باب في أغلاط العرب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
كان أبو علي -رحمه الله- يرى1 وجه ذلك، ويقول: إنما دخل هذا النحو في كلامهم2؛ لأنهم ليست لهم أصول يراجعونها، ولا قوانين يعتصمون بها3.
وإنما تهجم4 بهم طباعهم على ما ينطقون به، فربما استهواهم الشيء فزاغوا5 به6 عن القصد.
هذا معنى قوله: وإن لم يكن صريح لفظه.
فمن ذلك ما أنشده أحمد بن يحيى:
غدا مالك يرمي نسائي كأنما ... نسائي لسهمي مالكٍ غرضان
فيا رب فاترك لي جهينة أعصرا ... فمالك موت بالقضاء دهاني7
هذا1 رجل مات نساؤه شيئًا فشيئًا فتظلم من ملك الموت عليه السلام. وحقيقة لفظه غلط وفساد2.
وذلك أن هذا الأعرابي لما سمعهم يقولون: ملك الموت، وكثر ذلك في الكلام، سبق إليه أن هذه اللفظة مركبة من ظاهر لفظها؛ فصارت عنده كأنها فعل؛ لأن ملكًا في اللفظ "على صورة"3 فلك فبني منها فاعلًا، فقال: مالك موت، وغدا مالك.
فصار في ظاهر لفظه كأنه فاعل، وإنما مالك هنا على الحقيقة والتحصيل مافل، كما أن ملكًا على التحقيق مفل، وأصله ملأك4، فألزمت همزته التخفيف، فصار ملكًا.
واللام فيه فاء، والهمزة عين، والكاف لام، هذا أصل تركيبه وهو "ل أك"5 وعليه تصرفه، ومجيء الفعل "منه في الأمر الأكثر"6 قال:
ألكني إليها وخير الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر
وأصله: ألئكني7؛ فخففت همزته.
وقال:
ألكني إليها عمرك الله يا فتى ... بآية ما جاءت إلينا تهاديا
وقال8:
ألكني إلى قومي السلام رسالة ... بآية ما كانوا ضعافًا ولا عزلا
"وقال يونس: ألك يألك"9.
فإذا كان كذلك فقول لبيد:
بألوكٍ فبذلنا ما سأل1
إنما هو عفول قدمت عينه على فائه.
وعلى أنه قد جاء عنهم ألك يألك من الرسالة إلا أنه قليل.
وعلى ما قلنا فقوله2:
أبلغ أبا دختنوس مألكةً ... غير الذي قد يقال ملكذب
"إنما هي"3 معفلة.
وأصلها4 ملئكة فقلب، على ما مضى.
وقد ذكرنا هذا الموضع في شرح تصريف أبي عثمان رحمه الله.
فإن قلت: فمن أين لهذا الأعرابي -مع جفائه وغلظ5 طبعه- معرفة التصريف، حتى بنى من "ظاهر لفظ"6 ملكٍ فاعلا، فقال: مالك.
قيل: هبه لا يعرف التصريف "أتراه لا"7 يحسن بطبعه وقوة نفسه ولطف حسه هذا القدر، هذا ما لا يجب أن يعتقده عارف بهم، أو آلف لمذاهبهم8؛ لأنه وإن لم يعلم حقيقة تصريفه بالصنعة9 فإنه يجده10 بالقوة، ألا ترى أن أعرابيًا بايع أن يشرب علبة لبن ولا يتنحنح، فلما شرب بعضها كظه11 الأمر فقال: كبش أملح.
فقيل له: ما هذا، تنحنحت.
فقال: من تنحنح فلا أفلح.
أفلا تراه كيف
استعان لنفسه ببحة1 الحاء، واستروح إلى مسكة النفس بها وعللها2 بالصويت3 اللاحق "لها في الوقف"4 ونحن مع هذا نعلم أن هذا الأعرابي لا يعلم أن في5 الكلام شيئًا يقال له حاء، فضلًا عن أن يعلم أنها من الحروف المهموسة، وأن الصوت يلحقها في حال، سكونها والوقف عليها ما لا يلحقها في حال حركتها أو6 إدراجها في حال سكونها، في نحو بحر7، ودحر7؛ إلا أنه وإن لم يحسن شيئًا من هذه الأوصاف صنعة ولا علمًا، فإنه يجدها طبعا8 ووهمًا.
