باب في هذه اللغة: أفي وقت واحد وضعت أم تلاحق تابع منهابفارط:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
قد تقدَّم في أول1 الكتاب القول على2 اللغة: أتواضع هي أم إلهام.
وحكينا وجوَّزنا فيها الأمرين جميعًا.
وكيف تصرفت الحال, وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها, فإنها لا بُدَّ أن يكون3 وقع في أول الأمر بعضها, ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه لحضور الداعي إليه, فزيد فيها شيئًا فشيئًا, إلّا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليفه وإعرابه المبين عن معانيه لا يخالف الثاني الأول،
ولا الثالث الثاني, كذلك متصلًا متتابعًا1.
وليس أحد من العرب الفصحاء إلّا يقول: إنه يحكي كلام أبيه وسلفه, ويتوارثونه2 آخر عن أول, وتابع عن متَّبَع.
وليس كذلك أهل الحضر؛ لأنهم يتظاهرون3 بينهم بأنهم قد تركوا وخالفوا كلام من ينتسب إلى اللغة العربية الفصيحة.
غير أن كلام أهل الحضر مضاهٍ4 لكلام فصحاء العرب في حروفهم وتأليفهم, إلّا أنهم أخلّوا بأشياء من إعراب الكلام الفصيح.
وهذا رأي أبي الحسن وهو الصواب.
وذهب إلى أنَّ اختلاف لغات العرب إنما أتاها من قبل أنَّ أول ما وضع منها وضع على خلاف, وإن كان كله مسوقًا على صحة وقياس, ثم أحدثوا من بعد أشياء كثيرة للحاجة إليها, غير أنها على قياس ما كان وضع في الأصل مختلفًا, وإن كان كل واحد آخذًا5 من صحة القياس حظًّا.
ويجوز أيضًا أن يكون الموضوع الأول ضربًا واحدًا, ثم رأى مَنْ6 جاء مِنْ بعد أن خالف قياس الأوّل إلى قياس ثانٍ جار في الصحة مجرى الأول.
ولا يبعد عندي ما قال من موضعين: أحدهما سعة القياس, وإذا كان كذلك جازت فيه أوجه لا وجهان اثنان.
والآخر أنه كان يجوز أن يبدأ الأول بالقياس الذي عدل إليه الثاني, فلا عليك أيهما تقدَّم وأيهما تأخّر.
فهذا طريق القول على ابتداء بعضها ولحاق بعضها به.
فأما أي الأجناس الثلاثة تقدَّم -أعني: الأسماء والأفعال والحروف- فليس مما نحن عليه في شيء, وإنما كلامنا هنا: هل وقع جميعها1 في وقت واحد، أم تتالت وتلاحقت قطعة قطعة, وشيئًا بعد شيء, وصدرًا بعد صدر.
وإذ قد وصلنا من القول في هذا إلى ههنا, فلنذكر ما عندنا في مراتب الأسماء والأفعال والحروف, فإنه من أماكنه وأوقاته.
اعلم أن أبا عليّ -رحمه الله- كان يذهب إلى أن هذه اللغة -أعني: ما سبق منها ثم لحق به ما بعده- إنما وقع كلّ صدر منها في زمان واحد, وإن كان تقدَّم شيء منها على صاحبه, فليس بواجب أن يكون المتقدّم على الفعل الاسم، ولا أن يكون المتقدم على الحرف الفعل؛ وإن كانت رتبة الاسم في النفس من حصة القوة والضعف أن يكون قبل الفعل, والفعل قبل الحرف.
وإنما يعني القوم بقولهم: إن الاسم أسبق من الفعل أنه أقوى في النفس، وأسبق في الاعتقاد من الفعل لا في الزمان.
فأمّا الزمان: فيجوز أن يكونوا عند التواضع قدّموا الاسم قبل الفعل.
ويجوز أن يكونوا قدَّموا الفعل في الوضع2 قبل الاسم، وكذلك الحرف.
