الخصائصباب في اتفاق المصاير؛ على 1 اختلاف المصادر:

باب في اتفاق المصاير؛ على 1 اختلاف المصادر:

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

من ذلك اسم الفاعل والمفعول في "افتعل" مما عينه معتلة, أو ما فيه تضعيف.
فالمعتل نحو قولك: اختار فهو مختار, واختير فهو مختار: الفاعل والمفعول واحد لفظًا, غير أنهما مختلفان تقديرًا, ألا ترى أن أصل الفاعل "مختِير" بكسر العين, وأصل المفعول "مختَير" بفتحها.
وكذلك هذا رجل معتاد للخير, وهذا أمر معتاد, وهذا فرس مقتاد إذا قاده صاحبه الصاحب مقتاد له.
وأما المدغم فنحو قولك: أنا معتدّ لك بكذا وكذا, وهذا أمر معتَدّ به.
فأصل الفاعل "معتِدد" كمقتطع وأصل المفعول "معتَدد" كمقتَطع.
ومثله هذا1

فرس مستن لنشاطه, وهذا مكان مستن فيه, إذا استلّت1 فيه2 الخيل, ومنه قولهم: "استنّت الفصال حتى القَرْعى "3. وكذلك افعَلَّ وافعالَّ من المضاعف أيضًا؛ نحو: هذا بسر محمرّ ومحمارّ, وهذا وقت محمر فيه ومحمار فيه.
فأصل الفاعل محمِرر ومحمارِر مكسور العين, وأصل المفعول محمَرر ومحارَر فيه مفتوحها.
وليس كذلك اسم الفاعل والمفعول في افعلّ وأفعال "إذا ضعف فيه حرفا علة"4, بل ينفصل فيه اسم الفاعل من اسم المفعول عندنا, وذلك قولك: هذا رجل مُرْعَوٍ وأمر مُرْعَوى إليه, وهذا رجل مًغَزاوٍ وهذا وقت مُغْزَاوًى فيه5؛ لكنه على مذهب الكوفيين لا فرق بينهما؛ لأنهم يدغمون هذا النحو من مضاعف المعتل, ويجرونه مجرى الصحيح, فيقولون: اغزوا يغزاو, واغزوَّ يغزوّ.
واستشهد أبو الحسن على فساد مذهبهم بقول العرب: أرعوى.
قال: ولم يقولوا: أرعوَّ.
ومثله من كلامهم قول يزيد بن الحكم -أنشدنيه أبو علي وقرأته في القصيدة عليه: تبدّل خليلًا بي كشكلك شكله ... فإني خليلًا صالحًا بك مُقْتَوِى6 فهذا عندنا مُفْعِّل من القنو, وهو المراعاة والخدمة كقوله: إني امرؤ من بني خزيمة لا ... أحسن قتو الملوك والحفدا7

وفيها1 أيضًا: مُدْحَوِى، وفيها أيضًا مُحْجَوِى: فهذا كله مُفْعَل كما تراه غير مدغم.
وانفعل في المضاعف كافتعل, نحو قولك: هذا أمر منحل, ومكان منحل فيه، ويوم منحل فيه، أي: تنحل2 فيهما الأمور.
فهذا طرف3 من هذا النحو.
ومن ذلك قولك في تخفيف "فُعْل" من جئت على قول الخليل وأبي الحسن تقول في القولين جميعًا: جي، غير أن هذين الفرعين المتفقين التقيا عن أصلين مختلفين.
وذلك أن الخليل يقول في "فُعْل" من جئت: جيء كقوله فيه من بِعْت بِيعٌ.
وأصل الفاء عنده الضم, لكنه كسرها لئلّا تنقلب الياء واوًا, فيلزمه أن يقول: بُوع.
ويستدل على ذلك بقول العرب في جمع أبيض وبيضاء: بيض.
وكذلك "عين" تكسير ًاعْيَن وعَيْناء، و"شِيم" في أشيم4 وشيماء.
وأبو الحسن يخالفه فيقر الضمة في الفاء فيبدل لها العين واوًا فيقول: بُوع وجُوء.
فإذا5 خففا جميعًا صارا إلى جُيٍ لا غير.
فأما الخليل فيقول: إذا تحركت العين بحركة الهمزة الملقاة عليها فقويت رددت ضمة الفاء لأغنى6 على العين القلب فأقول: جيٌ, وأما أبو الحسن فيقول: إنما كنت قلت: جُوء فقلبت العين واوًا لمكان الضمة

