و"5 نفي النفي إيجاب.
وعلى نحو6 هذا ينبغي أن يكون قولهم: ظلمة، وظلم، وسدرة، وسدر، وقصعة، وقصاع، "وشفرة وشفار"7.
وذلك أن الجمع يحدث للواحد تأنيثًا نحو قولهم: هذا جمل وهذه جمال وهذا رجل وهذه رجال8 قد أقبلت.
وكذلك بكر وبكارة، وعير وعيورة، وجريب9 وأجربة، وصبى وصبية ونحو ذلك.
فلما كانت ظلمة،
وسدرة وقصعة مؤنثاتٍ -كما ترى- وأردت أن تكسرها صرت كأنك أردت تأنيث المؤنث: فاستحال بك الأمر إلى التذكير فقلت ظلم وسدر وقصاع وشفار.
فتراحعت الإيغال1 في التأنيث إلى لفظ التذكير.
فعلى هذا النحو2 لو دعا داع، أو حمل حامل على "تأنيث3 نحو" قائمة ومسلمة لكان طريقه -على ما رأينا- أن نعيده إلى التذكير فنقول: قائم ومسلم.
هذا لو سوغ مسوغ تأنيث نحو قائمة، وكريمة، ونحو ذلك.
فإن قيل: فليزم على هذا أن لو أريد تذكير المذكر أن يؤنث، قيل: هذا تقرير فاسد، ووضع غير متقبل.
وذلك أن التذكير هو الأول، والأصل.
فليس4 لك التراجع عن الأصول؛ لأنها أوائل، وليس تحت الأصل ما يرجع إليه.
وليس كذلك التأنيث؛ لأنه فرع على التذكير.
وقد يكون الأصل واحدًا وفروعه متضعفة ومتصعدة5 ألا ترى أن الاشتقاق تجد له أصولًا ثم تجد لها6 فروعًا، ثم تجد لتلك الفروع فروعًا صاعدة عنها نحو قولك: نبت7؛ فهو الأصل لأنه جوهر، ثم "يشتق منه فرع"8 هو9 النبات، وهو حدث، ثم يشتق10 من النبات الفعل، فتقول: نبت.
فهذا11 أصل.
وفرع وفرع فرع.
فلذلك جار تصور تأنيث المؤنث، ولم12 يجز تصور تذكير المذكر.
نعم13، ولو جاز تصور14
تذكير المذكر لأوجب فيه القياس أن يعاد به إلى1 التأنيث.
كذا وجه النظر.
وما "في هذا"2 من المنكر!.
فعلى هذا السمت لو ساغ تذكير قائم لوجب أن يقال فيه: قائمة.
فاعرف ذلك، وأنس به.
ولا تنب عنه.
فإن قلت: فلسنا نجد كل المذكر إذا أريد تكسيره أنث، ألا تراك تقول: رجل ورجال.
وغلام، وغلمان، وكلب، وأكلب.
فهذا3 بخلاف ذكر وذكارة، وذكورة، وفحل، وفحالة، وفحولة.
قيل: لم ندع أن كل مذكر كسر4 فلا بد في مثال5 تكسيره من علم تأنيث، وإنما أرينا أن هذا6 المعنى قد يوجد7 فيه8، فاستدللنا بذلك على صحة ما كنا9 عليه وبسبيله.
وكيف تصرفت الحال فأنت قد تلاحظ تأنيث الجماعة في نحو رجال فتقول: قامت الرجال، و"إذا10 عاديت الرجال؛ فاصبر لها أي للرجال وإن شئت كانت الهاء للمعاداة"11.
وعلى نحو مما نحن بصدده ما قالوا: ثلاثة رجال، وثلاث نسوة، فعكسوا الأمر على ما تراه.
ولأجل ذلك ما قالوا12: امرأة صابرة "وغادرة، فألحقوا علم التأنيث، فإذا تناهوا في ذلك قالوا: صبور"13 وغدور، فذكروا.
وكذلك رجل ناكح فإذا بالغوا قالوا: رجل14 نكحة.
ونحو من ذلك سواءً اطراد التصرف في الأفعال؛ نحو قام، ويقوم، وقم، وما كان مثله.
فإذا بالغوا وتناهوا منعوه التصرف، فقالوا: نعم الرجل، وبئس الغلام فلم يصرفوهما وجعلوا ترك التصرف في الفعل الذي هو أصله1 وأخص الكلام به أمارة للأمر الحادث له، وأن حكمًا من أحكام المبالغة قد2 طرأ عليه؛ كما تركوا لذلك أيضًا تأنيثه دليلًا عليه في نحو قولهم: نعم المرأة، وبئس الجارية.
فإن قلت: فما بالهم منعوا هذين الفعلين التصرف البتة، ولم يمنعوهما علم التأنيث البتة ألا تراك أيضًا قد تقول: نعمت المرأة وبئست الجارية وأنت لا تصرف واحدًا منهما على وجه؟
قيل: إنما حظروا عليهما ما هو أخص الأوصاف بهما -أعني التصرف- ليكون حظره عليهما أدل شيء على حدوث عائق3 لهما، وليست4 كذلك علامة التأنيث لأن الفعل لم يكن في القياس تأنيثه ألا تراه مفيدًا للمصدر الدال على الجنس والجنس أسبق شيء إلى5 التذكير، وإنما دخل علم التأنيث في نحو قامت هند وانطلقت جمل لتأنيث فاعله ولو كان تأنيث الفعل لشيء يرجع إليه هو لا إلى فاعله لجاز قامت زيد وانطلقت جعفر فلأجل ذلك ما اعتزموا الدلالة على خروج هذين الفعلين إلى معنى المبالغة بترك تصرفهما الذي هو أقعد من غيره فيهما دون الاقتصار على ترك تأنيثهما إذ التأنيث فيهما ليس في الأصل مستحقًا لهما ولا راجعًا إليهما؛ وإنما هو مراعىً به تأنيث فاعليهما6.
ويؤكد ذلك عندك ما رواه الأصمعي عنهم من قوله: إذا فاق الشيء في بابه7 سموه خارجيًا، وأنشد بيت طفيل الغنوي8:
وعارضتها رهوا على متتابع ... شديد القصيري خارجي محنب9
فقولهم في هذا المعنى: خارجي، واستعمالهم فيه لفظ خرج10، من أوثق ما يستدل له على هذا11 المعنى، وهو الغاية فيه12.
فاعرفه واشدد يدك به13.