باب في تجاذب المعاني والإعراب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
هذا موضع كان أبو علي -رحمه الله- يعتاده، ويلم كثيرا به، ويبعث على المراجعة له، وإلطاف النظر فيه.
وذلك أنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم الإعراب والمعنى متجاذبين: هذا يدعوك إلى أمر، وهذا يمنعك منه.
فمتى اعتورا كلاما1 ما أمسكت بعروة المعنى وارتحت لتصحيح الإعراب.
فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ 2، فمعنى هذا: إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، فإن حملته في الإعراب على هذا كان
خطأ؛ لفصلك بين الظرف الذي هو "يوم تبلى"، وبين ما هو معلق به من المصدر الذي هو الرجع، والظرف من صلته، والفصل بين الصلة والموصول الأجنبي أمر1 لا يجوز.
فإذا كان المعنى مقتضيا له والإعراب مانعا2 منه، احتلت له، بأن تضمر ناصبا يتناول الظرف، ويكون المصدر الملفوظ به دالًا على ذلك الفعل حتى كأنه قال3 فيما بعد: يرجعه يوم تبلى السرائر.
ودل "رجعه" على "يرجعه" دلالة المصدر على فعله.
ونحوه4 قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ 5 فـ"إذ" هذه في المعنى متعلقة بنفس قوله: لمقت الله، أي يقال لهم: لمقت الله إياكم وقت دعائكم إلى الإيمان فكفركم، أكبر من مقتكم أنفسكم الآن؛ إلا أنك إن حملت الأمر على هذا كان فيه الفصل بين الصلة التي هي إذ وبين الموصول الذي هو لمقت6 الله.
فإذا كان المعنى عليه ومنع جانب الإعراب منه أضمرت ناصبا يتناول الظرف ويدل المصدر عليه، حتى كأنه قال بأخرة: مقتكنم إذ تدعون.
وإذا كان هذا ونحوه وقد جاء في القرآن فما أكثره وأوسعه في الشعر! فمن ذلك ما أنشده أبو الحسن من قوله:
لسنا كمن حلت إيادٍ دارها ... تكريت ترقب حبها أن يحصدا7
فـ"إيادٍ" بدل مِن "مَن"، وإذا كان كذلك لم يمكنك أن تنصب "دارها" بـ "حلت" هذه الظاهرة؛ لما فيه من الفصل، فحينئذ1 ما تضمر2 له فعلا يتناوله، فكأنه قال فيما بعد: حلت دارها.
وإذا جازت دلالة المصدر على فعله، والفعل على مصدره، كانت دلالة الفعل3 على الفعل الذي هو مثله، أدنى4 إلى الجواز وأقرب مأخذا في الاستعمال.
ومثله قول الكميت في ناقته:
كذلك تيك وكالناظرات ... صواحبها ما يرى المسحل5
أي وكالناظرات ما يرى المسحل صواحبها.
فإن حملته على هذا كان فيه الفصل المكروه.
فإذا كان المعنى عليه، ومنع طريق الإعراب منه أضمر له ما يتناوله، ودل "الناظرات" على ذلك المضمر.
فكأنه قال فيما بعد: نظرن6 ما يرى المسحل، ألا تراك لو قلت: كالضارب زيدٌ جعفرا وأنت تريد: كالضارب جعفرا زيد لم يجز؛ كما أنك لو قلت: إنك على صومك لقادر شهر رمضان وأنت تريد: إنك على صومك شهر رمضان لقادر لم يجز شيء من ذلك للفصل.
وما أكثر استعمال الناس لهذا الموضع في محاوراتهم وتصرف الأنحاء "في كلامهم"7! وأحد من اجتاز به البحتري في قوله:
لا هناك الشغل الجديد بحزوى ... عن رسوم برامتين قفار8
فـ"عن" في المعنى متعلقة "بالشغل"1 أي لا هناك الشغل عن هذه الأماكن؛ إلا أن الإعراب مانع منه، وإن كان المعنى متقاضيا له.
