الخصائصصفحات 362-401

باب في شجاعة العربية

صفحات 362-401
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: اعلم أن معظم ذلك إنما هو الحذف والزيادة والتقديم والتأخير والحمل على المعنى والتحريف.
الحذف: قد حذفت العرب الجملة والمفرد والحرف والحركة, وليس شيء من ذلك إلّا عن دليل عليه, وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب في معرفته.
فأمَّا الجملة فنحو قولهم في القسم: والله لا فعلت, وتالله1 لقد فعلت.
وأصله: أقسم بالله, فحذف الفعل والفاعل وبقيت الحال -من الجار والجواب- دليلًا على الجملة المحذوفة.
وكذلك الأفعال في الأمر والنهي والتحضيض نحو قولك: زيدًا, إذا أردت: اضرب زيدًا, أو نحوه.
ومنه إياك إذا حذرته, أي: احفظ نفسك ولا تضعها, والطريق الطريق, وهلا خيرًا من ذلك.
وقد حذفت الجملة من الخبر نحو قولك: القرطاس والله, أي: أصاب القرطاس.
وخير مقدم؛ أي: قدمت خير مقدم.
وكذلك الشرط في2 نحو قوله: الناس مجزيون بأفعالهم3 إن خيرًا فخيرًا, وإن شرًّا فشرًّا, أي: إن فعل المرء خيرًا جزي خيرًا, وإن فعل شرًّا جزي شرًّا.
ومنه قول التغلبي 4: إذا ما الماء خالطها سخينا

"أي: فشربنا سخينًا"1 وعليه قول الله سبحانه: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ 2 أي: فضرب فانفجرت, وقوله عز اسمه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ 3 أي: فحلق فعليه فدية, ومنه قولهم 4: ألا تا, بلى فا, أي: ألا تفعل؟ بلى فافعل.
وقول الآخر: قلنا لها قفي لنا قالت قاف أي: وقفت, وقوله 5: . . . . . . . . . . . . . . . وكأن قد6 أي: كأنها قد زالت, فأما7 قوله: إذا قيل مهلًا قال حاجزه قد8 فيكون على هذا أي قد قطع وأغنى9, ويجوز أن يكون معناه: قَدْك! أي: حسبك, كأنه قد فرغ ما قد أريد منه, فلا معنى لردعك وزجرك.
وإنما تحذف الجملة10 من الفعل والفاعل لمشابهتها المفرد بكون الفاعل في كثير من الأمر بمنزلة الجزء من الفعل, نحو: ضربت ويضربان, وقامت هند و ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ 11 وحبذا زيد, وما أشبه ذلك مما يدل على شدة اتصال الفعل بالفاعل وكونه معه كالجزء الواحد.
وليس كذلك المبتدأ والخبر.
وأما حذف المفرد فعلى ثلاثة أضرب: اسم وفعل وحرف.

حذف الاسم على أضرب: قد حذف المبتدأ تارة؛ نحو: هل لك في كذا وكذا1؛ أي: هل لك فيه حاجة أو أرب, وكذلك قوله -عز وجل: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ 2 أي: ذلك أو هذا بلاغ.
وهو كثير.
وقد حذف الخبر نحو قولهم في جواب من عندك: زيد, أي: زيد عندي, وكذا قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ 3 وإن شئت كان على: طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما, وإن شئت كان على: أمرنا طاعة وقول معروف, وعليه قوله4: فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود وقد حذف المضاف, وذلك كثير واسع, وإن كان أبو الحسن لا يرى القياس عليه نحو قول الله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ 5 أي: بر من اتقى, وإن شئت كان تقديره: ولكن ذا6 البر من اتقى.
والأول أجود؛ لأن حذف المضاف ضرب من الاتساع, والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ لأن الاتساع بالأعجاز أولى منه بالصدور, ومنه7 قوله -عز اسمه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ 8 أي: أهلها.
وقد حذف المضاف مكررًا نحو قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ 9 أي: من تراب10 أثر حافر فرس الرسول, ومثله مسألة11 الكتاب: أنت

مني فرسخان, أي: ذو مسافة فرسخين.
وكذلك قوله -جل اسمه: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ 1 أي: كدوران عين2 الذي يغشى عليه من الموت3.
وقد حذف المضاف إليه نحو قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ 4 أي: من قبل ذلك ومن بعده.
وقولهم: ابدأ بهذا أول, أي: أول ما تفعل.
وإن شئت كان تقديره: أول من غيره, ثم شبه الجار والمجرور هنا بالمضاف إليه لمعاقبة المضاف إليه إياهما.
وكذلك قولهم: جئت5 من علٍ, أي: من أعلى, كذا وقوله 6: فملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغرقيء بيضٍ كنّه القيض من علُ فأما قوله 7: كجلمود صخر حطَّه السيل من علٍ فلا حذف فيه؛ لأنه نكرة, ولذلك أعربه فكأنه قال: حطه السيل من مكان عالٍ, لكن قول العجلي 8: أقب من تحت عريض من علِ هو محذوف المضاف إليه؛ لأنه معرفة, وفي موضع المبني على الضمِّ, ألا تراه قابل به ما هذه حاله وهو قوله: من تحت.
وينبغي أن يكتب "عَلِي" في9 هذا بالياء.

وهو فعل في معنى فاعل, أي: أقب من تحته عريض من عاليه, بمعنى أعلاه.
والسافل والعالي بمنزلة الأسفل والأعلى.
قال: ما هو إلا الموت يغلي غاليه ... مختلطًا سافله بعاليه لا بدَّ يومًا أنني ملاقيه1 ونظير عالٍ وعلٍ هنا قوله 2: وقد علتني ذرأة بادي بدي أي: باديَ باديَ, وإن شئت كان ظرفًا غير مركب, أي: في بادي بدي كقوله -عز اسمه: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ 3 "أي: في بادي الرأي"4 إلّا أنه أسكن الياء في موضع النصب مضطرًا كقوله: يا دار هند عفت إلّا أثافيها وإن شئت كان مركَّبًا على حد قوله 5: إذ نجن في غِرَّة الدنيا ولذتها ... والدار جامعة أزمان أزمانا إلّا أنه أسكن لطول الاسم بالتركيب كمعدي كرب, ومثل فاعل وفعِل في هذا المعنى6 قوله 7:

أصبح قلبي صِردا ... لا يشتهي أن يردا إلا عرادًا عردا ... وصليِّانًا بردا وعنكثًا ملتبدا أراد: الإعراد عاردًا وصلِّيانا باردًا.
وعليه قوله: كأن في الفرش القتاد العاردا فأما قولهم: عرد الشتاء1؛ فيجوز أن يكون مخففًا من عرد هذا, ويجوز أن يكون مثالًا في الصفة على فعل كصَعْب ونَدْب.
ومنه يومئذ وحينئذ, ونحو ذلك, أي: إذ ذاك كذلك, فحذفت الجملة المضاف إليها.
وعليه قول ذي الرمة: فلمَّا لبسن الليل أو حين نصَّبت ... له من خذا آذانها وهو جانح2 أي: أو حين أقبل.
وحكى الكسائي: أفوق تنام أم أسفل؛ حذف المضاف3 ولم يبن.
وسمع4 أيضًا: "لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلِ وَمِنْ بَعْدِ" فحذف ولم يبن.

