باب في الحمل عل أحسن الأقبحين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
...
باب في الحمل 1 على أحسن الأقبحين:
اعلم أن هذا موضع من مواضع الضرورة المميلة 2. وذلك أن تحضرك الحال ضرورتين لا بد من ارتكاب إحداهما فينبغي حينئذ أن تتحمل الأمر على أقربهما وأقلهما فحشًا.
وذلك كواو "ورنتل "3 أنت فيها بين ضرورتين: إحداهما أن تدعي كونها أصلا في ذوات الأربعة غير مكررة والواو لا توجد في ذوات الأربعة إلا مع
التكرير؛ نحو الوصوصة, والوحوحة, وضوضيت, وقوقيت.
والآخر أن تجعلها زائدة أولا والواو لا تزاد أولا.
فإذا كان كذلك كان أن تجعلها أصلا أولى من أن تجعلها زائدة وذلك أن الواو قد تكون أصلا في ذوات الأربعة على وجه من الوجوه أعني في حال التضعيف.
فأما أن تزاد أولا فإن هذا أمر لم يوجد على حال.
فإذا كان كذلك رفضته ولم تحمل الكلمة عليه.
ومثل ذلك قولك: فيها قائمًا1 رجل.
لما كنت بين أن ترفع قائمًا فتقدم الصفة على الموصوف -وهذا لا يكون- وبين أن تنصب الحال من النكرة -وهذا على قلته جائز- حملت المسئلة على الحال فنصبت.
وكذلك ما قام إلا زيدًا أحد, عدلت إلى النصب؛ لأنك إن رفعت لم تجد قبله ما تبدله منه, وإن نصبت دخلت تحت تقديم المستثنى على ما استثني منه.
وهذا وإن كان ليس في قوة تأخيره عنه فقد جاء على كل حال.
فاعرف ذلك أصلا في العربية تحمل عليه غيره.
باب2 في حمل الشيء على الشيء من غير الوجه الذي أعطى الأول ذلك الحكم:
علم أن هذا باب طريقه الشبه اللفظي؛ وذلك كقولنا في الإضافة3 إلى ما فيه التأنيث بالواو وذلك نحو حمراوي وصفراوي وعشراوي.
وإنما قلبت الهمزة فيه ولم تقر بحالها لئلا تقع علامة التأنيث حشوًا.
فمضى هذا على هذا لا يختلف.
ثم إنهم قالوا في الإضافة إلى عِلباء: علباوي, وإلى حِرباء: حرباوي؛ فأبدلوا هذه الهمزة وإن لم تكن للتأنيث, لكنها لما شابهت همزة حمراء وبابها بالزيادة حملوا عليها همزة علباء.
ونحن نعلم أن همزة حمراء لم تقلب في حمراوي لكونها زائدة فتشبه بها همزة علباء من حيث كانت زائدة مثلها لكن لما اتفقتا في الزيادة حملت همزة علباء على همزة حمراء.
ثم إنهم تجاوزوا هذا إلى أن قالوا في كساء وقضاء: كساوي وقضاوي فأبدلوا الهمزة واوًا حملا لها على همزة علباء من حيث كانت همزة كساء وقضاء مبدلة من حرف ليس للتأنيث فهذه علة غير الأولى ألا تراك لم تبدل همزة علباء واوًا في علباوي لأنها ليست للتأنيث فتحمل عليها همزة كساء وقضاء من حيث كانتا لغير التأنيث.
ثم إنهم قالوا من بعد في قراء: قراوي فشبهوا همزة قراء بهمزة كساء من حيث كانتا أصلا غير زائدة كما أن همزة كساء غير زائدة.
وأنت لم تكن أبدلت همزة كساء في كساوي من حيث كانت غير زائدة لكن هذه أشباه لفظية يحمل أحدها على ما قبله تشبثًا به وتصورًا له.
وإليه وإلى نحوه أومأ سيبويه بقوله: وليس شيء يضطرون1 إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا.
وعلى ذلك قالوا: صحراوات فأبدلوا الهمزة واوًا لئلا يجمعوا بين علمي تأنيث ثم حملوا التثنية عليه من حيث كان هذا الجمع على طريق التثنية ثم قالوا: علباوان حملا بالزيادة على حمراوان ثم قالوا: كساوان تشبيهًا له بعلباوان ثم قالوا: قُرّاوان حملا له على كساوان على ما تقدم.
وسبب هذه الحمول والإضافات والإلحاقات كثرة هذه اللغة وسعتها وغلبة حاجة أهلها إلى التصرف فيها والتركح1 في أثنائها2 لما يلابسونه ويكثرون استعماله من الكلام المنثور والشعر الموزون والخطب والسجوع ولقوة إحساسهم في كل شيء شيئًا وتخيلهم ما لا يكاد يشعر به من لم يألف مذاهبهم.
وعلى هذا ما منع الصرف من الأسماء للشبه اللفظي نحو أحمر وأصفر وأصرم وأحمد وتألب وتنضب علمين3؛ لما في ذلك من شبه لفظ الفعل فحذفوا التنوين من الاسم لمشابهته ما لا حصة له في التنوين وهو الفعل.
والشبه اللفظي كثير.
وهذا كاف.