قبلها وسكونها، فإذا قويت1 بالحركة الملقاة عليها تحصنت فحمت نفسها من القلب, فأقول: جَيٌ.
أفلا ترى إلى ما ارتمى إليه الفرعان من الوفاق بعد ما كان عليه الأصلان من الخلاف.
وهذا ظاهر.
ومن ذلك قولك في الإضافة إلى مائة في قول سيبويه ويونس جميعًا فيمن ردَّ اللام: مئوي كمعوي, فتوافى اللفظان على أصلين مختلفين.
ووجه ذلك أن مائة أصلها عند الجماعة مِئية ساكنة العين, فلما حذفت اللام تخفيفًا جاورت العين تاء التأنيث فانفتحت على العادة, والعرف في ذلك فقيل: مئة.
فإذا رددت اللام فمذهب سيبويه أن يقرّ2 العين بحالها متحركة, وقد كانت قبل الرد مفتوحة فتقلب لها اللام ألفًا فيصير تقديرها 3: مِئا كمِعَى4, فإذا أضفت إليها أبدلت الألف واوا فقلت: مئوي كثنوي.
وأما مذهب يونس فإنه كان إذا نسب إلى فَعْلة أو فعْلة مما لامه ياء أجراه مجرى ما أصله فَعِلة, ألا تراه كيف كان يقول في الإضافة إلى ظَبْية: ظَبوَي, ويحتج بقول العرب في النسب إلى بطية 5: بِطَوِيّ, وإلى زنية: زِنَوِيّ, فقياس هذا أن تجري مائة -وإن كانت فِعْلة- مجرى فِعِلة فتقول فيها: مِئَوىّ.
فيتفق اللفظان من أصلين مختلفين.
ومن ذلك أن تبنى من قلت ونحوه فُعُلا, فتسكن عينه استثقالًا للضمة فيها فتقول: "فُولُ" كما يقول أهل الحجاز في تكسير عَوَان ونَوَار: عُون ونُور, فيسكنون, وإن كانوا يقولون: رُسُل وكُتُب بالتحريك.
فهذا حديث فُعُل من باب قلت.
وكذلك فُعْل منه أيضًا قُول فيتفق فُعُل وفُعْل, فيخرجان6 على لفظ متفق عن أول مختلف.
وكذلك فِعْل من باب بعت, وفُعْل في قول الخليل وسيبويه: تقول7 فيهما جميعًا8

بيع.
وسألت أبا عليّ -رحمه الله- فقلت: لو أردنا فُعْلات مما عينه ياء لا نريد بها أن تكون جارية على فِعْلة كتينة وتينات1؟ فقال: أقول على هذا الشرط: تونات, وأجراها لبعدها عن الطرف مُجرى واو عُوطَطٍ2.
ومن ذلك أن تبنى من غَزَوت مثل إصبُع بضم الباء فتقول: إغزٍ.
وكذلك إن أردت مثل إصبع, قلت أيضًا: إغز.
فيستوي لفظ إفعُل ولفظ إفْعِل.
وذلك أنك تبدل من الضمة قبل الواو كسرة فتقلبها ياء، فيستوي حينئذ لفظها ولفظ إفِعل.
وإِصْبُع، وإن كانت مستكَرهة لخروجك من كسر إلى ضم بناء لازمًا، محكية؛ تروى عن متقدمي3 أصحابنا.
وما يخرج إلى لفظ واحد عن أصلين مختلفين كثير, لكن هذا مذهبه وطريقه فاعرفه وقسه.
ومن ذلك قولك في جمع تعزية وتعزوة4 جميعًا: تَعَازٍ "وكذلك اللفظ بمصدر تعازَينا أي: عَزَّى بعضًنا بعضًا: تعاز"5 يا فتى.
فهذه تفاعُل كتضارُب وتحاسد, وأصلها تعازوٌ ثم تعازِى ثم تعازٍ.
فأما6 "تعازٍ" في الجمع فأصل عينها الكسر كتتافِل وتناضِب، جمع تتفُل7 وتَنْضُبٍ8.
ونظائره كثيرة.

جارٍ التحميل