وذلك أنهم وزنوا حينئذ أحوالهم وعرفوا مصاير أمورهم, فعلموا أنهم محتاجون إلى العبارات عن المعاني, وأنها لا بُدَّ لها من الأسماء والأفعال والحروف, فلا عليهم بأيّها بدءوا, أبالاسم أم بالفعل أم بالحرف؛ لأنهم قد أوجبوا على أنفسهم أن يأتوا بهنّ جُمَع, إذ المعاني لا تستغني عن واحد منهن.
هذا مذهب أبي علي, وبه كان يأخذ ويفتي.
وهذا يضيِّق الطريق على أبي إسحاق وأبي بكر في اختلافهما1 في رتبة الحاضر والمستقبل.
وكان أبو الحسن يذهب إلى أنّ ما غيّر لكثرة استعماله إنما تصوَّرته العرب قبل وضعه, وعلمت أنه لا بُدَّ من كثرة استعمالها2 إياه فابتدءوا بتغييره، عِلْمًا بأن لا بُدَّ من كثرته الداعية إلى تغييره.
وهذا في المعنى كقوله:
رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصيَّر آخره أولًا3
وقد كان أيضًا أجاز أن يكون4 قد كانت قديمًا5 معربة, فلما كثرت غُيِّرَت فيما بعد.
والقول عندي هو الأول؛ لأنه أدلّ على حكمتها واشهد لها6 بعلمها بمصاير
أمرها فتركوا بعض الكلام مبنيًّا غير معرب؛ نحو: أمس وهؤلاء وأين وكيف وكم وإذ, واحتملوا ما لا يؤمن معه من اللبس؛ لأنهم إذا خافوا ذلك زادوا كلمة أو كلمتين, فكان ذلك أخف عليهم من تجشمهم اختلاف الإعراب واتقائهم الزيغ والزلل فيه, ألا ترى أن من لا يعرب فيقول: ضرب أخوك لأبوك, قد يصل باللام إلى معرفة الفاعل من المفعول، ولا يتجشّم1 خلاف الإعراب ليفاد منه المعنى، فإن تخلل2 الإعراب من ضرب إلى ضرب يجري مجرى مناقلة3 الفرس، ولا يقوى على ذلك من الخيل إلّا الناهض الرجيل4، دون الكودن5 الثقيل, قال جرير:
من كل مشترفٍ وإن بعد المدَى ... ضَرِمِ الرقاق مناقل الأجرال6
ويشهد للمعنى الأول أنهم قالوا: اُقْتُل, فضموا الأوَّل توقعًا للضمة تأتي من بعد7.
وكذلك قالوا: عظاءة وصلاءة وعباءة, فهمزوا مع الهاء توقعًا لما سيصيرون إليه من طرح الهاء, ووجوب الهمز عند العظاء والصلاء والعباء.
وعلى ذلك قالوا:
الشيء منتن, فكسروا أوله لآخره, وهو مُنْحَدر من الجبل, فضموا الدال لضمة1 الراء.
وعليه قالوا: هو يجوءك2، وينبؤك, فأثر3 المتوقع لأنه كأنه حاضر.
وعلى ذلك قالوا: امرأة شمباء4، وقالوا: العمبر, ونساء شمب, فأبدلوا النون ميمًا مما يتوقّع من مجيء الباء بعدها.
وعليه أيضًا أبدلوا الأول للآخر في الإدغام نحو: مرأيت5؟ واذهفّى ذلك5، واصحمطرا5.
فهذا كله وما يجري مجراه -مما يطول ذكره- يشهد لأن كل ما يتوقع إذا ثبت في النفس كونه كان كأنه حاضر مشاهد.
فعلى ذلك يكونون قدموا بناء نحوكم وكيف وحيث وقبل وبعد, علمًا بأنهم سيستكثرون فيما بعد منها فيجب لذلك تغييرها.
