الخصائصباب 1 في خلع الأدلة

باب 1 في خلع الأدلة

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

من ذلك حكاية يونس قول4 العرب: ضرب مَنٌ منا, أي: إنسان إنسانًا, أو رجل5 رجلًا, أفلا تراه كيف جرد "مَنْ" من6 الاستفهام ولذلك أعربها.
ونحوه قولهم في الخبر: مررت برجل أيِّ رجل.
فجرد "أيّا" من الاستفهام أيضًا, وعليه بيت الكتاب: والدهر أينما حالٍ دهارير72

أي: "والدهر"1 في كل وقت وعلى كل حال دهارير, أي: متلوّن ومتقلّب بأهله.
وأنشدنا أبو علي: وأسماء ما أسماء ليلة أدلجت ... إلي وأصحابي بأيّ وأينما2 قال: فجرّد "أي"3 من الاستفهام ومنعها الصرف, لما فيها من التعريف والتأنيث.
وذلك أنه وضعها علمًا على الجهة التي حلَّتها.
فأما قوله4: "وأينما" فكذلك أيضًا, غير5 أن لك في أينما وجهين: أحدهما: أن تكون الفتحة هي التي تكون6 في موضع "جرما"7 لا ينصرف؛ لأنه جعله علمًا للبقعة أيضًا، فاجتمع فيه التعريف والتأنيث، وجعل "ما" زائدة8 بعدها للتوكيد.
والآخر: أن تكون فتحة النون من "أينما" فتحة التركيب، ويضمّ "أين" إلى "ما", فيبنى الأوّل على الفتح, كما يجب في نحو: حضرموت "وبيت بيت"9 فإذا أنت فعلت ذلك "قدرت"10 في ألف "ما" فتحة ما لا ينصرف في موضع الجرِّ؛ كمررت بأحمد وعمر.
ويدل على أنه قد يضم "ما" هذه إلى ما قبلها, ما أنشدناه11 أبو علي عن أبي عثمان: أثورٌ ما أصيدكم أم ثورين ... أم تيكم الجماء ذات القرنين12

فقوله: "أثور ما" فتحة الراء منه فتحة تركيب "ثور" مع "ما" بعده، كفتحة راء حضرموت ولو كانت فتحة إعراب لوجب التنوين لا محالة؛ لأنه مصروف.
وبنيت "ما" مع الاسم, وهي مبقاة على حرفيتها كما بنيت "لا" مع النكرة, في نحو: لا رجل.
ولو جعلت "ما" مع "ثور" اسمًا ضممت إليه "ثورًا" لوجب مدها؛ لأنها قد صارت اسمًا فقلت: أثور ماء أصيدكم.
وكما1 أنك لو جعلت "حاميم" من قوله: يذكرني حاميم والرمح شاجر2 اسمين مضمومًا أحدهما إلى صاحبه لمددت "حا" فقلت: حاء ميم, ليصير كحضرموت.
ومثل3 قوله: "أثور ما أصيدكم" في أنه اسم ضمَّ إلى حرف في قول أبي عثمان "ما أنشدناه أبو علي "4: ألا هيَّما مما لقيت وهيما ... وويحًا لمن لم يلق منهن ويحما

وأسماء ما أسماء ليلة أدلجت ... إليّ وأصحابي بأي وأينما1 فكلام في "ويحما" هو الكلام في "أثور ما".
فأما قول الآخر: وهل لي أمٌّ غيرها إن هجوتُها ... أبى الله إلّا أن أكون لها أبنما2 فليس من هذا الضرب في شيء, وإنما هي ميم زيدت آخر ابن, وجرت قبلها حركة الإتباع, فصارت هذا ابنم, ورأيت ابنما ومررت بابنم.
فجريان حركات الإعراب على الميم يدل على أنها ليست "ما".
وإنما الميم في آخره كالميم في آخر ضرزم3، ودقعم، ودردم4.
وأخبرنا أبو علي أن أبا عثمان ذهب في قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ 5 إلى أنه جعل "مثل"6 و"ما" اسمًا واحدًا, فبنى الأول على الفتح, وهما جميعًا عنده في موضع رفع لكونهما صفة ل"حق".
فإن قلت: فما موضع ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ قيل: هو جرّ بإضافة "مثل ما"8 إليه.7

