باب في ترك الأخذ عن أهل المدر ك ما أخذ عن أهل الوبر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
...
بسم الله الرحمن الرحيم
باب في ترك الأخذ عن أهل المَدَرِ كما أُخِذَ عن أهل الوبر:
علّة امتناع ذلك ما عَرَضَ للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل, ولو عُلِمَ أن أهل مدينةٍ باقون على فصاحتهم1، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم, لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر.
وكذلك أيضًا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدَرِ من اضطراب الألسنة وخبالها وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها2، لوجب رفض لغتها وترك تلقي ما يَرِدُ عنها.
وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا؛ لأنا لا نكاد نرى بدويًّا فصيحًا.
وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك ويقدح فيه وينال ويغُضّ منه.
وقد كان طرأ علينا أحد من يدَّعي الفصاحة البدوية ويتباعد عن الضعفة3 الحضرية فتلقينا أكثر كلامه بالقبول له, وميزناه تمييزًا حَسُنَ4 في النفوس موقعه،
إلى أن أنشدني يومًا شعرًا لنفسه يقول في بعض قوافيه: أشئؤها1، وادأؤها2 "بوزن أشععها وأدععها"3 فجمع بين الهمزتين كما ترى, واستأنف من ذلك ما لا أصل له ولا قياس يسوغه.
نعم وأبدل إلى الهمز حرفًا لا حظَّ في الهمز له بضد ما يجب؛ لأنه لو التقت همزتان عن وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما, فكيف أن يقلب إلى الهمز قلبًا ساذجًا عن غير صنعة ما لا حظّ له في الهمز, ثم يحقق الهمزتين جميعًا! هذا ما لا يتيحه قياس ولا ورد بمثله سماع.
فإن قلت: فقد جاء عنهم خطائئ ورزائئ, ودريئة4 ودرائئ، ولفيئة5 ولفائئ, وأنشدوا قوله:
فإنك لا تدري متى الموت جائئ ... إليك ولا ما يحدث الله في غد6
قيل: أَجَلْ, قد جاء هذا, لكن الهمز الذي فيه عرض عن صحة صنعة, ألا ترى أن عين "فاعل" مما هي فيه حرف علة لا تأتي إلّا مهموزة نحو: قائم وبائع, فاجتمعت همزة "فاعل" "وهمزة لامه"7 فصححها بعضهم في بعض الاستعمال, وكذلك8 خطائئ وبابها: عرضت همزة "فعائل" عن وجوب؛ كهمزة سفائن ورسائل،
واللام مهموزة, فصحَّت في بعض الأحوال بعد وجوب اجتماع الهمزتين.
فأما أشئؤها وأدأؤها فليست الهمزتان فيهما بأصلين1, وكيف تكونان أصلين2 وليس لنا أصل عينه ولامه همزتان ولا كلاهما أيضًا عن وجوب.
فالناطق بذلك بصورة من جرَّ الفاعل أو رفع المضاف إليه, في أنه لا أصل يسوِّغه, ولا قياس يحتمله, ولا سماع ورد به.
وما كانت هذه سبيله وجب اطراحه والتوقف عن لغة من أورده.
وأنشدني أيضًا شعرًا لنفسه يقول فيه: كأن فاي.
. . فقوي في نفسي بذلك بعده عن الفصاحة وضعفه عن القياس الذي ركبه.
وذلك أن ياء المتكلم تكسر3 أبدًا ما قبلها, ونظير كسرة الصحيح كون هذه الأسماء الستة بالياء نحو: مررت بأخيك وفيك.
فكان قياسه أن يقول: "كأن فيَّ" بالياء كما يقول: "كأن غلامي".
ومثله سواءً ما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: كسرت فيّ، ولم يقل "فاي", وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ 4 ولم يقل: إن5 أباي.
وكيف يجوز إن أباي بالألف وأنت لا تقول: إن غلامي قائم, وإنما تقول: كأن غلامي بالكسر.
فكذلك تقول: "كأن فيّ" بالياء, وهذا واضح.
ولكن هذا الإنسان حمل بضعف قياسه قوله: "كأن فاي" على قوله: كأن فاه, وكأن فاك, وأَنْسى ما توجبه ياء المتكلم من كسر ما قبلها وجعله ياء.
فإن قلت: فكان يجب على هذا أن تقول: هذان غلاميّ, فتبدل ألف التثنية ياء لأنك تقول: هذا غلامي فتكسر الميم, قيل: هذا قياس لعمري, غير أنه عارضه قياس أقوى منه فتُرِكَ إليه.
وذلك أن التثنية ضرب من الكلام
قائم برأسه, مخالف للواحد والجميع1؛ ألا تراك تقول: هذا وهؤلاء, فتبني فيهما, فإذا صرت إلى التثنية جاء مجيء المعرب فقلت: هذان وهذين. وكذلك الذي والذين، فإذا صرت إلى التثنية قلت: اللذان، واللذين. وهذا واضح.
وعلى أن هذا الرجل الذي أومأت إليه من أمثل من رأيناه ممن جاءنا مجيئه, وتحلَّى عندنا حليته. فأما ما تحت ذلك من مرذول أقوال هذه الطوائف فأصغر حجمًا وأنزل قدرًا أن يُحْكَى في جملة ما يُثْنَّى2.
ومع هذا فإذا كانوا قد رووا3 أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلًا يلحن في كلامه فقال: "أرشدوا أخاكم, فإنه قد ضل"، ورووا4 أيضًا أن أحد ولاة عمر -رضي الله تعالى- عنه كتب إليه كتابًا لحن فيه, فكتب إليه عمر: أن قنع كاتبك سوطًا, وروي من حديث علي5 -رضي الله عنه- مع الأعرابي الذي أقرأه المقرئ: ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ 6 حتى قال الأعرابي: برئت من رسول الله7، فأنكر ذلك عليُّ -رضي الله عنه- ورسم لأبي الأسود من عمل النحو ما رسمه: ما لا8 يجهل موضعه, فكان [ما] 9 يروى من أغلاط الناس منذ ذاك إلى أن شاع
واستمرَّ فساد هذا الشأن مشهورًا1 ظاهرًا, فينبغي2 أن يستوحش من الأخذ عن كل أحد إلّا أن تقوى لغته وتشيع فصاحته.
وقد قال الفرَّاء في بعض كلامه: إلّا أن تسمع شيئًا من بدوي فصيح فتقوله.
وسمعت الشجري أبا عبد الله غير دفعة يفتح الحرف الحلقي في نحو: "يعدو"3 و"هو محموم" ولم أسمعها4 من غيره من عُقَيل, فقد كان يرد علينا منهم من يؤنس به ولا يبعد عن الأخذ بلغته.
وما أظن الشجري إلّا استهواه كثرة5 ما جاء عنهم من تحريك الحرف6 الحلقي بالفتح إذا انفتح ما قبله في الاسم على مذهب البغداديين؛ نحو قول كُثَيِّر:
له نَعَل لا تطبّي الكلب ريحها ... وإن جُعِلَت وسط المجالس شُمَّتِ7
وقول أبي النجم:
وجبلًا طال معدًا فاشمخرَّ ... أشمّ لا يسطِيعه الناس الدّهر8
وهذا قد قاسه الكوفيون, وإن كنا نحن لا نراه قياسًا, لكن مثل "يعدو وهو محموم"1 لم يرو عنهم فيما علمت.
فإياك أن تَخْلُد إلى كل ما تسمعه, بل تأمل حال مورده, وكيف موقعه من الفصاحة, فاحكم عليه وله2.