فكذلك الآخر: لما سمع ملكًا وطال ذلك عليه أحس من ملك في اللفظ ما يحسه من حلك.
فكما أنه يقال9: أسود حالك قال هنا من لفظة10 ملك: مالك، وإن لم يدر أن مثال ملك فعل أو مفل، ولا أن مالكًا هنا فاعل أو مافل.
ولو بني من ملك على حقيقة الصنعة فاعل11 لقيل: لائك كبائك وحائك.
وإنما مكنت القول في هذا الموضع ليقوى في نفسك قوة حس هؤلاء القوم12، وأنهم قد يلاحظون بالمنة والطباع، ما لا نلاحظه نحن عن13 طول المباحثة والسماع.
فتأمله فإن14 الحاجة إلى مثله ظاهرة.
ومن ذلك همزهم مصائب.
وهو غلط منهم.
وذلك أنهم شبهوا مصيبة بصحيفة "فكما همزوا صحائف همزوا أيضًا مصائب وليست ياء مصيبة زائدة كياء صحيفة"1 لأنها عين، ومنقلبة عن واو، هي2 العين الأصلية.
وأصلها مصوبة؛ لأنها اسم الفاعل من أصاب؛ كما أن أصل مقيمة مقومة وأصل مريدة مرودة، فنقلت الكسرة من العين إلى الفاء، فانقلبت الواو ياء، على ما ترى.
وجمعها القياسي مصاوب.
وقد جاء ذلك؛ قال:
يصاحب الشيطان من يصاحبه ... فهو أذي جمة مصاوبه
وقالوا في واحدتها3: مصيبة، ومصوبة، ومصابة.
وكأن الذي استهوى في تشبيه ياء مصيبة بياء صحيفة أنها وإن لم تكن زائدة فإنها ليست على التحصيل بأصل، وإنما هي بدل من الأصل، والبدل من الأصل ليس أصلًا وقد عومل لذلك معاملة الزائد حكى سيبويه4 عن أبي الخطاب أنهم يقولون في راية: راءة. فهؤلاء همزوا بعد الألف وإن لم تكن زائدة وكانت بدلًا؛ كما يهمزون بعد الألف الزائدة في فضاء وسقاء5.
وعلة ذلك أن هذه الألف وإن لم تكن زائدة فإنها بدل، والبدل مشبه للزائد.
والتقاؤهما أن كل واحد6 منهما ليس أصلًا.
ونحو منه ما حكوه في قولهم في زاي: زاء.
وهذا أشد "وأشد"7 من راءة؛ لأن الألف في راءة على كل حال بدل، وهي أشبه بالزائد وألف زاي ليست منقلبة بل هي أصل؛ لأنها في حرف، فكان ينبغي ألا تشبه بالزائد8؛ إلا أنها
وإن لم تكن منقلبة فإنها وقعت موقع المنقلبة؛ لأن الألف هنا في الأسماء لا تكون أصلًا.
فلما كان كذلك شبهت ألف زاي1 لفظًا بألف باب ودار؛ كما أنهم لما احتاجوا إلى تصريف أخواتها قالوا: قوفت قافا، ودولت دالا، وكوفت كافا، ونحو ذلك.
وعلى هذا "أيضًا قالوا"2 زويت زايا، وحكى: إنها زاي فزوها. فلما كان كذلك انجذب حكم زاي إلى حكم راءة3.
وقد حكيت عنهم منارة ومنائر، ومزادة ومزائد.
وكأن هذا أسهل من مصائب؛ لأن الألف أشبه بالزائد من الياء.
ومن البدل الجاري مجرى الزائد -عندي لا عند أبي علي- همزة وراء.
ويجب أن تكون مبدلة من حرف علة؛ لقولهم4: تواريت عنك، إلا أن اللام لما أبدلت همزة أشبهت الزائدة التي5 في ضهيأة6، فكما أنك لو حقرت ضهيأة لقلت: ضهيئة، فأقررت الهمزة، فكذلك7 قالوا في تحقير وراء: وريئة.
ويؤكد ذلك قول بعضهم فيها8: ورية؛ كما قالوا في صلاءة: صلية.
فهذا ما أراه أنا9 وأعتقده في "وراء" هذه.
وأما أبو علي -رحمه الله- فكان يذهب إلى أن لامها في الأصل همزة وأنها من تركيب "ورأ"، وأنها ليست من تركيب "ورى".
واستدل على ذلك بثبات الهمزة في التحقير، على ما ذكرنا.
