باب في التجريد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
اعلم أن هذا فصل من فصول العربية طريف حسن, ورأيت أبا علي -رحمه الله- به غريًا1 معنيًا، ولم "يفرد له"2 بابًا, لكنه وسمه في بعض ألفاظه بهذه السمة، فاستقريتها3 منه وأنقت لها.
ومعناه أن "العرب قد تعتقد"4 أن5
في الشيء من نفسه معنى آخر, كأنه حقيقته ومحصوله.
وقد يجري1 ذلك إلى ألفاظها لما عقدت عليه معانيها.
وذلك نحو قولهم: لئن لقيت زيدًا2 لتلقين منه الأسد, ولئن سألته لتسئلن منه البحر.
فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسدًا وبحرًا, وهو عينه هو الأسد والبحر "لا3 أن" هناك شيئًا منفصلًا عنه وممتازًا منه.
وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه، حتى كأنها تقابله أو4 تخاطبه.
ومنه قول الأعشى:
وهل تطيق وداعًا أيها الرجل5
وهو الرجل نفسه لا غيره, وعليه قراءة من قرأ: "قَالَ اعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"6 أي: اعلم أيها الإنسان, وهو نفسه7 الإنسان, وقال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ 8 وهي نفسها "دار الخلد"9.
وقال الأعشى:
لات هنا ذكرى جبيرة أم من ... جاء منها بطائف الأهوال10
وهي نفسها الجائية بطائف الأهوال.
وقد تستعمل الباء هنا فتقول: لقيت به الأسد, وجاورت به البحر, أي: لقيت بلقائي إياه الأسد.
ومنه مسألة1 الكتاب: أما أبوك فلك أب, أي: لك منه أو به أو2 بمكانه أب3.
وأنشدنا:
أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل4
وهذا غاية البيان والكشف, ألا ترى أنه لا يجوز أن يعتقد أن الله سبحانه ظرف لشيء ولا متضمن له، فهو إذًا على حذف المضاف، أي: في عدل الله عدل حكم عدل.
" وأنشدنا:
بنزوة لص بعد ما مرّ مصعب ... بأشعت لا يفلَى ولا يقمل5
ومصعب نفسه هو الأشعت"6.
وأنشدنا:
جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر7
وهي نفسها اليعفور, ولعيه جاء قوله:
يا نفس صبرًا كل حي لاق ... وكل اثنين إلى افتراق
وقول الآخر 1:
قالت له النفس إني لا أرى طمعًا ... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد
وقول الآخر 2:
أقول للنفس تأساءً وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد
وأما3 قوله -عزَّ اسمه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ 4 فليس من ذا، بل النفس هنا جنس, وهو5 كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ 6 ونحوه7.
وقد دعا تردد هذا الموضع على الأسماع، ومحادثته8 الأفهام9، أن ذهب قوم10 إلى أن الإنسان هو معنى ملتبس بهذا الهيكل الذي يراه11، ملاق له, وهذا الظاهر مماس لذلك الباطن, كل جزء منه منطوٍ عليه ومحيط به.