فإن قلت: ألا تعلم أنَّ "ما" على بنائها؛ لأنها على حرفين, الثاني منهما حرف لين, فكيف تجوز إضافة المبني؟ قيل: ليس المضاف "ما" وحدها, إنما المضاف الاسم المضموم إليه "ما"1, فلم تعد "ما" هذه أن تكون كتاء2 التأنيث في نحو: هذه جارية زيد, أو كالألف والنون في سرحان عمرو, أو كتاء الإضافة في بصريّ القوم، أو كألفي التأنيث في صحراء3 زتم، أو كالألف والتاء في: في غائلات الحائر المتوّه4 فهذا وجه.
وإن شئت قلت: و"ما" في إضافة المبنيّ! ألا ترى إلى إضافة "كم" في الخبر نحو: كم عبد ملكت, وهي مبنية, وإلى إضافة أيّ من قول الله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ 5 وهي مبنية عند سيبويه.
وأيضًا فلو ذهب ذاهب واعتقد معتقد أن الإضافة كان يجب أن تكون داعية إلى البناء من حيث كان المضاف من المضاف إليه بمنزلة صدر الكلمة من عجزها, وبعض الكلمة صوت, والأصوات إلى الضعف والبناء لكان قولًا! .

ومما خلعت عنه دلالة الاستفهام قول الشاعر -أنشدناه سنة إحدى وأربعين: أني جزوا عامرًا سيئًا بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوأى من الحسن1 أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رثمان أنف إذ ما ضنَّ باللبن1 فأم في أصل الوضع للاستفهام, كما أن "كيف" كذلك.
ومحال "اجتماع2 حرفين" لمعنى واحد3؛ فلا بُدَّ أن يكون أحدهما قد خُلِعت عنه دلالة الاستفهام.
وينبغي أن يكون ذلك الحرف "أم" دون "كيف"؛ حتى كأنه قال: بل4 كيف ينفع, فجعلها بمنزلة "بل" في الترك "والتحول"5.
ولا يجوز أن تكون "كيف" هي المخلوعة عنها دلالة الاستفهام؛ لأنها لو خلعت عنها لوجب إعرابها؛ لأنها إنما بنيت لتضمنها معنى حرف الاستفهام, فإذا زال ذلك عنها وجب إعرابها, كما أنه لما خلعت دلالة الاستفهام عن "مَنْ" أعربت في قولهم: ضرب مَنٌ منًا. وكذلك قولك: مررت برجل أيّ رجل, لما خلعت عنها دلالة الاستفهام "جرت وصفًا"6.
وهذا واضح جلي.

ومن ذلك كاف المخاطب للمذكر والمؤنث -نحو: رأيتك وكلمتك- هي تفيد شيئين: الاسمية والخطاب, ثم قد خلع1 عنها دلالة الاسم في قولهم 2: ذلك وأولئك وهاك وهاءك وأبصرك زيدًا, وأنت تريد: أبصر زيدًا, وليسك أخاك, في معنى ليس أخاك.
وكذلك قولهم: أرأيتك زيدًا ما صنع؟ وحكى أبو زيد: بلاك والله, وكلاك والله, أي: بلي وكلا.
فالكاف في جميع ذلك حرف خطاب مخلوعة عنه دلالة الاسمية, وعليه قول3 سيبويه.
ومن زعم أن الكاف في "ذلك" اسم انبغى له أن يقول: ذلك نفسك.
وهذا كله مشروح في أماكنه.
فلا موضع إذًا لهذه الكاف من الإعراب, وكذلك هي إذا وصلت بالميم والألف والواو نحو: ذلكما وذلكمو.
فعلى هذا يكون قول الله سبحانه: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ 4. " كُمَا" من "أنهكما" منصوبة الموضع و"كما" من "تلكما" لا موضع لها؛ لأنها حرف خطاب5.
فإن قيل: فإذا كانت حرفًا لا اسمًا, فكيف جاز أن تكون الألف المنفصلة التي قبلها تأسيسًا6 في نحو قوله7:

. . . . . . . . . . . . ... على صدفيّ كالحنية بارك1 ولا غرو إلا جارتي وسؤالها ... أليس لنا أهل سئلت كذلك2 وقول خفاف بن ندبة: وقفت له علوي وقدم خام صحبتي ... لأبني مجدًا أو لأثار هالكا2 أقول له والرمح بأطر متنه ... تأمل خفافًا إنني أنا ذلكا43