فإن قلت: هلَّا ذهبت إلى أن الأسماء أسبق رتبة من الأفعال في الزمان, كما أنها أسبق رتبة منها في الاعتقاد, واستدللت على ذلك بأن الحكمة قادت إليه، إذ كان الواجب أن يبدءوا بالأسماء؛ لأنها عبارات عن الأشياء, ثم يأتوا بعدها بالأفعال التي بها تدخل الأسماء في المعاني والأحوال6، ثم جاءوا فيما بعد بالحروف؛ لأنك تراها لواحق بالجمل بعد تركبها7، واستقلالها بأنفسها نحو: إن زيدًا أخوك, وليت عمرًا عندك, وبحسبك أن تكون كذا؟ 8 قيل: يمنع9 من هذا أشياء: منها
وجودك أسماء مشتقة من الأفعال؛ نحو: قائم من قام, ومنطلق من انطلق, ألا تراه يصح لصحته، ويعتل لاعتلاله, نحو: ضرب فهو ضارب, وقام فهو قائم؛ "وناوم فهو مناوم"1.
فإذا رأيت بعض الأسماء مشتقًا من الفعل, فكيف يجوز أن يعتقد سبق الاسم للفعل في الزمان, وقد رأيت الاسم مشتقًا منه, ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه.
وأيضًا فإن المصدر مشتق من الجوهر؛ كالنبات من النبت, وكالاستحجار من الحجر, وكلاهما اسم.
وأيضًا فإن المضارع يعتل لاعتلال الماضي, وإن كان أكثر الناس على أن المضارع أسبق من الماضي2، وأيضًا فإن كثيرًا من الأفعال مشتق من الحروف نحو قولهم: سألتك حاجة فلوليت لي, أي: قلت لي: لولا، وسألتك حاجة فلا ليت لي, أي: قلت لي: لا.
واشتقوا أيضًا المصدر -وهو اسم- من الحرف, فقالوا: اللالاة واللولاة, وإن كان الحرف متأخرًا في الرتبة عن الأصلين قبله: الاسم والفعل.
وكذلك قالوا: سوَّفت الرجل, أي: قلت له: سوف, وهذا فعل -كما ترى- مأخوذ من الحرف.
ومن أبيات الكتاب 3:
لو ساوفتنا بسوفٍ من تحيّتها ... سوف العيوف لراح الركب قد قنع4
انتصب "سوف العيوف" على المصدر المحذوف الزيادة، أي: مساوفة العيوف.
وأنا أرى أن جميع تصرف "ن ع م " إنما هو من قولنا في الجواب: نعم.
من ذلك النِّعْمة والنَّعْمة والنَّعيم والتَّنْعيم ونَعِمتُ به بالًا, وتنعم القوم والنعمى والنعماء وأنعمت1 به له، وكذلك البقية.
وذلك أن "نعم" أشرف الجوابين, وأسرهما للنفس, وأجلبهما للحمد, و"لا" بضدها, ألا ترى إلى قوله:
وإذا قلت نَعَم فاصبر لها ... بنجاح الوعد إنَّ الخلف ذمّ2
وقال الآخر: أنشدناه أبو علي:
أبي جوده لا البخل واستعجلت به ... نَعَمْ مِن فتى لا يمنع الجوع قاتله3
يُرْوَى بنصب "البخل" وجره, فمن نصبه فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون بدلًا من "لا"؛ لأن "لا" موضوعة للبخل, فكأنه قال: أبي جوده البخل.
والآخر: أن تكون "لا" زائدة، حتى كأنه قال: أبي جوده البخل، لا على البدل لكن على زيادة "لا".
والوجه هو الأول؛ لأنه قد ذكر بعدها نعم, ونعم لا تزاد, فكذلك4 ينبغي أن تكون "لا" ههنا غير زائدة.
والوجه الآخر على الزيادة صحيح أيضًا؛
لجرى ذكر "لا" في مقابلة نعم.
