باب في الفرق 1 بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
هذا الموضع كثيرًا ما يستهوي من يضعف نظره إلى أن يقوده إلى إفساد الصنعة.
وذلك كقولهم في تفسير قولنا "أهلَكَ والليلَ " معناه الحق أهلك قبل الليل، فربما دعا ذاك من لا دربة له إلى أن يقول "أهلك والليل " فيجره وإنما تقديره الحق أهلك وسابق الليل.
وكذلك قولنا زيد قام: ربما ظن بعضهم أن زيدًا
هنا فاعل في الصنعة، كما أنه فاعل في المعنى.
وكذلك تفسير معنى قولنا: سرني قيام هذا وقعود ذاك، بأنه سرني أن قام هذا وأن قعد ذاك، ربما2 اعتقد في هذا وذاك أنهما في موضع3 رفع لأنهما فاعلان في المعنى.
ولا تستصغر هذا الموضع؛ فإن العرب أيضًا قد مرت به وشمت روائحه وراعته.
وذلك أن الأصمعي أنشد في جملة أراجيزه شعرًا من مشطور السريع طويلًا ممدودًا مقيدًا التزم الشاعر فيه أن جعل قوافيه كلها في موضع جر إلا بيتًا واحدًا من الشعر 4:
يستمسكون من حذار الإلقاء ... بتلعات كجذوع الصيصاء5
رِدِي رِدِي وِردَ قطاة صماء ... كدرية أعجبها برد الماء6
تطرد قوافيها كلها على الجر إلا بيتا واحدا، وهو قوله:
كأنها وقد رآها الرؤاء7
والذي سوغه8 ذاك -على ما التزمه في جميع القوافي- ما كنا على سمته من القول.
وذلك أنه لما كان معناه: كأنها في وقت رؤية الرؤاء تصور معنى الجر من هذا الموضع فجاز أن يخلط هذا البيت بسائر الأبيات وكأنه لذلك لم يخالف.1
ونظير هذا عندي قول طرفة:
في جفان تعتري نادينا ... وسديف حين هاج الصِنَّبِر1
يريد الصِنَّبر فاحتاج للقافية إلى تحريك الباء فتطرق إلى ذلك بنقل حركة الإعراب إليها تشبيهًا بباب قولهم: هذا بكر ومررت ببكر وكان يجب على هذا أن يضم الباء فيقول: الصَنَّبُر لأن الراء مضمومة إلا أنه تصور معنى إضافة الظرف إلى الفعل فصار إلى أنه كأنه قال: حين هيج الصنبر فلما احتاج إلى حركة الباء تصور معنى الجر فكسر الباء وكأنه قد نقل الكسرة عن الراء إليها.
ولولا ما أوردته في هذا لكان الضم مكان الكسر 2. وهذا أقرب مأخذًا من أن تقول: إنه حرّف القافية للضرورة كما حرفها الآخر في قوله 3:
هل عرفت الدار أم أنكرتها ... بين تبراك فشسَّى عبقُر4
في قول من قال: أراد عبقر5، ثم حرف الكلمة.
ونحوه في التحريف قول العبد6:
وما دمية من دمى ميسنا ... ن معجبة نظرًا واتصافا1
أراد -فيما قيل- ميسان2، فزاد النون ضرورة، فهذا -لعمري- تحريف بتعجرف عار من الصنعة.
والذي ذهبت أنا إليه هناك في "الصنبِر " ليس عاريًا من الصنعة.
فإن قلت: فإن الإضافة في قوله "حين هاج الصنبر " إنما هي إلى الفعل لا إلى الفاعل فكيف حرفت غير المضاف إليه؟ قيل الفعل مع الفاعل3 كالجزء الواحد وأقوى الجزأين منهما هو الفاعل فكأن الإضافة إنما هي إليه لا إلى الفعل فلذلك جاز أن يتصور فيه معنى الجر.
فإن قيل: فأنت إذا أضفت المصدر إلى الفاعل جررته في اللفظ واعتقدت مع هذا أنه في المعنى مرفوع فإذا كان في اللفظ أيضًا مرفوعًا فكيف يسوغ لك بعد حصوله في موضعه من استحقاقه الرفع لفظًا ومعنى أن تحور به فتتوهمه مجرورًا؟ قيل هذا الذي أردناه وتصورناه هو مؤكد للمعنى الأول لأنك كما تصورت في المجرور معنى الرفع كذلك تممت حال الشبه بينهما فتصورت في المرفوع معنى الجر.