ألا ترى أن الألف في "هالكا" و"بارك" تأسيس لا محالة, وقد جمعهما مع الألف في "ذلكا" و [ذلك] 1 وهي منفصلة, وليس الروي -وهو الكاف- اسمًا مضمرًا "كياء قوله"2 "بداليا"3, ولا من جملة اسم مضمركميم "كماهما"4.
وهذا يدل على أن الكاف في "ذلك" اسم مضمر لا حرف.
قيل: هذا كلام لا يدخل على المذهب في كونها حرفًا, وقد قامت الدلالة على ذلك من عدة أوجه.
ولكن بقي علينا الآن أن نرى وجه5 علة جواز كون الألف في "ذلك" تأسيسًا مع أن الكاف ليست باسم مضمر.
وعلة ذلك أنها وإن تجرَّدت في هذا الموضع من معنى الاسمية, فإنها في أكثر أحوالها اسم, نحو: رأيتك وكلمتك ونظرت إليك, واشتريت لك ثوبًا, وعجبت منك, ونحو ذلك.
فلما جاءت ههنا على لفظ تلك التي هي اسم -وهو أقل الموضعين- حملت على الحكم في أكثر الأحوال، لا سيما6 وهي هنا وإن جردت من معنى الاسمية, فإن ما كان فيها من معنى الخطاب باقٍ عليها وغير مختزل7 عنها.
وإذا جاز حمل همزة علباء على همزة حمراء للزيادة, وإن عريت من التأنيث

الذي دعا إلى قلبها في صحراوات1، وصحراويّ, كأن حمل كاف "ذلك" على كاف رأيتك جائزًا أيضًا, وإن لم يكن أقوى لم يكن أضعف.
وقد2 اتَّصل بما نحن عليه موضع طريف.
ونذكره لاستمرار مثله.
وذلك أن أصغر الناس قدرًا قد يخاطب أكبر الملوك محلًّا بالكاف من غير احتشام منه ولا إنكار عليه.
وذلك نحو قول التابع الصغير للسيد الخطير: قد خاطبت ذلك الرجل, واشتريت تينك الفرسين, ونظرت إلى ذينك الغلامين, فيخاطب3 الصاحب الأكبر بالكاف, وليس الكلام شعرًا, فتحتمل4 له جرأة الخطاب فيه كقوله5: لقينا بك الأسد, وسألنا منك البحر, وأنت السيد القادر, ونحو ذلك.
وعلة جواز ذلك عندي أنه إنما لم تخاطب الملوك بأسمائها إعظامًا لها؛ إذ كان الاسم دليل المعنى وجاريًا في أكثر الاستعمال مجراه, حتى دعا ذاك قومًا إلى أن زعموا6 أنّ الاسم هو المسمَّى.
فلمَّا أرادوا7 إعظام الملوك وإكبارهم تجافوا وتجانفوا عن ابتذال أسمائهم التي هي شواهدهم, وأدلة عليهم إلى الكناية بلفظ الغيبة, فقالوا: إن رأي الملك أدام الله علوّه, ونسأله حرس الله ملكه، ونحو ذلك، وتحاموا "إن رأيت"، و"نحن نسألك"، لما ذكرنا.
فهذا هذا.
فلمّا خلعت عن هذه الكاف دلالة الاسمية, وجردت8 للخطاب البتة, جاز استعمالها؛ لأنها ليست