وقد حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه, وأكثر ذلك في الشعر.
وإنما كانت كثرته فيه دون النثر من حيث كان القياس يكاد يحظره.
وذلك أن الصفة في الكلام على ضربين: إما "للتخليص والتخصيص"1، وإما للمدح الثناء.
وكلاهما من مقامات الإسهاب والإطناب لا من مظانِّ الإيجاز والاختصار.
وإذا كان كذلك لم يلق الحذف به ولا تخفيف2 اللفظ منه.
هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من الإلباس وضد البيان.
ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بطويل, لم يستبن3 من ظاهر هذا اللفظ أن4 الممرور به إنسان دون رمح أو ثوب أو نحو ذلك.
وإذا كان كذلك كان حذف الموصوف إنما هو متى5 قام الدليل عليه أو شهدت الحال به, وكلّما استبهم الموصوف كان حذفه غير لائق بالحديث.
ومما يؤكد عندك ضعف حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه, وذلك أن تكون الصفة جملة نحو: مررت برجل قام أخوه, ولقيت غلامًا وجهه حسن.
ألا تراك لو قلت: مررت بقام أخوه, أو لقيت وجهه حسن, لم يحسن.
فأما قوله: والله ما زيد بنام صاحبه ... ولا مخالط الليان جانبه6

فقد قيل فيه: إن "نام صاحبه" علم اسم لرجل1، وإذا كان كذلك جرى مجرى قوله: بنى شاب قرناها.
. . . . .2 فإن قلت فقوله: ولا مخالط الليان جانبه ليس علمًا وإنما هو صفة، وهو معطوف على "نام صاحبه", فيجب أن يكون قوله3: "نام صاحبه" صفة أيضًا.
قيل: قد يكون في الجمل إذا سمِّي بها معاني الأفعال فيها, ألا ترى أن "شاب قرناها تصر وتحلب" هو اسم علم, وفيه مع ذلك معنى الذم, وإذا كان كذلك جاز أن يكون قوله: ولا مخالط الليان جانبه معطوفًا على ما في قوله "ما زيد بنام صاحبه" من معنى الفعل, فأما قوله: مالك عندي غير سهم وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر جادت بكفي كان من أرمى البشر4 أي: بكفّي رجل أو إنسان كان من أرمى البشر, فقد روى غير هذه الرواية.
روى: "بكفي كان من أرمى البشر"، بفتح ميم "من" أي بكفَّيْ من هو أرمى البشر, و"كان" على هذا زائدة.
ولو لم تكن فيه إلا5 هذه الرواية لما جاز القياس عليه؛

لفروده1 وشذوذه عمَّا عليه عقد هذا الموضع.
ألا تراك لا تقول: مررت بوجهه حسن, ولا نظرت إلى غلامه سعيد.
فأما قولهم: بدأت بالحمدُ لله, وانتهيت من القرآن إلى ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ 2 ونحو ذلك, فلا يدخل على هذا القول من قبل أن هذه طريق الحكاية, وما كان كذلك فالخطب فيه أيسر, والشناعة فيه3 أوهى وأسقط.
وليس ما كنَّا عليه مذهبًا له تعلق بحديث الحكاية, وكذلك إن كانت الصفة جملة لم يجز أن تقع فاعلة ولا مقامة مقام الفاعل, ألا تراك لا تجيز قام وجهه حسن، ولا4 ضرب قام غلامه, وأنت تريد: قام رجل وجهه حسن, ولا ضرب إنسان قام غلامه.
وكذاك إن كانت الصفة حرف جر أو ظرفًا لا يستعمل استعمال الأسماء, فلو قلت: جاءني من الكرام, أي: رجل من الكرام, أو حضرني سواك, أي: إنسان سواك, لم يجسن؛ لأن الفاعل لا يحذف, فأما قوله5: أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يهلك فيه الزيت والفتل فليست الكاف هنا حرف جر, بل هي اسم بمنزلة مثل؛ كالتي في قوله: على كالقطا الجونيّ أفزعه الزجر وكالكاف الثانية من قوله 6: وصالياتٍ ككما يؤثفين

"أي كمثل ما يؤثفين"1 وعليه قول2 ذي الرمة: أبيت على ميّ كئيبًا وبعلها ... على كالنقا من عالج يتبطح3 فأما قول الهذلي 4: فلم يبق منها سوى هامد ... وغير الثمام وغير النؤيِّ ففيه قولان: أحدهما أن يكون في "يبق" ضمير فاعل من بعض ما تقدَّم, كذا قال أبو علي -رحمه الله.
والآخر أن يكون استعمل "سوى" للضرورة اسمًا فرفعه, وكأن هذا أقوى لأنَّ بعده: "وغير الثمام وغير النؤي" فكأنه5 قال: لم6 يبق منها غير هامد, ومثله ما أنشدناه للفرزدق7 من قوله: ائته بمجلوم كأنَّ جبينه ... صلاءة ورس وسطها قد تفلقا8 وعليه قول الآخر 9: في وسط جمع بني قريط بعدما ... هتفت ربيعة يا بني جواب

وقد أقيمت "الصفة الجملة"1 مقام الموصوف المبتدأ نحو قوله 2: لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم أي: ما في قومها أحد يفضلها, وقال الله سبحانه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ 3 أي: قوم دون ذلك, وأما قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ 4 فيمن5 قرأه بالنصب فيحتمل أمرين: أحدهما أن يكون الفاعل مضمرًا, أي: لقد تقطع الأمر أو العقد أو الود -ونحو ذلك- بينكم, والآخر "أن يكون"6 ما كان يراه أبو الحسن من أن يكون "بينكم" وإن كان منصوب اللفظ مرفوع الموضع بفعله, غير أنه أقرت نصبة الظرف, وإن كان مرفوع الموضع لاطراد استعمالهم إياه ظرفًا.
إلا أن استعمال الجملة التي هي صفة للمبتدأ مكانه أسهل من استعمالها فاعلة؛ لأنه ليس يلزم أن يكون المبتدأ اسمًا محضًا.
كلزوم ذلك في الفاعل, ألا ترى إلى قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه, أي: سماعك به خير من رؤيته.
وقد تقصينا7 ذلك في غير موضع.
وقد حذفت الصفة ودلت الحال عليها.
وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم 8: سير عليه ليل, وهم يريدون: ليل طويل.
وكأنَّ هذا إنما حذفت فيه الصفة لما دلَّ من الحال على موضعها, وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك

من التطويح والتطريح والتفخيم1 والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل أو2 نحو ذلك.
وأنت تحسّ هذا من نفسك إذا تأمَّلته, وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه, فتقول: كان والله رجلًا, فنزيد في قوة اللفظ ب"الله" هذه الكلمة3، وتتمكَّن في4 تمطيط اللام5 وإطالة الصوت بها وعليها4, أي: رجلًا فاضلًا أو شجاعًا أو كريمًا أو نحو ذلك.
وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنسانًا, وتمكّن الصوت بإنسان وتفخَّمه, فتستغني بذلك عن وصفه بقولك 6: إنسانًا سمحًا أو7 جوادًا أو نحو ذلك.
وكذلك إن ذممته ووصفته بالضيق قلت: سألناه وكان إنسانًا! وتزوي وجهك وتقطبه, فيغني ذلك عن قولك: إنسانًا لئيمًا أو لحزًا أو مبخلًا أو نحو ذلك.
فعلى هذا وما يجري مجراه تحذف الصفة, فأمّا إن عريت من الدلالة عليها من اللفظ أو من الحال فإن حذفها لا يجوز, ألا تراك لو قلت: وردنا البصرة فاجتزنا بالأبلة على رجل, أو رأينا بستانًا, وسكت لم "تفد بذلك"8 شيئًا؛ لأن هذا ونحوه مما لا يعرى منه ذلك المكان9، وإنما المتوقع أن تصف من ذكرت أو ما7 ذكرت, فإن لم تفعل كلّفت علم ما "لم تدلل"10 عليه, وهذا لغو من11 الحديث وجور في التكليف.

ومن ذلك ما يروى في الحديث 1: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، أي: لا صلاة كاملة أو فاضلة ونحو ذلك.
وقد خالف في ذلك من لا يعد خلافه خلافًا.
وقد حذف المفعول به نحو قول الله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: أوتيت منه شيئًا, وعليه قول الله سبحانه: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ 3 أي: غشاها إياه, فحذف المفعولين جميعًا, وقال الحطيئة: منعّمة تصون إليك منها ... كصونك من رداء شرعبيّ4 أي: تصون الحديث منها, وله نظائر.
وقد حذف الظرف نحو قوله 5: فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد أي: إن مت قبلك, هذا يريد لا محالة.
ألا ترى أنه لا يجوز أن يشرط الإنسان موته؛ لأنه يعلم6 أنه مائت7 لا محالة, وعليه قول الآخر8: أهيم بدعدٍ ما حييت فإن أمت ... أوكّل بدعدٍ من يهيم بها بعدي2

أي: فإن أمت قبلها لا بُدَّ أن يريد هذا, وعلى هذا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 1 أي: من شهد الشهر منكم صحيحًا بالغًا في مصرٍ فليصمه, وكان أبو علي -رحمه الله- يرى أن نصب الشهر هنا إنما هو على الظرف, ويذهب إلى أنّ المفعول محذوف, أي: فمن شهد منكم المِصْر في هذا الشهر فليصمه, وكيف تصرفت الحال فلا بُدَّ من حذف. وقد حذف المعطوف تارة والمعطوف عليه أخرى. روينا عن أحمد بن يحيى أنهم يقولون: راكب الناقة طليحان, أي: راكب الناقة والناقة طليحان, وقد مضى ذكر هذا2.
وتقول3: الذي ضربت وزيدًا جعفر، تريد4: الذي ضربته وزيدًا، فتحذف5 المفعول من الصلة.
وقد حذف المستثنى نحو قولهم: جاءني زيد ليس إلّا, وليس غير, أي: ليس إلّا إياه, وليس غيره.
وقد حذف خبر إنَّ مع النكرة خاصة نحو قول الأعشى: إن محلًّا وإن مرتحلًا ... وإنّ في السفر إذ مضوا مهلا أي: إن لنا محلًّا, وإن لنا مرتحلًا6

وأصحابنا يجيزون حذف خبر إنّ مع المعرفة, ويحكون عنهم أنهم إذ قيل لهم: إن الناس ألب عليكم فمن لكم.
قالوا: إن زيدًا وإن عمرًا, أي: إن لنا زيدًا وإن لنا عمرًا.
والكوفيون يأبون حذف خبرها إلا مع النكرة.
فأما احتجاج أبي العباس عليهم بقوله 1: خلا أن حيًّا من قريش تفضلوا ... على الناس أو أن الأكارم نهشلا أي: أو أنَّ الأكارم نهشلا تفضلوا2, قال3 أبو علي: وهذا لا يلزمهم؛ لأن لهم أن يقولوا: إنما منعنا حذف خبر المعرفة مع إن المكسورة, فأما مع أنّ المفتوحة فلن نمنعه, قال: ووجه فصلهم فيه بين المكسورة والمفتوحة أنَّ المكسورة حذف خبرها كما حذف خبر نقيضها, وهو قولهم: لا بأسَ ولا شكّ, أي: عليك, وفيه.
فكما أنّ "لا" تختص هنا بالنكرات فكذلك إنما "تشبهها نقيضتها"4 في حذف الخبر مع النكرة أيضًا.
وقد حذف أحد مفعولي ظننت, وذلك نحو قولهم: أزيدًا ظننته منطلقًا؛ ألا ترى أن تقديره: أظننت زيدًا منطلقًا ظننته منطلقًا؟ فلمَّا5 أضمرت الفعل فسَّرته بقولك: ظننته, وحذفت6 المفعول الثاني من الفعل الأول المقدَّر اكتفاء بالمفعول الثاني الظاهر في الفعل الآخر.
وكذلك بقية أخوات ظننت.