ألا ترى أن سيبويه لما شبه الضارب الرجل بالحسن الوجه وتمثل ذلك في نفسه ورسا في تصوره زاد في تمكين هذه الحال له وتثبيتها عليه, بأن عاد فشبه الحسن الوجه بالضارب الرجل في الجر كل ذلك تفعله العرب, وتعتقده العلماء في الأمرين ليقوى تشابههما4 وتعمر ذات بينهما، ولا يكونا على
حرد1، وتناظر غير مجد، فاعرف هذا من مذهب القوم واقتفه تصب بإذن الله تعالى.
ومن ذلك قولهم في قول العرب: كل رجل وصنعته2، وأنت وشأنك: معناه أنت مع شأنك وكل رجل مع صنعته فهذا يوهم من أمم أن الثاني خبر عن الأول كما أنه إذا قال أنت مع شأنك فإن قوله "مع شأنك " خبر عن أنت.
وليس الأمر كذلك بل لعمري إن المعنى عليه غير أن تقدير الأعراب على غيره.
وإنما " شأنك" معطوف على "أنت " والخبر محذوف للحمل على المعنى, فكأنه قال: كل رجل وصنعته مقرونان وأنت وشأنك مصطحبان.
وعليه جاء العطف بالنصب مع أن؛ قال:
أغار على معزاي لم يدر أنني ... وصفراء منها عبلة الصفوات3
ومن ذلك قولهم أنت ظالم إن فعلت ألا تراهم يقولون في معناه: إن فعلت فأنت ظالم فهذا ربما أوهم أن "أنت ظالم" جواب مقدم ومعاذ الله أن يقدم جواب الشرط عليه وإنما قوله "أنت ظالم " دال على الجواب وساد مسده فأما أن يكون هو الجواب فلا.
ومن ذلك قولهم في عليك زيدًا: إن معناه خذ زيدًا وهو -لعمري- كذلك, إلا أن "زيدًا " الآن إنما هو منصوب بنفس " عليك " من حيث كان اسمًا لفعل متعد لا أنه منصوب بـ "خذ ".
ألا ترى إلى فرق ما4 بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى فإذا مر بك شيء من هذا عن أصحابنا فاحفظ نفسك منه ولا تسترسل إليه فإن أمكنك أن يكون
تقدير الإعراب على سمت تفسير المعنى فهو ما لا غاية وراءه وإن كان تقدير الإعراب مخالفًا لتفسير المعنى تقبلت1 تفسير المعنى على ما هو عليه، صححت طريق تقدير الإعراب حتى لا يشذ شيء منها عليك وإياك أن تسترسل فتفسد ما تؤثر إصلاحه ألا تراك تفسر نحو قولهم: ضربت زيدًا سوطًا أن معناه ضربت زيدًا ضربة بسوط.
وهو -لا شك- كذلك ولكن طريق إعرابه أنه على حذف المضاف, أي ضربته ضربة سوط ثم حذفت الضربة على عبرة حذف المضاف.
ولو ذهبت تتأول ضربته سوطًا على أن تقدير إعرابه: ضربة بسوط كما أن معناه كذلك للزمك أن تقدر أنك حذفت الباء كما تحذف حرف الجر في نحو قوله: أمرتك الخير2، وأستغفر3 الله ذنبًا فتحتاج إلى اعتذار من حذف حرف الجر وقد غنيت عن ذلك كله بقولك 4: إنه على حذف المضاف أي ضربة سوط ومعناه ضربة بسوط فهذا -لعمري- معناه، فأما طريق إعرابه وتقديره فحذف المضاف.
باب في أن المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به، إلا أن يعترض هناك من صناعة اللفظ ما يمنع منه:
من ذلك أن ترى رجلا قد سدد سهمًا نحو الغرض ثم أرسله فتسمع صوتًا فتقول: القرطاس والله أي أصاب القرطاس.
فـ "أصاب " الآن في حكم الملفوظ به5
البتة، وإن لم يوجد في اللفظ، غير أن دلالة الحال عليه نابت مناب اللفظ به.