وإذا جاز ل"لا" أن تعمل وهي زائدة فيما أنشده أبو الحسن من قوله 1:
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إليّ لا مت ذوو أحسابها عُمَرَا2
كان الاكتفاء بلغظها من غير عمل له أولى بالجواز.
ومن جره فقال: "لا البخل" فبإضافة "لا" إليه؛ لأن "لا" كما تكون للبخل3 قد تكون للجود أيضًا, ألا ترى أنه لو قال لك إنسان: لا تطعم الناس ولا تقر الضيف ولا تتحمل المكارم, فقلت أنت: "لا" لكانت هذه اللفظة هنا للجود لا للبخل, فلما كانت "لا" قد تصلح للأمرين جميعًا أضيفت إلى البخل لما في ذلك من التخصيص الفاصل بين المعنيين الضدين.
فإن قلت: فكيف تضيفها وهي مبنية؟ ألا تراها على حرفين الثاني حرف لين, وهذا أدل شيء على البناء، قيل: الإضافة لا تنافي البناء، بل لو جعلها جاعل سببًا له لكان "أعذر من"4 أن يجعلها نافية له, ألا ترى أن المضاف5 بعض الاسم، وبعض الاسم صوت, والصوت واجب بناؤه.
فهذا من طريق القياس, وأما من طريق السماع: فلأنهم قد قالوا: كم رجل "قد"6 رأيت, فكم مبنية وهي مضافة.
وقالوا أيضًا: لأضربنَّ أيهم أفضل, وهي مبنية عند سيبويه. فهذا شيء عرض قلنا فيه.
ثم لنعد إلى ما كنّا عليه من أن جميع باب "ن ع م " إنما هو مأخوذ من "نعم", لما فيها من المحبة للشيء والسرور به1.
فنعمت الرجل, أي: قلت له "نعم", فنعم بذلك بالًا، كما قالوا: بجَّلته, أي: قلت له: "بجل" أي: حسبك حيث انتهيت فلا غاية من بعدك، ثم اشتقوا منه الشيخ البجال، والرجل البجيل.
فنعم وبجل كما ترى حرفان, وقد اشتق منهما أحرف كثيرة.
فإن قلت: فهلَّا كان نَعَمْ وبَجَلْ مشتقين من النعمة والنعيم, والبجال والبجيل, ونحو ذلك دون أن يكون كل ذلك مشتقًا منهما؟ قيل: الحروف يشتق منها ولا تشتق هي أبدًا.
وذلك أنها لما جمدت فلم تتصرف شابهت بذلك أصول الكلام الأُوَل2 التي لا تكون مشتقة "من شيء"3؛ "لأنه ليس قبلها ما تكون فرعًا له ومشتقة منه"4، يؤكد ذلك عندك قولهم: سألتك حاجة فلوليت لي، أي: قلت لي "لولا", فاشتقوا الفعل من الحرف المركب من "لو" و"لا", فلا يخلو هذا أن يكون "لو" هو الأصل، أو "لولا"5 لا يجوز أن يكون "لولا"، لأنه لو كان "لو" محذوفًا منه, والأفعال لا تحذف, إنما تحذف الأسماء نحو: يدٍ ودمٍ وأخٍ وأب, وما جرى مجراه, وليس الفعل كذلك.
فأمَّا خذ وكل ومر, فلا يعتدّ إن شئت لقلته, وإن شئت لأنه حذف تخفيفًا في موضع وهو ثابت في تصريف الفعل, نحو: أخذ يأخذ وأخذ وآخذ.