وقد حذف خبر كان أيضًا في نحو قوله 1: أسكرانُ كان ابنَ المراغة إذ هجا ... تميمًا ببطن الشأم أم متساكر ألا ترى أن تقديره: أكان سكرانُ ابن المراغة, فلمَّا حذف الفعل الرافع2 فسَّره بالثاني فقال: كان ابن المراغة.
و"ابن المراغة" هذا الظاهر خبر "كان " الظاهرة, وخبر "كان" المضمر محذوف معها؛ لأن " كان " الثانية دلّت على الأولى, وكذلك الخبر الثاني الظاهر دلَّ على الخبر الأول المحذوف.
وقد حذف المنادى فيما أنشده أبو زيد من قوله: فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا3 أراد: يا لبني4 فلان, ونحو ذلك.
فإن قلت: فكيف جاز تعليق5 حرف الجر, قيل: لما خلط "بيا"6 صار كالجزء منها.
ولذلك شبه أبو علي ألفه التي قبل اللام بألف باب ودار, فحكم عليها حينئذ بالانقلاب, وقد ذكرنا ذلك.
وحسن الحال أيضًا شيء آخر, وهو تشبث اللام الجارة بألف الإطلاق فصارت كأنها معاقبة للمجرور, ألا ترى أنك لو أظهرت ذلك المضاف إليه7 فقلت: يا لبني فلان, لم يجز إلحاق الألف هنا "وجرت ألف

الإطلاق"1 في منابها هنا عمَّا كان ينبغي أن يكون بمكانها, مجرى ألف الإطلاق في منابها عن تاء التأنيث في نحو قوله 2: ولاعب بالعشيِّ بني بنيه ... كفعل الهِرِّ يحترش العَظَايا فأبعد الإله ولا يؤبَّى ... ولا يعطَى من المرض الشفايا3 وكذلك نابت أيضًا واو الإطلاق في قوله 4: وما كل من وافى مني أنا عارف5 -فيمن رفع كلًّا- عن الضمير الذي يزاد في عارفه6، وكما ناب التنوين في نحو: حينئذ ويومئذ, عن المضاف إليه إذْ, وعليه قوله 7: نهيتك عن طلابك أمّ عمرو ... بعاقبة وأنت إذٍ صحيح8 فأما قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ 9 فقد تقدَّم القول10 عليه: أنه ليس المنادى هنا محذوفًا ولا مرادًا كما ذهب إليه محمد بن يزيد, وأن "يا " هنا أخلصت للتنبيه مجردًا

من النداء, كما أن "ها " من قول الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ﴾ 1 للتنبيه من غير أن تكون للنداء2.
وتأوّل أبو العباس قول الشاعر 3: طلبوا صلحنا ولات أوانٍ ... فأجبنا أن ليس حين بقاء4 "أي: إبقاء"5 على أنه حذف المضاف إليه أوان، بعوض6 التنوين منه، على حد قول الجماعة في تنوين إذْ, وهذا7 ليس بالسهل, وذلك أن التنوين في نحو هذا إنما دخل فيما لا يضاف إلى الواحد وهو إذ.
فأمّا "أوان " فمعرب ويضاف إلى الواحد, كقوله 8: فهذا أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمِّس9

وقد كسَّروه على آونة, وتكسيرهم إياه يبعده عن البناء؛ لأنه أخذ به في شق التصريف والتصرف.
"قال: أبو حنشٍ يؤرقنا وطلقٌ ... وعبادٌ وآونةً أثالا"1 وقد حذف المميز, وذلك إذا علم من الحال "حكم ما"2 كان يعلم منها به, وذلك قولك: عندي عشرون, واشتريت ثلاثين, وملكت خمسة وأربعين.
فإن لم يعلم المراد لزم التمييز إذا قصد المتكلم الإبانة, فإن لم يرد ذلك وأراد الإلغاز وحذف جانب البيان لم يوجب على نفسه ذكر التمييز, وهذا إنما يصلحه ويفسده غرض المتكلم, وعليه مدار الكلام.
فاعرفه.
وحذف الحال لا يحسن, وذلك أن الغرض فيها إنما هو توكيد الخبر بها, وما طريقه طريق التوكيد غير لائق به الحذف؛ لأنه ضد الغرض ونقيضه, و"لأجل ذلك"3 لم يجز أبو الحسن توكيد الهاء المحذوفة من الصلة؛ نحو الذي ضربت نفسه زيد على أن يكون "نفسه" توكيدًا للهاء المحذوفة من "ضربت", وهذا مما يترك مثله كما يترك إدغام الملحق إشفاقًا من انتقاض الغرض بادّغامه.
فأمَّا ما أجزناه من حذف الحال في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 4 أي: فمن شهده صحيحًا بالغًا فطريقه أنه لما دلت الدلالة عليه من

الإجماع والسنّة جاز حذفه تخفيفًا.
وأما1 لو عريت الحال من هذه القرينة وتجرَّد الأمر دونها لما جاز حذف الحال على وجه.
ولم أعلم المصدر حذف في موضع, وذلك أن2 الغرض فيه إذا تجرَّد من الصفة أو التعريف أو عدد المرات فإنما هو لتوكيد الفعل, وحذف المؤكَّد لا يجوز.
وإنما كلامنا على حذف ما يحذف وهو مراد, فأما حذفه إذا لم يرد فسائغ لا سؤال فيه, وذلك كقولنا: انطلق زيد, ألا ترى هذا كلامًا تامًّا, وإن لم تذكر معه شيئًا من الفضلات مصدرًا ولا ظرفًا ولا حالًا ولا مفعولًا له ولا مفعولًا معه ولا غيره.
وذلك أنك3 لم ترد الزيادة في الفائدة بأكثر من الإخبار عنه بانطلاقه دون غيره.
حذف الفعل: حذف الفعل على ضربين: أحدهما: أن تحذفه والفاعل فيه.
فإذا وقع ذلك فهو حذف جملة, وذلك نحو: زيدًا ضربته؛ لأنك أردت: ضربت زيدًا, فلمَّا أضمرت "ضربت" فسَّرته بقولك: ضربته, وكذلك قولك 4: أزيدًا مررت به, وقولهم: المرء مقتول بما قَتَل به, إن سيفًا فسيف, وإن خنجرًا فخنجر, أي: إن كان الذي قَتَل به سيفًا فالذي يُقتل به سيف, فكان واسمها وإن لم تكن مستقلة5 فإنها تعتد اعتداد الجملة.
والآخر: أن تحذف الفعل وحده, وهذا هو غرض هذا الموضع.