وكذلك قولهم لرجل مهو بسيف في يده: زيدًا, أي اضرب زيدًا.
فصارت شهادة الحال بالفعل بدلا من اللفظ به.
وكذلك قولك للقادم من سفر: خير مقدم أي قدمت خير مقدم وقولك: قد مررت برجل إن زيدًا1 وإن عمرًا أي إن كان زيدًا وإن كان عمرًا وقولك للقادم من حجه: مبرور مأجور أي أنت مبرور مأجور, ومبرورًا مأجورًا2 أي قدمت مبرورًا مأجورًا وكذلك قوله 3:
رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الغداة من جلله4
أي رب رسم دار.
وكان رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ يقول: خير عافاك الله -أي بخير- يحذف5 الباء لدلالة الحال عليها بجري العادة والعرف بها.
وكذلك قولهم: الذي ضربت زيد تريد الهاء وتحذفها لأن في الموضع دليلا عليها.
وعلى نحو من هذا تتوجه عندنا قراءة حمزة وهي قوله سبحانه: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ " ليست هذه القراءة عندنا من الإبعاد والفحش والشناعة والضعف على ما رآه فيها وذهب إليه أبو العباس6، بل الأمر فيها دون ذلك وأقرب وأخف وألطف وذلك أن لحمزة أن يقول لأبي العباس: إنني لم أحمل " الأرحام " على العطف على المجرور المضمر بل اعتقدت أن تكون فيه باء ثانية حتى كأني7 قلت: "وبالأرحام " ثم حذفت الباء لتقدم ذكرها؛ كما حذفت لتقدم
ذكرها في نحو قولك: بمن تمرر أمرر وعلى من تنزل أنزل ولم تقل: أمرر به ولا أنزل عليه لكن حذفت الحرفين لتقدم ذكرهما.
وإذا جاز للفرزدق أن يحذف حرف الجر لدلالة ما قبله عليه "مع مخالفته له في الحكم "1 في قوله:
وإني من قوم بهم يتقى العدا ... ورأب الثأى والجانب المتخوف2
أراد: وبهم رأب الثأى فحذف الباء في هذا الموضع لتقدمها في قوله: بهم يتقى العدا وإن كانت حالاهما مختلفتين 3. ألا ترى أن4 الباء في قوله5: "بهم يتقى العدا " منصوبة الموضع لتعلقها بالفعل الظاهر الذي هو يتقى كقولك: بالسيف يضرب زيد والباء في قوله: "وبهم رأب الثأى " مرفوعة الموضع عند6 قوم، وعلى كل حال فهي متعلقة بمحذوف ورافعه7 الرأب -ونظائر هذا كثيرة- كان8 حذف الباء من قوله "والأرحام " لمشابهتها الباء في "به " موضعًا وحكمًا أجدر وقد أجازوا تبًّا له وويل على تقدير وويل له فحذفوها وإن كانت اللام في "تبًّا له " لا ضمير فيها وهي
متعلقة بنفس1 "تبًا " مثلها في هلم لك وكانت اللام في "ويل له " خبرًا ومتعلقة بمحذوف وفيها ضمير فهذا عروض2 بيت الفرزدق.
فإن قلت: فإذا كان المحذوف للدلالة عليه عندك بمنزلة الظاهر فهل تجيز توكيد الهاء المحذوفة في نحو قولك: الذي ضربت زيد فتقول: الذي ضربت نفسه زيد كما تقول: الذي ضربته نفسه زيد قيل: هذا عندنا غير جائز؛ وليس ذلك لأن المحذوف هنا ليس بمنزلة المثبت بل لأمر آخر وهو أن الحذف هنا إنما الغرض به3 التخفيف لطول الاسم فلو ذهبت تؤكده لنقضت4 الغرض.
وذلك أن التوكيد والإسهاب ضد التخفيف والإيجاز فلما كان الأمر كذلك تدافع الحكمان فلم يجز أن يجتمعا كما لا يجوز ادغام الملحق لما فيه من نقض الغرض.