وهذا -لعمري- وجه من القول، إلا أنك تدع معه الظاهر والقياس جميعًا.
أما الظاهر فلأنها10 في معنى11 تواريت12، وهذه اللام
حرف علة، لا همزة وأن تكون ياء واجب1؛ لكون الفاء واوًا.
وأما القياس فما قدمناه: من تشبيه البدل بالزائد.
فاعرف ما رأيناه في هذا.
ومن أغلاطهم قولهم: حلأت السويق، ورثأت زوجي بأبيات، واستلأمت الحجر، ولبأت بالحج، وقوله:
كمشترئٍ بالحمد أحمرة بترا
وأما مسيل فذهب بعضهم في قولهم في جمعه: أمسلة إلى أنه من باب الغلط.
وذلك لأنه2 أخذه من سال يسيل "فهو عندهم على مفعل كالمسير والمحيض"3 وهو4 عندنا غير غلط؛ لأنهم قد قالوا فيه: مسل، وهذا يشهد بكون الميم فاء.
فأمسلة ومسلان: أفعلة وفعلان، كأجربة وجربان.
ولو كانت أمسلة ومسلان من السيل لكان مثالهما: أمفلة ومفلان5 والعين منهما محذوفة، وهي ياء السيل.
وكذلك قال بعضهم في معين؛ لأنه أخذه من العين لأنه من ماء العيون، فحمله على الغلط، لأنهم قد قالوا: قد6 سالت معنانه7، وإنما8 هو عندنا من قولهم أمعن له بحقه، إذا طاع له به.
وكذلك الماء إذا جرى من العين فقد أمعن بنفسه، وطاع بها.
ومنه الماعون؛ لأنه "ما من"9: العادة المسامحة به والانقياد إلى فعله.
وأنشدني "أبو عبد الله الشجري"1 لنفسه من قصيدة:
ترود ولا ترى فيها أريبا ... سوى ذي شجة فيها وحيد2
"كذا أنشدني هذه القصيدة مقيدة"3 فقلت له: ما معنى أريبا، فقال: من4 الريبة5.
وأخبرنا أبو علي "عن الأصمعي أنه"6 كان يقول في قولهم للبحر: المهرقان: إنه من قولهم: هرقت الماء.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى بقول "بلال بن"7 جرير:
إذا ضفتهم أو سآيلتهم ... وجدت بهم علة حاضره
أراد: ساءلتهم "فاعلتهم" من السؤال، ثم عن له أن يبدل الهمزة على قول من قال: سايلتهم، فاضطرب عليه الموضع فجمع بين الهمزة والياء فقال: سآيلتهم.
فوزنه على هذا: فعاعلتهم.
وإن جعلت الياء زائدة لا بدلا كان: فعابلتهم.
وفي هذا ما تراه فاعجب له.
ومن أغلاطهم ما يتعايبون به في الألفاظ والمعاني من نحو قول ذي الرمة:
والجيد من أدمانةٍ عنود8
وقوله:
حتى إذا دومت في الأرض راجعه ... كبر ولو شاء نجي نفسه الهرب1
وسنذكر هذا ونحوه في باب سقطات العلماء؛ لما فيه من الصنعة.
وكذلك2 غمز3 بعضهم على بعض في معانيهم؛ كقول بعضهم4 لكثير في قوله:
فما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزة موهنًا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها5
والله لو فعل هذا بأمة زنجية لطاب ريحها؛ ألا قلت كما قال سيدك6:
ألم ترأني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب
وكقول بشار في قول كثير:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكف تلين
لقد قبح بذكره7 العصا في لفظ الغزل؛ هلا قال كما قلت:
وحوراء المدامع من معد ... كأن حديثها "قطع الجمان
إذا قامت لسبحتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران8
وكان الأصمعي يعيب الحطيئة ويتعقبه9، فقيل له في ذلك، فقال: وجدت شعره كله جيدًا، فدلني على أنه كان يصنعه.
وليس هكذا الشاعر المطبوع: إنما الشاعر المطبوع الذي يرمي بالكلام على عواهنه: جيده على رديئه.
وهذا باب في غاية السعة.
وتقصيه يذهب بنا كل مذهب.
وإنما ذكرت طريقة "وسمته"10 لتأتم بذلك وتتحقق11 سعة طرقات12 القوم في13 القول.
فاعرفه بإذن الله تعالى.