وذلك أن يكون الفاعل مفصولًا عنه مرفوعًا به1, وذلك نحو قولك: أزيد قام, فزيد مرفوع بفعل مضمر محذوف خالٍ من الفاعل؛ لأنك تريد: أقام زيد, فلمَّا أضمرته فسَّرته بقولك: قام, وكذلك ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ 2 و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ 3 و ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ 4 و ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ 5 ونحوه, الفعل6 فيه مضمر وحده, أي: إذا انشقَّت السماء, وإذا كورت الشمس, وإن هلك امرؤ, ولو تملكون, وعليه قوله 7: إذا ابنُ أبي موسى بلالٌ بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر8 أي: إذا بلغ ابن أبي موسى.
وعبرة9 هذا أن الفعل المضمر إذا كان بعده اسم منصوب به ففيه فاعله مضمرًا.
وإن كان بعده المرفوع به فهو مضمر مجردًا10 من الفاعل, ألا ترى أنه لا يرتفع فاعلان به.
وربما جاء بعده المرفوع والمنصوب جميعًا, نحو قولهم: أما أنت منطلقًا انطلقتُ معك, "تقديره: لأن كنت منطلقًا انطلقتُ معك"11 فحذف الفعل فصار تقديره: لأن أنت منطلقًا, وكرهت12 مباشرة

"أن " الاسم فزيدت "ما " , فصارت عوضًا من الفعل ومصلحة للفظ لنزول مباشرة "أن" الاسم.
وعليه بيت الكتاب: أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع1 أي: لأن كنت ذا نفر قويت وشدّدت والضبع هنا السنة الشديدة.
فإن قلت: بم2 ارتفع وانتصب "أنت منطلقًا"؟ قيل: ب"ما"3؛ لأنها عاقبت الفعل الرافع الناصب, فعملت عمله من الرفع والنصب, وهذه طريقة أبي علي وجُلَّة أصحابنا من قبله في4 أنَّ الشيء إذا عاقب الشيء ولي من الأمر ما كان المحذوف يليه.
من5 ذلك الظرف إذا تعلّق بالمحذوف6 فإنه يتضمّن الضمير الذي كان فيه, ويعمل ما كان يعمله: من نصبه الحال والظرف, وعلى ذلك صار قوله: "فاه إلى فيّ" من قوله: "كلمته فاه إلى في" ضامنًا للضمير الذي كان في "جاعلًا" لما عاقبه.
والطريق واضحة فيه متلئبة.
حذف الحرف: قد حذف الحرف في الكلام على ضربين: أحدهما حرف زائد7 على الكلمة مما يجيء لمعنى, والآخر حرف من نفس الكلمة, وقد تقدَّم فيما مضى ذكر حذف هذين الضربين بما أغنى عن إعادته.
ومضت الزيادة في الحروف وغيرها.

فصل في التقديم والتأخير: وذلك على ضربين: أحدهما ما يقبله القياس, والآخر ما يسهله الاضطرار.
الأول: كتقديم المفعول على الفاعل تارةً وعلى الفعل الناصبة أخرى, كضرب "زيدًا عمرو"1، وزيدًا ضرب عمرو, وكذلك الظرف نحو: قام عندك زيد, وعندك قام زيد, وسار يوم الجمعة جعفر, ويوم الجمعة سار جعفر.
وكذلك الحال نحو: جاء ضاحكًا زيد, وضاحكًا جاء زيد.
وكذلك الاستثناء نحو: ما قام إلا زيدًا أحد, ولا يجوز تقديم المستثنى على الفعل2 الناصب له.
لو قلت: إلا زيدًا قام القوم, لم يجز لمضارعة الاستثناء البدل, ألا تراك تقول: ما قام أحد إلا زيدًا, وإلا زيد, والمعنى واحد.
فما جارى الاستثناء البدل امتنع تقديمه.
فإن قلت: فكيف جاز تقديمه3 على المستثنى منه, والبدل لا يصح تقديمه3 على المبدل منه.
قيل: لما تجاذب المستثنى شبهان: أحدهما كونه مفعولًا, والآخر كونه بدلًا, خلِّيت4 له منزلة وسيطة فقدم على المستثنى منه وأخّر البتة عن الفعل الناصبة.
فأما قولهم: ما مررت إلا زيدًا بأحد, فإنما تقدّم على الباء؛ لأنها "ليست هي"5 الناصبة له, إنما الناصب له على كل حال نفس مررت.
وما يصح ويجوز تقديمه خبر المبتدأ, نحو: قائم أخوك, وفي الدار صاحبك, وكذلك خبر كان وأخواتها على أسمائها, وعليها أنفسها, وكذلك خبر

ليس؛ نحو: زيدًا ليس أخوك, ومنطلقين ليس أخواك.
وامتناع أبي العباس من ذلك خلاف للفريقين: "البصريين والكوفيين"1 وترك لموجب القياس عند النظار والمتكلمين, وقد ذكرنا ذلك في غير مكان.
ويجوز تقديم المفعول له على الفعل الناصبة2؛ نحو قولك: طمعًا في برّك3 زرتك, ورغبة في صلتك4 قصدتك.
ولا يجوز تقديم المفعول معه على الفعل, نحو قولك: والطيالسة جاء البرد, من حيث كانت صورة هذه الواو صورة العاطفة, ألا تراك لا تستعملها5 إلّا في الموضع الذي لو شئت لاستعملت العاطفة فيه, نحو: جاء البرد والطيالسة. ولو شئت لرفت الطيالسة عطفًا على البرد, وكذلك: تركت والأسد لأكلك, يجوز أن ترفع الأسد عطفًا على التاء. ولهذا لم يجز أبو الحسن: جئتك وطلوع الشمس, أي مع طلوع الشمس؛ لأنك لو أردت أن تعطف بها هنا فتقول: أتيتك وطلوع الشمس, لم يجز؛ لأن طلوع الشمس لا يصح إتيانه لك6.
فلما ساوقت حرف المعطف قبح, والطيلالسة جاء البرد, كما قبح وزيد قام عمرو, لكنه يجوز7 جاء والطيالسة البردُ؛ كما تقول: ضربت وزيدًا عمرًا, قال 8: جمعتَ وفحشا غيبة ونميمة ... ثلاث خصال لست عنها بمرعو

ومما يقبح تقديمه الاسم المميز, وإن كان الناصبة فعلًا متصرفًا, فلا نجيز شحمًا تفقأت, ولا عرقًا تصببت.
فأما ما أنشده أبو عثمان وتلاه فيه1 أبو العباس من قول المخبل2 أتهجر ليلى للفراق حبيها ... وما كان3 نفسًا بالفراق يطيب فتقابله برواية4 الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق أيضًا: وما كان نفسي بالفراق تطيب فرواية برواية, والقياس من5 بعد حاكم6.
وذلك أن هذا المميز هو الفاعل في المعنى؛ ألا ترى أن أصل الكلام تصبب عرقي, وتفقأ شحمي, ثم نقل الفعل فصار في اللفظ لي, فخرج الفاعل في الفاصل مميزًا, فكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل فكذلك لا يجوز تقديم المميز؛ إذ7 كان هو الفاعل في المعنى على الفعل.
فإن قلت: فقد تُقِّدم الحال على العامل فيها, وإن كانت الحال هي صاحبة الحال في المعنى, نحو قولك: راكبًا جئت, و ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ 8. قيل: الفرق أن الحال "لم تكن"9 في الأصل هي الفاعلة, كما كان المميز10 كذلك؛ ألا ترى أنه ليس التقدير والأصل: جاء راكبي, كما أن أصل طبت به نفسًا

