باب في ورود الوفاق مع وجود الخلاف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
هذا الباب ينفصل1 من الذي قبله بأن2 ذلك تبع فيه اللفظ ما ليس وفقًا له نحو: رجل نسابة وامرأة عدل, وهذا الباب الذي نحن فيه ليس بلفظ تبع لفظًا, بل هو قائم برأسه.
وذلك قولهم: غاض الماء وغضته سوَّوا فيه بين المتعدي وغير المتعدي.
ومثله: جبرت يده وجبرتها, وعمر المنزل وعمرته, وسار الدابة وسرته, ودان الرجل ودنته, من الدين في معنى أدنته, وعليه جاء مديون في لغة التميميين, وهلك الشيء وهلكته, قال العجاج:
ومهمهٍ هالك من تعرّجا3
فيه قولان: أحدهما أن "هالكًا" بمعنى مهلك, أي: مهلك من تعرج فيه.
والآخر: ومهمهٍ هالك المتعرجين فيه, كقولك: هذا رجل حسن الوجه, فوضع "من" موضع الألف واللام.
ومثله هبط الشيء وهبطته, قال:
ما راعني إلا جناح هابطًا ... على البيوت قوطه العلابطا1
أي: مهبطًا قوطه.
وقد يجوز أن يكون أراد: هابطًا بقوطه, فلمَّا حذف حرف الجر نصب بالفعل2 ضرورة.
والأوّل أقوى.
فأما قول الله سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ 3 فأجود القولين فيه أن يكون معناه: وإن منها لما يهبط من نظر إليه لخشية الله.
وذلك أن الإنسان إذا فكر في عظم هذه المخلوقات تضاءل وتخشع4، وهبطت نفسه لعظم ما شاهد.
فنسب الفعل إلى تلك الحجارة لما كان السقوط والخشوع مسببًا عنها وحادثًا لأجل النظر إليها, كقول الله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ 5 وأنشدوا بيت6 الآخر:
فاذكر موقفي إذا التقت الخي ... ل وسارت إلى الرجال الرجالا7
أي: وسارت الخيل الرجال إلى الرجال.
وقد يجوز أن يكون أراد: وسارت إلى الرجال بالرجال, فحذف حرف الجر فنصب.
والأول أقوى.
وقال خالد بن زهير:
فلا تغضبن من سيرة أنت سِرتَها ... فأول راضٍ سيرة من يسيرها1
ورجنت الدابة بالمكان إذا أقامت فيه, ورجنتها, وعاب2 الشيء وعبته3، وهجمت على القوم, وهجمت غيري عليهم أيضًا, وعفا الشيء: كثر وعفوته: كثرته وفغر فاه, وفغر فوه, وشحا فاه3, وشحا فوه, وعثمت يده وعثمتها, أي: جبرتها على غير استواء, ومدَّ النهر ومددته, قال الله -عز وجل: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ 4 وقال الشاعر:
ماء خليج مده خليجان5
وسرحت الماشية وسرحتها، وزاد الشيء وزدته, وذرا الشيء وذروته: طيرته, وخسف المكان وخسفه الله, ودلع اللسان ودلعته, وهاج القوم وهجتهم, وطاخ الرجل وطخته, أي: لطخته بالقبيح -في معنى أطخته6، ووفر
الشيء ووفرته.
وقال الأصمعيّ: رفع البعير ورفعته -في السير المرفوع- وقالوا: نفى الشيء ونفيته, أي: أبعدته, قال القطامي 1:
فأصبح جاراكم قتيلًا ونافيا
ونحوه: نكرت البئر ونكرتها2, أي: أقللت ماءها ونزفت ونزفتها.
فهذا كله شاذ عن القياس وإن كان مطردًا في الاستعمال, إلا أنَّ له عندي وجهًا لأجله جاز.
وهو أن كل فاعل غير القديم سبحانه, فإنما الفعل منه شيء أعيره وأعطيه, وأقدر عليه, فهو وإن كان فاعلًا فإنه لما كان معانًا مقدرًا صار كأن فعله لغيره, ألا ترى إلى قوله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ 3 نعم, وقد قال بعض الناس: إن الفعل لله, وإن العبد مكتسبه, وإن كان هذا خطأ عندنا فإنه قول لقوم.
فلما كان قولهم: غاض الماء أن غيره أغاضه, وإن جرى لفظ الفعل له تجاوزت العرب ذلك إلى أن أظهرت هناك فعلًا بلفظ الأول متعديًا؛ لأنه قد كان فاعله في وقت فعله إياه إنما هو مشاء4 إليه أو معان عليه.
فخرج اللفظان لما ذكرنا خروجًا واحدًا.
فاعرفه5.