باسم, فيكون في اللفظ به ابتذال له.
فلمّا خلصت هذه الكاف خطابًا البتة, وعريت من معنى الاسمية استعملت في خطاب الملوك لذلك.
فإن قيل: فهلّا جاز على هذا أن يقال للملك ومن يلحق به في غير الشعر "أنت"؛ لأن التاء هنا أيضًا للخطاب, مخلوعة عنها دلالة الاسمية؟ قيل: التاء في "أنت" وإن كانت حرف خطاب لا اسمًا, فإن معها نفسها الاسم, وهو "أن" من "أنت", فالاسم على كل حال حاضر, وإن لم تكن الكاف, وليس كذا1 قولنا: "ذلك"؛ لأنه ليس للمخاطب بالكاف هنا اسم غير الكاف, كما كان له مع التاء في "أنت" اسم للمخاطب نفسه، وهو "أن" فاعرف ذلك فرقًا بين الموضعين.
ونحو من ذلك ما رآه2 أبو الحسن في أن الهاء والياء في "إياه" و"إياي" حرفان؛ أحدهما للغيبة وهو الهاء, والآخر للحضور وهو الياء.
وذلك أنه كان يرى أن الكاف في "إياك" حرف للخطاب, فإذا أدخلت عليه الهاء والياء في "إياه" و"إياي" قال: هما أيضًا حرفان للغيبة والحضور, مخلوعة3 عنهما دلالة الاسمية في رأيته، وغلامي وصاحبي. وهذا مذهب هول4.
وهو5 -وإن كان كذلك- جارٍ على القوة، ومقتاس بالصحة.
واعلم أن نظير الكاف في رأيتك إذا خلعت عنها دلالة الاسمية, واستقرّت للخطاب -على ما أرينا- التاء في قمت وقعدت ونحو ذلك, هي هنا تفيد الاسمية والخطاب, ثم تخلع عنها دلالة الاسمية, وتخلص للخطاب البتة في أنت وأنت.
فالاسم "أن" وحده، والتاء "من بعد"6 للخطاب.

وللتاء موضع آخر تخلص فيه للاسمية البتة, وليس "ذلك للكاف"1.
وذلك الموضع قولهم: أرأيتك زيدًا ما صنع.
فالتاء اسم مجرَّد من الخطاب, والكاف حرف للخطاب مجرد من الاسمية.
هذا هو المذهب.
ولذلك لزمت التاء الإفراد والفتح في الأحوال كلها, نحو قولك للمرأة: أرأيتك زيدًا ما شأنه, وللاثنين "وللاثنتين"2 أرأيتكما زيدًا أين جلس؟ ولجماعة المذكر والمؤنث: أرأيتكم زيدًا ما خبره؟ وأرأيتكن عمرًا ما حديثه؟ فالتغيير للخطاب لاحق للكاف والتاء -"لأنه" لا خطاب فيها- على صورة واحدة؛ لأنها مخلصة اسمًا. فإن قيل: هذا ينقض عليك أصلًا مقررًا3.
وذلك أنك إنما4 تعتلّ لبناء الأسماء المضمرة بأن تقول: إن شبه الحرف "غلب عليها ومعنى الاسم بعد عنها"5 وذلك نحو قولك: "ذلك"6 وأولئك, فتجد الكاف مخلصة للخطاب, عارية من معنى الاسم.
وكذلك التاء في أنتَ وأنتِ عارية من معنى الاسم, مجردة لمعنى الحرف.
وأنت مع هذا تقول: إن التاء في أرأيتك زيدًا "أين هو7، ونحو ذلك, قد أخلصتها اسمًا, وخلعت عنها دلالة الخطاب.
فإذا كانت قد تخلص في موضع اسمًا، كما خلصت في آخر حرفًا تعادل أمرها8، ولم يكن لك عذر في الاحتجاج بإحدى حاليها.

"قيل: إن"1 الكاف في "ذلك" جُرّدت من معنى الاسمية, ولم تقرن باسم المخاطب بها.
والتاء في أرأيتك زيدًا ما صنع, لم تجرّد من معنى الحرفية إلّا مقترنة بما كان مرة اسمًا, ثم جرد من معنى الاسمية, وأخلص للخطاب والحرفية وهو الكاف في "أرأيتك زيدًا ما صنع" ونحوه.
فأنت2 وإن خلعت عن تاء "أرأيتك زيدًا ما خبره" معنى الحرفية, فقد قرنت بها ما جردته من معنى الاسمية, وهو الكاف بعدها, فاعتدل الأمران باقتران الاسم3 البتة بالحرف البتة.
وليس كذلك "ذلك"؛ لأنك إنما معك4 الكاف المجرَّدة لمعنى الخطاب, لا اسم معها للمخاطب بالكاف, فاعرف ذلك.
وكذلك أيضًا في "أنت" قد جرّدت الاسم وهو "أن" من معنى الحرفية, وأخلصت التاء البتة بعده للخطاب, كما أخلصت الكاف بعد التاء في "أرأيتك عمرًا ما شأنه" حرفًا للخطاب.
فإن قلت: ف"أن" من "أنت" لم تُستعمل قط حرفًا, ولا خلعت دلالة الاسمية عنها, فهذا يقوي حكم الأسماء المضمرة, كما أضعفها ما قدمت أنت من حالها في تجردها من معنى الأسمية5 وما غلب عليها من حكم الحرفية.
قيل: لسنا ندَّعي أن كل اسم مضمر لا بُدَّ من6 أن يخلع عنه حكم الاسمية, ويخلص للخطاب والحرفية, فيلزمنا ما رمت إلزامنا إياه, وإنما قلنا: إن معنى الحرفية قد أخلص له بعضها, فضعف لذلك حكم جميعها, وذلك أن الخلع العارض فيها إنما لحق متصلها دون منفصلها -وذلك لضعف المتصل- فاجترئ عليه لضعفه، فخلع معنى الاسمية منه.
وأما المنفصل فجارٍ بانفصاله مجرى الأسماء الظاهرة القوية المعربة.
وهذا واضح.