وكذلك قولهم لمن سدد سهمًا ثم أرسله نحو الغرض فسمعت صوتًا فقلت: القرطاس والله أي أصاب القرطاس: لا يجوز توكيد الفعل الذي نصب "القرطاس ". لو قلت: إصابةً القرطاس فجعلت "إصابة " مصدرًا للفعل الناصب للقرطاس لم يجز من قبل أن الفعل هنا قد حذفته العرب وجعلت الحال المشاهدة دالة عليه, ونائبة عنه فلو أكدته لنقضت الغرض لأن في توكيده تثبيتًا للفظه المختزل, ورجوعًا عن المعتزم من حذفه واطراحه والاكتفاء بغيره منه.
وكذلك قولك للمهوي
بالسيف في يده: زيدًا أي اضرب زيدًا لم يجز أن تؤكد ذلك الفعل الناصب لزيد ألا تراك لا تقول: ضربًا زيدًا وأنت تجعل "ضربًا " توكيدًا لاضرب المقدرة من قبل أن تلك اللفظة قد أنيبت عنها الحال الدالة عليها وحذفت هي اختصارًا فلو أكدتها لنقضت القضية التي كنت حكمت بها لها لكن لك أن تقول: ضربًا زيدًا لا على أن تجعل ضربًا توكيدًا للفعل الناصب لزيد بل على أن تبدله منه فتقيمه مقامه فتنصب به زيدًا فأما على التوكيد به لفعله وأن يكون زيد منصوبًا بالفعل الذي هذا1 توكيد له فلا.
فهذه الأشياء لولا ما عرض من صناعة اللفظ -أعني الاقتصار على شيء2 دون شيء- لكان توكيدها جائزًا حسنًا لكن "عارض ما منع "3 فلذلك لم يجز؛ لا لأن المحذوف ليس في تقدير الملفوظ به.
ومما يؤكد لك أن المحذوف للدلالة عليه بمنزلة الملفوظ به إنشادهم قول الشاعر 4:
قاتلي القوم يا خزاع ولا ... يأخذكم من قتالهم فشل5
فتمام الوزن أن يقال: فقاتلي القوم فلولا أن المحذوف إذا دل الدليل عليه بمنزلة المثبت لكان هذا كسرًا لا زخافًا.
وهذا من أقوى وأعلى ما يحتج به لأن المحذوف للدلالة عليه بمنزلة الملفوظ به البتة فاعرفه واشدد يدك به.
وعلى الجملة فكل ما حذف تخفيفًا فلا يجوز توكيده لتدافع حاليه به من حيث1 التوكيد للإسهاب والإطناب والحذف للاختصار والإيجاز.
فاعرف ذلك مذهبًا للعرب.
ومما يدلك على صحة ذلك قول العرب -فيما رويناه عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: "راكب الناقة طليحان " كذا رويناه هكذا وهو يحتمل2 عندي وجهين:
أحدهما ما نحن عليه من الحذف فكأنه قال: راكب الناقة والناقة طليحان فحذف المعطوف لأمرين: أحدهما تقدم ذكر الناقة والشيء إذا تقدم ذكره دل3 على ما هو مثله.
ومثله من حذف المعطوف قول الله عز وجل: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ أي فضرب فانفجرت.
فحذف " فضرب " لأنه معطوف على قوله: "فقلنا ". وكذلك قول التغلبي 4:
إذا ما الماء خالطها سخينا5
أي شربنا6 فسخينا.
فكذلك قوله: راكب الناقة طليحان أي راكب الناقة والناقة طليحان.
فإن قلت: فهلا كان التقدير على حذف المعطوف عليه أي الناقة وراكب الناقة طليحان قيل يبعد ذلك من وجهين:
أحدهما أن الحذف اتساع والاتساع بابه آخر الكلام وأوسطه لا صدره وأوله ألا ترى أن من اتسع بزيادة " كان" حشوًا أو آخرًا لا يجيز زيادتها أولا, وأن من اتسع بزيادة " ما " حشوًا وغير أول لم يستجز زيادتها أولًا إلا في شاذ من القول نحو قوله:
وقد ما هاجني فازددت شوقا ... بكاء حمامتين تجاوبان
فيمن رواه " وقدما " بزيادة " ما " على أنه يريد: وقد هاجني لا فيمن رواه فقال: "وقدمًا هاجني " أي وقديمًا هاجني.