طابت به نفسي، وإنما الحال مفعول فيها كالظرف, ولم تكن قط فاعلة فنقل الفعل عنها.
فأمَّا كونها هي الفاعل في المعنى فككون خبر كان هو اسمها الجاري مجرى الفاعل في المعنى وأنت1 تقدمه2 على "كان" فتقول: قائمًا كان زيد, ولا تجيز تقديم اسمها عليها.
فهذا فرق.
وكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل, فكذلك لا يجوز تقديم ما أقيم مقام الفاعل كضرب زيد.
وبعد فليس في الدنيا مرفوع يجوز تقديمه3 على رافعه.
فأما خبر المبتدأ فلم يتقدَّم عندنا على رافعه؛ لأن رافعه ليس المبتدأ وحده, إنما الرافع له "المبتدأ والابتداء"4 جميعًا, فلم يتقدم الخبر عليهما معًا, وإنما تقدم على أحدهما وهو المبتدأ, فهذا "لا ينتقض"5.
لكنه على قول أبي6 الحسن مرفوع بالمبتدأ وحده, ولو كان كذلك لم يجز تقديمه3 على المبتدأ.
ولا يجوز تقديم7 الصلة ولا شيء منها على الموصول, ولا الصفة على الموصوف, ولا المبدل على المبدل منه, ولا عطف البيان على المعطوف عليه, ولا العطف الذي هو نسق على المعطوف عليه، إلا8 في الواو وحدها, وعلى قلَّته أيضًا, نحو: قام وعمرو زيد, وأسهل منه ضربت وعمرًا زيدًا؛ لأن الفعل في هذا قد استقلّ

بفاعله، وفي قولك: قام وعمرو زيد, اتسعت في الكلام قبل الاستقلال والتمام.
فأما1 قوله 2: ألا يا نخلةً من ذات عرق ... عليك ورحمةُ الله السلام فحملته الجماعة على هذا, حتى كأنه عندها: عليك السلام ورحمة الله, وهذا وجه, إلّا أن عندي فيه وجهًا لا تقديم فيه ولا تأخير من قبل العطف, وهو أن يكون "رحمة الله" معطوفًا على الضمير في "عليك", وذلك أن "السلام" مرفوع بالابتداء وخبره مقدَّم عليه وهو "عليك", ففيه إذًا ضمير منه مرفوع بالظرف، فإذا عطفت "رحمة الله" عليه ذهب عنك مكروه التقديم, لكن فيه العطف على المضمر المرفوع المتصل من غير توكيد له, وهذا أسهل عندي من تقديم المعطوف على المعطوف عليه, وقد جاء في الشعر قوله3: قلت إذ أقبلت وزهرٌ تهادى ... كنعاج الملا تعسَّفن4 رملا وذهب بعضهم في قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ 5 إلى أنَّ "هو" معطوف على الضمير في "استوى".

ومما يضعف تقديم المعطوف على المعطوف عليه من جهة القياس أنك إذا قلت: قام وزيد عمرو, فقد جمعت أمام زيد بين عاملين: أحدهما "قام"، والآخر الواو, ألا تراها قائمة مقام العامل قبلها, وإذا صرت إلى ذلك صرت كأنك قد أعملت فيه عاملين, وليس هذا كإعمال1 الأول أو الثاني في نحو: قام وقعد زيد؛ لأنك في هذا مخيّر: إن شئت أعملت الأول, وإن شئت أعملت الآخر, وليس ذلك في نحو: قام زيد وعمرو؛ لأنك لا ترفع عمرًا في هذا إلّا2 بالأول.
فإن قلت: فقد تقوّل في الفعلين جميعًا بإعمال أحدهما البتة كقوله 3: كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال4 قيل: لم يجب هذا5 في هذا البيت لشيء يرجع إلى العمل اللفظي, وإنما هو شيء راجع إلى المعنى, وليس كذلك قام وزيد عمرو؛ لأن هذا كذا حاله ومعناه واحد, تقدم أو6 تأخر.
فقد عرفت ما في هذا الحديث.
ولا يجوز تقديم المضاف إليه على المضاف, ولا شيء مما اتصل به.
ولا يجوز تقديم الجواب على المجاب شرطًا كان أو قسمًا أو غيرهما, ألا تراك لا تقول: أقُمْ إن تَقُمْ, فأما قولك: أقوم إن قمت, فإن قولك: أقوم ليس جوابًا

للشرط, ولكنه دال على الجواب, أي: إن قمت قمت, ودلت أقوم على قمت.
ومثله: أنت ظالم إن فعلت, أي: إن فعلت ظلمت, فحذفت "ظلمت" ودل قولك: "أنت ظالم" عليه.
فأما1 قوله 2: فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت ... فطعنة لا غس ولا بمغمر3 فذهب أبو زيد إلى أنه أراد: إن ينج منها فلم أرقه, وقدم الجواب.
وهذا عند كافة أصحابنا غير جائز.
والقياس له دافع وعنه حاجز4, وذلك أن جواب الشرط مجزوم بنفس الشرط, ومحال تقدم المجزوم على جازمه, بل إذا كان الجار -وهو أقوى من الجازم؛ لأن عوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال- لا يجوز تقديم ما انجرَّ به عليه, كان ألّا يجوز تقديم5 المجزوم على جازمه أحرى وأجدر.
وإذا كان كذلك فقد وجب النظر في البيت.
ووجه القول عليه أن الفاء في قوله: "فلم أرقه" لا يخلو أن تكون معلقة بما قبلها أو زائدة, وأيهما كان فكأنه قال: لم أرقه إن ينج منها, وقد علم أن لم أفعل "نفي فعلت"6 وقد أنابوا فعلت عن جواب الشرط, وجعلوه دليلًا عليه في قوله 7:

يا حكم الوارث عن عبد الملك ... أوديت إن لم تحب حبو المعتنك1 أي: إن لم تحب أوديت.
فجعل "أوديت" المقدَّمة دليلًا على "أوديت هذه المؤخَّرة.
فكما جاز أن تجعل فعلت دليلًا على"2 جواب الشرط المحذوف, كذلك جعل نفيها الذي هو لم أفعل دليلًا على جوابه.
والعرب قد تجري الشيء مجرى نقيضه, كما تجريه مجرى نظيره؛ ألا تراهم قالوا: جوعان3؛ كما قالوا: شبعان, وقالوا: علم4؛ كما قالوا: جهل, وقالوا: كثر ما5 تقومنّ؛ كما قالوا: قلَّما تقومنّ.
وذهب الكسائي في قوله: إذا رضيت عليّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها6 إلى أنه عدَّى "رضيت" بعلى لما كان ضدّ سخطت, وسخطت مِمَّا يعدَّى بعلى, وهذا واضح.
وكان أبو علي يستحسنه من7 الكسائي, فكأنه قال: إن ينج منها ينج غير مرقيّ منها, وصار قوله: لم "أرقه" بدلًا من الجواب ودليلًا عليه.

