باب في الدلالة اللفظية والصناعية والمعنوية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
اعلم أن كل واحد1 من هذه الدلائل معتد مراعىً مؤثر؛ إلا أنها في القوة والضعف على ثلاث مراتب:
فأقواهن الدلالة اللفظية ثم تليها الصناعية ثم تليها المعنوية.
ولنذكر من ذلك ما يصح به الغرض.
فمنه جميع الأفعال.
ففي كل واحد منها الأدلة الثلاثة.
ألا ترى إلى قام و"دلالة لفظه على مصدره"2 ودلالة بنائه على زمانه، ودلالة معناه على فاعله.
فهذه ثلاث دلائل من لفظه وصيغته ومعناه.
وإنما كانت الدلالة الصناعية أقوى من المعنوية من قبل أنها وإن لم تكن لفظًا فإنها3 صورة يحملها اللفظ.
ويخرج عليها ويستقر على المثال المعتزم بها.
فلما كانت كذلك لحقت بحكمه وجرت مجرى اللفظ المنطوق به فدخلا بذلك في باب المعلوم بالمشاهدة.
وأما المعنى فإنما دلالته لاحقة بعلوم4 الاستدلال، وليست في حيز الضروريات5؛ ألا تراك حين تسمع ضرب قد عرفت حدثه وزمانه ثم تنظر فيما بعد فتقول: هذا فعل، ولا بد6 له من فاعل، فليت شعري من هو؟ وما هو؟ فتبحث حينئذ إلى أن تعلم الفاعل من7 هو وما حاله8، من موضع آخر لا من مسموع ضرب؛ ألا ترى أنه
يصلح أن يكون فاعله كل مذكر يصح منه1 الفعل، مجملًا غير مفصل.
فقولك: ضرب زيد، وضرب عمرو وضرب جعفر ونحو ذلك شرع سواء وليس لضرب بأحد الفاعلين هؤلاء "ولا"2 غيرهم خصوص ليس له بصاحبه؛ كما يخص بالضرب دون غيره من الأحداث، وبالماضي دون غيره من الأبنية.
ولو كنت إنما تستفيد الفاعل "من3 لفظ" ضرب لا معناه للزمك إذا قلت: قام أن تختلف دلالتهما على الفاعل لاختلاف لفظيهما، كما اختلفت دلالتهما على الحدث لاختلاف لفظيهما، وليس الأمر في هذا كذلك، بل دلالة ضرب على الفاعل كدلالة قام وقعد وأكل وشرب وانطلق واستخرج عليه لا فرق بين جميع ذلك.
فقد علمت أن دلالة المثال على الفاعل من جهة معناه، لا4 من جهة لفظه، ألا ترى أن كل واحد من هذه الأفعال وغيرها يحتاج5 إلى الفاعل حاجة واحدة، وهو استقلاله به، وانتسابه إليه، وحدوثه عنه أو كونه6 بمنزلة الحادث عنه، على ما هو مبينٌ في باب الفاعل.
وكان أبو علي يقوي قول أبي الحسن في نحو قولهم: إني لأمر بالرجل مثلك: إن اللام زائدة حتى كأنه قال: إني لأمر برجل مثلك، لما لم يكن الرجل هنا مقصودًا معينًا على قول الخليل: إنه تراد7 اللام في المثل، حتى كأنه قال: إني لأمر بالرجل المثل لك، أو نحو ذلك؛ قال8: لأن الدلالة
اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية، أي أن اللام "في قول أبي الحسن"1 ملفوظ بها، وهي في قول الخليل مرادة مقدرة.
واعلم أن هذا القول من أبي علي غير مرضي عندي؛ لما أذكره لك.
وذلك أنه جعل لفظ اللام دلالة على زيادتها وهذا محال2، وكيف يكون لفظ الشيء دلالة على زيادته وإنما جعلت الألفاظ أدلة على إثبات معانيها، لا3 على سلبها، وإنما الذي يدل على زيادة اللام هو كونه مبهمًا لا مخصوصًا؛ ألا ترى أنك لا تفصل بين معنيي قولك: إني لأمر بالرجل مثلك، وإني لأمر برجل مثلم في كون كل واحد منهما منكورًا4 غير معروف ولا مومأ به3 إلى شيء بعينه فالدلالة أيضًا من هذا الوجه "كما ترى"5 معنوية؛ كما أن إرادة الخليل اللام في "مثلك" إنما دعا إليها جريه صفة على شيء هو في اللفظ معرفة، فالدلالتان إذًا كلتاهما معنويتان.
ومن ذلك قولهم للسلم6: مرقاة وللدرجة7 مرقاة فنفس اللفظ يدل8 على الحدث الذي هو الرقي، وكسر9 الميم يدل على أنها مما10 ينقل ويعتمل11 عليه12 وبه كالمطرقة والمئزر والمنجل13، وفتحة ميم مرقاة تدل14 على أنه مستقر في موضعه،
كالمنارة والمثابة1.
ولو كانت المنارة مما يجوز كسر ميمها لوجب تصحيح عينها وأن تقول فيها2: منورة "لأنه3 كانت" تكون حينئذ منقوصة، من مثال مفعال؛ كمروحة ومسورة4 ومعول ومجول5، فنفس "ر ق ي" يفيد معنى الارتقاء و"كسرة الميم وفتحتها تدلان"6 على ما قدمناه: من معنى الثبات أو الانتقال.
وكذلك الضرب والقتل: نفس اللفظ يفيد الحدث فيهما ونفس الصيغة تفيد فيهما صلاحهما للأزمنة الثلاثة على ما نقوله في المصادر.
وكذلك اسم الفاعل -نحو قائم وقاعد- لفظه يفيد الحدث الذي هو7 القيام والقعود وصيغته وبناؤه يفيد كونه صاحب الفعل.
وكذلك قطع وكسر، فنفس اللفظ ههنا8 يفيد معنى الحدث، وصورته تفيد شيئين: أحدهما الماضي، والآخر تكثير الفعل؛ كما أن ضارب يفيد بلفظه الحدث، وببنائه الماضي وكون الفعل من اثنين وبمعناه على9 أن له فاعلًا.
فتلك أربعة معانٍ.
فاعرف ذلك إلى ما يليه، فإنه كثير، لكن هذه طريقه.