باب في تعليق الأعلام على المعاني دون الأعيان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
هذا باب من العربية غريب الحديث, أراناه أبو علي -رحمه الله تعالى, وقد كنت شرحت حاله في صدر1 تفسيري أسماء شعراء الحماسة بما فيه مقنع, إلّا أنا أردنا ألّا نخلّي كتابنا هذا منه؛ لإغرابه وحسن التنبيه عليه.
اعلم أن الأعلام أكثر وقوعها في كلامهم إنما هو على الأعيان دون المعاني.
الأعيان هي الأشخاص نحو: زيد وجعفر وأبي محمد "وأبي القاسم"2، وعبد الله, وذي النون وذي يزن, وأعوج "وسبل"2، والوجيه ولاحق وعلوي3، وعتوة3، والجديل، "وشدقم"3 وعُمَان، ونجران4، والحجاز والعراق والنجم والدبران, والثريا، وبرقع5، والجرباء5.
ومنه محوة للشمال؛ لأنها على كل حال جسم وإن لم تكن مرئية.
وكما جاءت الأعلام في الأعيان, فكذلك أيضًا قد جاءت في المعاني نحو قوله 6:
أقول لمّا جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر
فسبحان "اسم"7 علم لمعنى8 البراءة والتنزيه, بمنزلة عثمان وحمران.
ومنه1 قوله:
وإن قال غاو من تنوخ قصيدة ... بها جربٌ عدت عليّ بزوبرا
سألت أبا علي عن ترك صرف "زوبر" فقال: علّقه علمًا على القصيدة, فاجتمع فيه التعريف والتأنيث, كما اجتمع في سبحان التعريف والألف والنون.
ومنه -فيما ذكره أبو علي- ما حكاه أبو زيد من قولهم: كان ذلك الفينة, وفينة, وندرى, والندرى. فهذا مما اعتقب عليه تعريفان: العلمية والألف واللام, وهو كقولك: شعوب, والشعوب للمنية. " وعروبة, والعروبة"2.
كما أنَّ الأول كقولك: في الفرط والحين. " ومثله غدوة, جعلوها علمًا للوقت"3.
وكذلك أعلام الزمان نحو: صفر ورجب وبقية الشهور, "وأول وأهون وجبار, وبقية تلك الأسماء"3.
ومنه أسماء الأعداد كقولك: ثلاثة نصف ستة, وثمانية ضعف أربعة, إذا أردت قدر العدد لا نفس المعدود, فصار هذا اللفظ علمًا لهذا المعنى.
ومنه4 ما أنشده صاحب الكتاب من قوله 5:
أنا اقتسمنا خُطَّتينا بيننا ... فحملت برّة واحتملت فجار
فبرّة اسم علم لمعنى البرِّ, فلذلك لم يصرف للتعريف والتأنيث.
وعن مثله عُدِل فجار, أي: عن فجرة.
وهي علم غير مصروف, كما أن برّة كذلك.
وقول1 سيبويه: إنها معدولة عن الفجرة تفسير على2 طريق المعنى لا على3 طريق اللفظ.
وذلك أنه أراد أن يعرف أنه معدول عن فجرة علمًا, ولم تستعمل تلك علمًا, فيريك ذلك, فعدل عن لفظ العلمية المراد إلى لفظ التعريف فيها المعتاد.
وكذلك لو عدلت عن برّة هذه لقلت: برار, كما قال: فجار.
وشاهد ذلك أنهم عدلوا حذام وقطام عن حاذمة وقاطمة, وهما عَلَمان, فكذلك يجب أن تكون فَجَارِ معدولة عن فَفْرَة علمًا أيضًا.
ومن الأعلام المعلَّقة على المعاني ما استعمله النحويون في عباراتهم من المثل المقابل بها الممثّلات, نحو قولهم: "أفعل" إذا أرادت به الوصف, وله "فعلاء" لم تصرف.
فلا4 تصرف أنت "أفعل" هذه من حيث صارت علمًا لهذا المثال نحو: أحمر وأصفر وأسود وأبيض.
فتجري5 "أفعل" هذا مجرى أحمد وأصرم علمين.
وتقول: "فاعلة" لا تنصرف معرفة, وتنصرف نكرة.
فلا تصرف "فاعلة"؛ لأنها علم لهذا الوزن, فجرت مجرى فاطمة وعاتكة.
وتقول: "فعلان" إذا كانت له فَعْلَى, فإنه لا ينصرف معرفة ولا نكرة.
فلا تصرف فعلان هذا؛ لأنه عَلَم لهذا الوزن بمنزلة حَمْدان وقحطان.
وتقول: وزن طلحة "فَعْلة" ومثال عَبَيْثُرَان "فَعَيْلُلان" ومثال إسحارّ6 "إفعالّ" ووزن إستبرق "إستفعل", ووزن طريفة "فعيلة".
وكذلك جميع ما جاء من هذا الطرز.
وتقول: وزن إبراهيم "فعلاليل" فتصرف هذا المثال؛ لأنه لا مانع له من الصرف،
ألا ترى أنه ليس فيه أكثر من التعريف, والسبب الواحد لا يمنع الصرف.
ولا تصرف إبراهيم للتعريف والعجمة.
وكذلك وزن جبرئيل "فعلئيل" فلا تصرف جبرئيل, وتصرف مثاله.
والهمزة فيه زائدة لقولهم: جبريل.
وتقول: مثال جعفر "فعلل" فتصرفهما جميعًا؛ لأنه ليس في كل واحد منهما أكثر من التعريف.
وقد1 يجوز إذا قيل لك ما مثال "أَفْكَلٍ" أن تقول: مثاله: "أفعلٍ", فتصرفه حكاية لصرف أفكلٍ كما جررته حكاية لجره؛ ألا تراك إذا قيل لك: ما مثال ضرب قلت: فُعِل فتحكى في المثال بناء ضرب, فتبنيه كما بنيت مثال المبنيّ, كذلك حكيت إعراب أفكلٍ وتنوينه, فقلت في جواب ما مثال أفكلٍ: مثاله أفعلٍ فجررت كما صرفت.
فاعرف ذلك.
ومن ذلك قولهم: قد صرّحت2 بِجدّانَ وجلدانَ.
فهذا3 علم لمعنى الجِدّ.
ومنه قولهم: أتى على ذي بليان.
فهذا علم للبعد4؛ قال:
تنام ويذهب الأقوامُ حتى ... يقالَ أتوا على ذي بِلِّيان5
فإن قلت: ولم قلت الأعلام في المعاني، وكثرت في الأعيان، نحو: زيد وجعفر، وجميع ما علق عليه علم وهو شخص؟ قيل: لأن الأعيان أظهر للحاسَّة وأبدى إلى المشاهدة، فكانت6 أشبه بالعلمية مما لا يرى ولا يشاهد حسًّا7، وإنما يعلم تأمّلًا واستدلالًا، وليست كمعلوم8 الضرورة للمشاهدة.