وذلك أن قوله "الجديد" صفة للشغل، والصفة إذا جرت على الموصوف2 آذنت بتمامه، وانقضاء أجزائه.
فإن ذهبت تعلق "عن" بنفس "الشغل" على ظاهر المعنى، كان فيه الفصل بين الموصول وصلته، وهذا فاسد، ألا تراك لو قلت: عجبت من ضربك الشديد عمرا لم يجز، لأنك وصفت المصدر وقد بقيت منه بقية، فكان ذلك فصلا بين الموصول وصلته بصفته.
وصحتها أن تقول: عجبت من ضربك الشديد عمرا؛ لأنه مفعول الضرب وتنصب عمرا بدلا من الشديد كقولك: مررت بالظريف عمروٍ، ونظرت إلى الكريم جعفر.
فإن أردت أن تصف المصدر بعد إعمالك إياه قلت: عجبت من ضربك الشديد عمرا الضعيف، أي عجبت من أن ضربت هذا الشديد ضربا ضعيفا.
هذا تفسير المعنى.
وهذا الموضع من هذا العلم كثير في الشعر القديم والمولد.
فإذا3 اجتاز بك شيء منه فقد عرفت طريق القول فيه، والرفق به إلى أن يأخذ4 مأخذه بإذن الله تعالى.
ومنه قول الحطيئة:
أزمعت يأسًا مبينا من نوالكم ... ولن ترى طاردا للحر كالياس5
أي يأسًا من نوالكم مبينا.
فلا يجوز أن يكون قوله: "من نوالكم" متعلقا بيأس وقد وصفه1 بمبين، وإن كان المعنى يقتضيه؛ لأن الإعراب مانع منه.
لكن تضمر له حتى كأنك قلت: يئست من نوالكم.
ومن تجاذب الإعراب والمعنى ما جرى من المصادر وصفا؛ نحو قولك: هذا رجل دنف، وقوم رضا ورجل عدل.
فإن وصفته بالصفة الصريحة قلت: رجل دنف، وقوم مرضيون، ورجل عادل.
هذا هو الأصل.
وإنما انصرفت العرب عنه في بعض الأحوال إلى أن وصفت بالمصدر لأمرين: أحدهما صناعي، والآخر معنوي.
أما الصناعي فليزيدك أنسا بشبه المصدر للصفة التي أوقعته موقعها، كما أوقعت الصفة موقع المصدر، في نحو2 قولك3: أقائمًا والناس قعود "أي تقوم قياما والناس قعود"4 ونحو ذلك.
وأما المعنوي فلأنه إذا وصف بالمصدر صار الموصوف كأنه في الحقيقة مخلوق من ذلك الفعل.
وذلك لكثرة تعاطيه له واعتياده5 إياه.
ويدل على أن هذا معنى لهم، ومتصور في نفوسهم6 قوله "فيما أنشدناه"7:
ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل ... وضنت علينا والضنين من البخل8
أي كأنه مخلوق من البخل لكثرة ما يأتي به9 منه.
ومنه10 قول الآخر:
وهن من الإخلاف والولعان11
وقوله:
وهن من الإخلاف بعدك والمطل12
وأصل هذا الباب عندي قول الله -عز وجل: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ 13. وقد ذكرنا هذا الفصل فيما مضى.
فقولك إذًا: هذا رجل دنف "بكسر النون"14 أقوى إعرابا؛ لأنه هو الصفة المحضة غير المتجوزة15.
وقولك: رجل دنف أقوى معنى؛ لما ذكرناه: من كونه كأنه مخلوق من ذلك الفعل.
وهذا معنى لا تجده، ولا تتمكن منه مع الصفة الصريحة.
فهذا16 وجه تجاذب الإعراب والمعنى؛ فاعرفه وأمض الحكم فيه على أي الأمرين شئت.