فإن قلت: فكذلك أيضًا يدٌ ودمٌ وأخٌ وأبٌ وغدٌ وفمٌ, ونحو ذلك, ألا ترى أن الجميع تجده متصرفًا1, وفيه ما حذف منه, وذلك نحو أيدٍ وأيادٍ ويدي2، ودماءٍ ودمي، وأدماءٍ3 والدما في قوله: "فإذا هي بعظام ودمًا"4 وإخوة وأخوة وآخاء وأخوان, وآباء وأبوة وأبوان, وغدوًا5 بلاقع وأفواه وفويه وأفوه وفوهاء وفوه, قيل: هذا كله إن كان قد عاد في كل تصرف منه ما حذف من الكلمة التي هي من أصله, فدل ذلك على محذوفه, فليست الحال فيه كحال خُذْ من أخذ ويأخذ.
وذلك أن أمثلة الفعل وإن اختلفت في أزمنتها وصيغها6 فإنها تجري مجرى المثال الواحد، حتى إنه إذا حذف من بعضها شيء عوض منه في مثال آخر من أمثلته، ألا ترى أنهم لما حذفوا همزة يكرم ونحوه عوّضوه منها أن أوجدوها في مصدره, فقالوا: إكرامًا.
وكذلك بقية الباب.
وليس كذلك الجمع "والواحد"7، ولا التكبير والتصغير "من الواحد"؛ لأنه ليس كل واحد من هذه المُثُل جاريًا مجرى8
صاحبه، فيكون إذا حذف من بعضها شيء ثم وجد ذلك المحذوف في صاحبه كان كأنه فيه, وأمثلة الفعل إذا حذف من أحدها شيء ثم وجد ذلك المحذوف في صاحبه صار كأنه في المحذوف منه نفسه، فكأن لم يحذف منه شيء.
فإن قلت: فقد نجد بعض ما حذف في الأسماء موجودًا في الأفعال من معناها ولفظها, وذلك نحو قولهم في الخبر: أخوت عشرة, وأبوت عشرة, وأنشدنا أبو علي عن الرياشيّ:
وبِشرةُ يأبونا كأنّ خباءنا ... جَنَاحُ سُمَاني في السماء تطير1
وقالوا أيضًا: يديت2 إليه يدًا وأيديت, ودميت تدمى دميّ, وغدوت عليه, وفهت بالشيء وتفوهت به.
فقد استعملت الأفعال3 من هذه الكلم كما استعملت فيما أوردته.
قيل: وهذا أيضًا ساقط عنَّا وذلك أنا إنما قلنا: إن هذه المثل من الأفعال تجري مجرى المثال الواحد؛ لقيام بعضها قيام4 بعض, واشتراكها في اللفظ.
وليس كذلك أب وأخ ونحوهما, ألا ترى أن أب ليس بمثال من أمثلة الفعل, ولا باسم فاعل, ولا مصدر, ولا مفعول, فيكون رجوع المحذوف منه في أبوت كأنه موجود في أب, وإنما أب من أبوت كَمُدُقّ5 ومكحلة من دقَقَت وكَحَلت.
وكذلك القول في أخٍ ويدٍ ودمٍ, وبقية تلك الأسماء.
فهذا فرق.
فقد علمت -بما قدَّمناه وهضبنا1 فيه- قوة تداخل الأصول الثلاثة: الاسم والفعل والحرف وتمازجها, وتقدم بعضها على بعض تارة, وتأخرها عنه أخرى.
فلهذا ذهب أبو علي -رحمه الله- إلى أن هذه اللغة وقعت طبقة واحدة؛ كالرقم تضعه على المرقوم, والميسم يباشر به صفحة الموسوم, لا يحكم لشيء منه بتقدم في الزمان, وإن اختلفت بما فيه2 من الصنعة3 القوة والضعف في الأحوال.
وقد كثر اشتقاق الأفعال من الأصوات الجارية مجرى الحروف نحو: هاهيت4، وحاحيت5، وعاعيت6، وجأجأت7، وحأحأت8، وسأسأت9، وشأشأت10.
وهذا كثير في الزجر.
وقد كانت حضرتني وقتًا فيه نشطة فكتبت تفسير كثير من هذه الحروف في كتاب ثابت في الزجر, فاطلبها في جملة ما أثبته عن نفسي في هذا وغيره.