فهذه وجوه التقديم والتأخير في كلام العرب.
وإن كنا تركنا منها شيئًا فإنه معلوم الحال ولاحق بما قدمناه.
وأما الفروق1 والفصول فمعلومة المواقع2 أيضًا.
فمن قبيح الفرق بين المضاف والمضاف إليه, والفصل بين الفعل والفاعل بالأجنبيّ, وهو دون الأول, ألا ترى إلى جواز الفصل بينهما بالظرف نحو قولك: كان فيك زيد راغبًا, وقُبح الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف؛ نحو قول الفرزدق: فلمّا للصلاة دعا المنادي ... نهضت وكنت منها في غرور3 وسترى ذلك. ويلحق بالفعل والفاعل في ذلك المبتدأ والخبر في قبح الفصل بينهما. " وعلى الجملة فكلَّما ازداد الجزءان اتصالًا قوي قُبْح الفصل بينهما"4.
فمن الفصول والتقديم والتأخير قوله: فقد والشك بَيَّن لي عناء ... بوشك فراقهم صُرَدٌ يصيح5

أراد: فقد بيَّن لي صُرَدٌ يصيح بوشك فراقهم, والشك عناء.
ففيه من الفصول ما أذكره.
وهو الفصل بين "قد" والفعل الذي هو1 بين.
" وهذا"2 قبيح لقوة اتصال "قد" بما تدخل عليه من الأفعال, ألا تراها تعتد مع الفعل كالجزء منه.
ولذلك دخلت اللام المراد بها توكيد الفعل على "قد", في نحو قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ 3 وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ 4 وقوله 5: ولقد أجمع رجالي بها ... حذر الموت وإني لفرور6 وفصل بين المبتدأ الذي هو الشكّ وبين الخبر الذي هو عناء بقوله: "بيَّن لي"، وفصل بين الفعل الذي هو "بيَّن" وبين فاعله الذي هو "صُرَدٌ" بخبر المبتدأ الذي هو "عناء"، وقدَّم قوله: "بوشك فراقهم" وهو معمول "يصيح", ويصيح صفة لصرد على صرد, وتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على موصوفها قبيح, ألا ترى أنك لا تجيز: هذا اليوم رجل ورد من موضع كذا؛ لأنك تريد: هذا رجل ورد اليوم من موضع كذا, وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع العامل, فكما لا يجوز تقديم الصفة على موصوفها كذلك لا يجوز تقديم ما اتَّصل بها على موصوفها, كما لا يجوز تقديم معمول المضاف إليه على نفس المضاف، لما7 لم يجز تقديم المضاف إليه عليه, ولذلك لم يجز قولك: القتال زيدًا حين تأتي, وأنت تريد: القتال حين تأتي زيدًا.

فمتى رأيت الشاعر قد1 ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها, وانخراق الأصول بها, فاعلم أن ذلك على ما جشمه منه وإن دلَّ من وجه على جوره وتعسفه, فإنه من وجه آخر مؤذِن بصياله وتخمطه2، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته, ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته.
بل مثله في ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام, ووارد الحرب الضروس1 حاسرًا من غير احتشام.
فهو وإن كان ملومًا في عنفه وتهالكه, فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته3؛ ألا تراه لا يجهل أن لو تكفر4 في سلاحه أو أعصم4 بلجام جواده لكان أقرب إلى النجاة وأبعد عن الملحاة5؛ لكنه جشم ما جشمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله إدلالًا بقوة طبعه ودلالة على شهامة6 نفسه.
ومثله سواءً ما يحكى عن بعض الأجواد أنه قال: أيرى7 البخلاء أننا لا نجد بأموالنا ما يجدون بأموالهم, لكنا نرى أن8 في9 الثناء بإنفاقها عوضًا9 من حفظها بإمساكها10.
ونحو منه قولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، وقول الآخر 10: لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفَّة من قوام العيش تكفيني فاعرف بما ذكرناه حال ما يرد في معناه, وأن الشاعر إذا أورد منه شيئًا فكأنه11

لأنسه بعلم غرضه وسفور مراده لم يرتكب صعبًا, ولا جشم إلّا أمما1، وافق بذلك قابلًا له, أو صادف غير آنس به, إلا أنه هو2 قد استرسل واثقًا, وبنى الأمر على أن ليس ملتبسًا.
ومن ذلك قوله: فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأنَّ قفرًا رسومها قلما3 أراد: فأصبحت بعد بهجتها قفرًا كأنَّ قلما خط رسومها, ففصل بين المضاف الذي هو "بعد"، والمضاف إليه الذي هو "بهجتها" بالفعل الذي هو "خط", وفصل أيضًا بخط بين "أصبحت" وخبرها الذي هو "قفرًا"، وفصل بين كأنّ واسمها الذي هو "قلَّما" بأجنبيين: أحدهما قفرًا, والآخر: رسومها4؛ ألا ترى أن رسومها4 مفعول خطَّ الذي هو خبر كأن, وأنت لا تجيز: كأن خبزًا زيدًا آكل.
بل إذا لم تجز الفصل بين الفعل والفاعل على قوة الفعل في نحو5 كانت زيدًا الحُمَّى تأخذ6, كان ألا تجيز الفصل بين كأن واسمها بمفعول فاعلها أجدر7.
نعم وأغلظ من ذا أنه قدَّم خبر كأنَّ عليها, وهو قوله: خطَّ, فهذا ونحوه مما لا يجوز لأحد قياس عليه.
غير أنَّ فيه ما قدمناه ذكره من8 سموّ الشاعر وتغطرفه9، وبأوه9، وتعجرفه9.
فاعرفه واجتنبه.
ومن ذلك بيت الكتاب: وما مثله في الناس إلا مملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه10 وحديث ما فيه معروف، فلندعه ولنعد عنه.

وأما1 قول الفرزدق: إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره2 فإنه مستقيم ولا3 خبط فيه, وذلك أنه أراد: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب, أي: ما أم أبيه من محارب, فقدَّم خبر الأب4 عليه، وهو جملة؛ كقولك: قام أخوها هند, ومررت بغلامهما5 أخواك.
وتقول على هذا: فِضَّته محرقة سرجها فرسك, تريد: فرسك سرجها فضته محرقة, ثم تقدَّم خبر السرج أيضًا عليه فتقول: فضته محرقة سرجها فرسك, فإن زدت على هذا شيئًا قلت: أكثرها محرق فضته سرجها فرسك, أردت: فرسك سرجها فضته أكثرها محرق, فقدَّمت الجملة التي هي خبر عن الفضة عليها, ونقلت الجمل عن مواضعها شيئًا فشيئًا, وطريق تجاوز هذا6 والزيادة في الأسماء والعوائد واضحة.
وفي الذي مضى منه كافٍ بإذن الله.
فأما قوله: معاوي لم ترع الأمانة فارعها ... وكن حافظًا لله والدين شاكر7 فإن "شاكر" هذه قبيلة.
أراد: لم ترع الأمانة شاكر فارعها, وكن حافظًا لله والدين.
فهذا شيء من الاعتراض, وقد قدمنا ذكره وعلة حسنه ووجه جوازه.