فإن قلت: في1 الأسماء الظاهرة كثيرة من المبنية, نحو: هذا وهذي "وتاك"2 وذلك والذي والتي وما ومن وكم وإذ ونحو ذلك, فهلّا لمّا وجد البناء في كثير من المظهرة3 سرى في جميعها, كما أنه لما غلب شبه الحرف في بعض المضمرة أجرى عليها جميعها على ما قدمته؟ قيل: إن الأسماء المظهرة من حيث كانت هي الأُوَل القدائم القوية, احتمل ذلك فيها لسبقها وقوتها, والأسماء المضمرة ثوانٍ لها وأخلاف منها, "ومعوضة"4 عنها، فلم تقو قوة ما هي تابعة له، ومعتاضة5 منه، فأعلها ما لا يعله، ووصل إليها ما يقصر دونه.
وأيضًا, فإن المضمر المتصل وإن كان أضعف من الضمير المنفصل, فإنه أكثر وأسير6 في الاستعمال منه, ألا تراك تقول: إذا قدرت على المتَّصل لم تأت بالمنفصل. فهذا يدلك على أن المتَّصل أخف عليهم وآثر في أنفسهم7.
فلما كان كذلك وهو مع ذلك أضعف من المنفصل, وسرى فيه لضعفه حكم, لزم المنفصل, أعني: البناء؛ لأنه مضمر مثله, ولا حق في سعة الاستعمال به.
فإن قيل: وما الذي رغَّبهم في المتصل حتى شاع استعماله, وصار متى قدر عليه لم يؤت بالمنفصل مكانه؟

قيل: علة ذلك أن الأسماء المضمرة إنما رغب فيها وفزع إليها طلبًا للخفة بها بعد زوال الشك بمكانها, وذلك أنك لو قلت: زيد ضرب زيدًا, فجئت بعائده1 مظهرًا مثله, لكان في ذلك إلباس واستثقال.
أما الإلباس فلأنك إذا قلت: "زيد ضربت زيدًا, لم تأمن أن يظن أن زيدًا الثاني غير الأول, وأن عائد الأول متوقع مترقب.
فإذا قلت: "زيد ضربته" عُلِمَ بالمضمر أن الضرب إنما وقع بزيد المذكور لا محالة, وزال تعلق القلب2 لأجله وسببه3.
وإنما كان كذلك لأنّ المظهر يرتجل, فلو قلت: زيد ضربت زيدًا لجاز أن يتوقّع4 تمام الكلام, وأن4 يظنَّ أن الثاني غير الأول, كما تقول: زيد ضربت عمرًا, فيتوقع أن تقول: في داره أو معه أو لأجله.
فإذا قلت: زيد ضربته, قطعت بالضمير سبب الإشكال من حيث كان المظهر يرتجل, والمضمر تابع غير مرتجل في أكثر اللغة.
فهذا وجه كراهية الإشكال.
وأما وجه الاستخفاف: فلأنك إذا قلت: العبيثران5 شممته, فجعلت موضع التسعة6 واحدًا, كان أمثل من أن تعيد التسعة كلها فتقول: العبيثران شممت العبيثران.
نعم, وينضاف إلى الطول قبح التكرار المملول.
وكذلك ما تحته من العدد الثماني والسباعي فما تحتهما, هو على كل حال أكثر من الواحد.
فلمَّا كان الأمر الباعث عليه والسبب المقتاد إليه إنما هو طلب الخفة به, كان المتصل منه آثر في نفوسهم وأقرب رحمًا عندهم, حتى إنهم متى قدروا عليه لم يأتوا بالمنفصل مكانه.