والآخر أنه لو كان تقديره: الناقة وراكب الناقة طليحان لكان قد حذف حرف العطف وبقي المعطوف به وهذا شاذ إنما حكى منه أبو عثمان عن أبي زيد: أكلت لحمًا سمكًا تمرًا، وأنشد أبو الحسن:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يزرع الود في فؤاد الكريم2
وأنشد ابن الأعرابي 3:
وكيف لا أبكي على علاتي ... صبائحي غبائقي قيلاتي41
وهذا كله شاذ ولعله جميع ما جاء منه.
وأما على القول الآخر فإنه -لعمري- قد حذف حرف العطف مع1 المعطوف به وهذا ما لا بد منه؛ ألا ترى أنه إذا حذف المعطوف لم يجز أن يبقى الحرف العاطفه قبله بحاله؛ لأن حرف العطف لا يجوز تعليقه2.
فإن قلت فقد قال3:
قد وعدتني أم عمرو أن تا ... تدهن رأسي وتفليني وا4
وتمسح القنفاء حتى تنتا
فإنما جاز هذا لضرورة الشعر, ولأنه أيضًا قد أعاد الحرف في أول البيت الثاني فجاز تعليق الأول بعد أن دعمه بحرف الإطلاق وأعاده فعرف ما أراد بالأول فجرى مجرى قوله 5:
عجل لنا هذا وألحقنا بذا ال ... الشحم إنا قد مللناه بجل6
فكما7 علق حرف التعريف مدعومًا بألف الوصل وأعاده فيما بعد فكذلك علق حرف العطف مدعومًا بحرف الإطلاق وأعاده فيما بعد.
فإن قلت: فألف قوله " وا "8 ملفوظ بها وألف الوصل في قوله "بذا ال " غير ملفوظ بها قيل: لو ابتدأت اللام لم يكن من الهمزة بد.
فإن قلت: أفيجوز على هذا "قام زيدوه, وعمرو " فتجري
هاء1 بيان الحركة ألف الإطلاق؟ فإنه2 أضعف القياسين.
وذلك أن ألف الإطلاق أشبه بما صيغ في الكلمة من هاء بيان الحركة ألا ترى إلى ما جاء من قوله 3:
ولاعب بالعشي بني بنينه ... كفعل الهر يحترش العظايا4
فأبعده الإله ولا يؤبى ... ولا يسقى من المرض الشفايا5
وقرأته على أبي علي: ولا يشفى.
ألا ترى أن أبا6 عثمان قال: شبه ألف الإطلاق بتاء التأنيث أي فصحح اللام لها كما يصححها للهاء وليست كذلك هاء بيان الحركة لأنها لم تقو قوة تاء التأنيث أولا ترى أن ياء الإطلاق في قوله:
... .. . كله لم أصنعي7
قد نابت عن الضمير العائد حتى كأنه قال: لم أصنعه فلذلك كان "وا " من قوله " وتفليني وا " كأنه لاتصاله بالألف غير معلق.
فإذا كان في اللفظ كأنه غير معلق وعاد من بعد معطوفًا به لم يكن هناك كبير مكروه فيعتذر منه.
فإن قلت: فإن هاء بيان الحركة قد عاقبت لام الفعل؛ نحو ارمه, واغزه, واخشه, فهذا يقويها, فإنه موضع لا يجوز1 أن يسوى به بينها وبين ألف الإطلاق.
والوجه الآخر الذي لأجله حسن حذف المعطوف أن الخبر جاء بلفظ التثنية2، فكان ذلك دليلا على أن المخبر عنه اثنان.
فدل الخبر على حال المخبر عنه.
إذ كان الثاني هو الأول.
فهذا أحد وجهي3 ما تحتمله الحكاية.
والآخر4 أن يكون الكلام محمولا على حذف المضاف أي راكب الناقة أحد طليحين, كما يحتمل ذلك قوله سبحانه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ أي من أحدهما وقد ذهب5 فيه إليه فيما حكاه أبو الحسن.
فالوجه6 الأول وهو ما كنا عليه: من أن المحذوف من اللفظ إذا دلت الدلالة عليه كان بمنزلة الملفوظ به, ألا ترى أن الخبر لما جاء مثنى دل على أن المخبر عنه مثنى كذلك أيضًا، وفي هذا القول7 دليل على ما يرد من نحوه بمشيئة الله "وحوله"8.