وأما قوله 1: يومًا تراها كمثل أردية العص ... ب ويومًا أديمها نِغَلا2 فإنه أراد: تراها يومًا كمثل أردية العصب, وأديمها يومًا آخر نغلا, ففصل بالظرف بين حرف العطف والمعطوف به على المنصوب من قبله, وهو "ها " من تراها.
وهذا أسهل من قراءة من قرأ ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ 3 إذا جعلت "يعقوب" في موضع جر, وعليه تلقّاه القوم من4 أنه مجرور الموضع.
وإنما كانت الآية أصعب مأخذًا من قِبَل أنَّ حرف العطف منها الذي هو الواو ناب عن الجار الذي هو الباء في قوله "بإسحاق"، وأقوى أحوال حرف العطف أن يكون في قوة العامل قبله, وأن يلي من العمل ما كان الأول يليه, والجار لا يجوز فصله من مجروره, وهو في الآية قد فُصِل بين الواو5 ويعقوب بقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ﴾ . والفصل بين الجار ومجروره لا يجوز, وهو أقبح منه بين المضاف والمضاف إليه.
وربما6 فرد الحرف منه فجاء منفورًا عنه؛ قال: لو كنت في خلقاء أو رأس شاهق ... وليس إلى منها النزول سبيل7

ففصل بين حرف الجر ومجروره بالظرف الذي هو "منها", وليس كذلك حرف العطف في قوله: ويومًا أديمها نغلا لأنه عطف على الناصب الذي هو ترى1, فكأن الواو أيضًا ناصبة, والفصل بين الناصب ومنصوبه ليس كالفصل بين الجار ومجروره.
وليس كذلك قوله 2: فصلقنا في مراد صلقة ... وصداء ألحقتهم بالثلل3 "فليس منه"4 لأنه لم يفصل بين حرف العطف وما عطفه5، وإنما فيه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالمصدر الذي هو "صلقة", وفيه أيضًا الفصل بين الموصوف الذي هو "صلقة" وصفته التي هي قوله "ألحقتهم بالثلل"6 بالمعطوف والحرف العاطفة, أعني قوله: وصداء, وقد جاء مثله أنشدنا 7: أمرّت من الكتّان خيطًا وأرسلت ... رسولًا إلى أخرى جريًّا يعينها أراد: وأرسلت إلى أخرى رسولًا جريًّا.

والأحسن عندي في يعقوب من قوله -عز اسمه: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فيمن فتح أن يكون في موضع نصب بفعل مضمر دلَّ عليه قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ أي: وآتيناها يعقوب, فإذا فعلت ذلك لم يكن فيه فصل بين الجار والمجرور.
فاعرفه.
فأما قوله: فليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفًا أميرها فحديثه طريف.
وذلك أنه -فيما ذكر- يمدح خالد بن الوليد ويهجو أسدًا, وكان أسد وليّها بعد خالد "قالوا فكأنه"1 قال: وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفًا؛ إذ كان أسد أميرها, ففي2 كان على هذا ضمير الشأن والحديث, والجملة بعدها التي هي "أسد أميرها" خبر عنها.
ففي هذا التنزيل أشياء: منها الفصل بين اسم كان الأولى وهو خالد, وبين خبرها الذي هو "سيفًا" بقوله: "بها أسد إذ كان" فهذا واحد.
وثانٍ: أنه قدَّم بعض ما "إذ" مضافة إليه وهو أسد عليها, وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح والفساد ما لا خفاء به ولا ارتياب, وفيه أيضًا أن "أسد" أحد جزأي الجملة المفسرة للضمير على شريطة التفسير, أعني: ما في3 كان منه.
وهذا الضمير لا يكون تفسيره إلّّّّا من بعده.
ولو تقدَّم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير, ولما سمَّاه الكوفيون الضمير4 المجهول.

فإن قلت: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 1 فقدَّم "إذا" وهي منصوبة ب"شاخصة", وإنما يجوز وقعوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل, فكأنه على هذا قال: فإذا هي2 شاخصة هي أبصار الذين كفروا, و"هي" ضمير القصة, وقد ترى كيف قدرت تقديم أحد الجزأين اللذين يفسرانها عليها, فكما جاز هذا "فكذلك يجوز"3 أيضًا أن يقدّم "أسد" على الضمير في "كان", وإن كان أسد أحد جزأي تفسير هذا الضمير.
قيل: الفرق أن الآية إنما تقدَّم4 فيها الظرف المتعلق عندك بأحد جزأي تفسير الضمير وهو5 شاخصة, والظرف مما يتسع الأمر6 فيه ولا تضيق مساحة7 التعذر8 له بأن تعلّقه بمحذوف يدل9 عليه شاخصة أو10 شاخصة أبصار الذين كفروا, كما تقول في أشياء كثيرة نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ 11

وقوله: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ 1 وقول الشاعر 2: وكنت أرى زيدًا كما قيل سيدًا ... إذا إنه عبد القفا واللهازم فيمن كسر إنّ.
وأمّا البيت فإنه قدّم فيه أحد الجزأين البتة وهو أسد.
وهذا ما لا3 يسمح به، "ولا يُطوى كشح"4 عليه.
وعلى أنه أيضًا قد يمكن أن تكون "كان" زائدة, فيصير تقديره: إذ أسد أميرها.
فليس في هذا أكثر من شيء واحد, وهو ما قدَّمنا ذكره من تقديم ما بعد "إذ" عليها وهي مضافة إليه.
وهذا أشبه من الأول, ألا ترى أنه إنما نعى على5 خراسان إذ أسد أميرها؛ لأنه إنما فضّل أيام خالد المنقضية بها على أيام أسد المشاهدة فيها, فلا حاجة به إذًا إلى "كان"؛ لأنه أمر حاضر مشاهد.
فأما "إذ" هذه فمتعلقة بأحد شيئين: إمّا بليس وحدها, وإما بما دلت عليه من غيرها, حتى كأنه قال: خالفت خراسان إذ أسد أميرها حالتها التي كانت عليه6 لها أيام ولاية خالد لها, على حد ما تقول فيما يضمّ7 للظروف "لتتناولها، وتصل"8 إليها.

جارٍ التحميل