فلذلك لما غلب شبه الحرفية على المتصل بما ذكرناه: من خلع دلالة1 الاسمية عنه في ذلك وأولئك وأنتَ وأنتِ, وقاما أخواك, وقاموا إخوتك: ويعصرن السليط أقاربه2 ... وقلن الجواري ما ذهبت مذهبا3 حملوا المنفصل عليه في البناء؛ إذ كان ضميرًا مثله, وقد يستعمل في بعض الأماكن في موضعه, نحو قوله: إليك حتى بلغت إياكا4 أي: بلغتك, وقول أبي بجيلة "وهو بيت الكتاب "5: كأنَّا يوم قرى إذّ ... ما نقتل إيانا6

وبيت أمية: بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرض في دهر الدهارير1 وكذلك قد يستعمل المتصل موضع المنفصل؛ نحو قوله: فما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألّا يجاورنا إلّاك ديار1 فإن قلت: زعمت أن المتصل آثر في نفوسهم من المنفصل, وقد ترى إلى أكثر استعمال المنفصل موضع المتصل, وقلة استعمال المتصل موضع المنفصل, فهلّا دلَّك ذلك على خلاف مذهبك؟ قيل: لمَّا كانوا متى قدروا على المتَّصل لم يأتوا مكانه بالمنفصل, غلب حكم المتصل, فلمَّا كان كذلك عوَّضوا منه أن جاءوا في بعض المواضع بالمنفصل في موضع المتصل, كما قلبوا الياء إلى الواو في نحو2: الشروي والفتوي؛ لكثرة دخول الياء على الواو في اللغة.
ومن ذلك قولنا: ألا قد كان كذا, وقول الله سبحانه: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ 3 ف"ألا" هذه فيها هنا شيئان: التنبيه وافتتاح الكلام, فإذا جاءت4 معها "يا" خلصت افتتاحًا "لا غير"5, وصار التنبيه الذي كان فيها ل"يا" دونها.
وذلك نحو6 قول الله -عز اسمه: "أَلَا يَسْجُدُوا لِلَّهِ"7 وقول الشاعر: ألا يا سنا برق على قُلَل الحمى ... لهنَّك من برق علي كريم8

ومن ذلك واو العطف؛ فيها معنيان: العطف ومعنى الجمع. فإذا وضعت موضع "مع" خلصت للاجتماع, وخلعت عنها دلالة العطف, نحو قولهم: استوى الماء والخشبة, وجاء البرد والطيالسة. ومن ذلك فاء العطف فيها معنيان: العطف والإتباع. فإذا استعملت في جواب الشرط خلعت عنها دلالة العطف وخلصت للإتباع, وذلك قولك: إن تقم فأنا أقوم, ونحو ذلك. ومن ذلك همزة الخطاب في "هاء يا رجل"، و"هاء يا امرأة" كقولك: "هاكَ" و"هاكِ", فإذا ألحقتها الكاف جردتها من الخطاب؛ لأنه يصير بعدها في الكاف, وتفتح هي أبدًا. وهو قولك: هاءكَ وهاءَكِ وهاءكما وهاءكم. ومن ذلك "يا" في النداء؛ تكون تنبيهًا ونداء في نحو: يا زيد, ويا عبد الله. وقد تجردها من النداء للتنبيه البتة, نحو قول الله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ "كأنه قال: ألا ها اسجدوا"1.
وكذلك قول العجاج: يا دار سلمة يا اسلمي ثم اسلمي2 إنما هو كقولك: ها اسلمي.
وهو كقولهم: "هَلُمَّ" في التنبيه على الأمر.
وأما3 قول أبي العباس: إنه أراد: ألا يا هؤلاء اسجدوا, فمردود4 عندنا.
وقد كرر4 ذلك أبو علي في غير موضع فغنينا عن إعادته5.

جارٍ التحميل