باب في نقض المراتب إذا عرض هناك عارض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
من ذلك امتناعهم من تقديم الفاعل في نحو ضرب غلامه زيدًا.
فهذا1 لم يمتنع من حيث كان الفاعل ليس رتبته التقديم وإنما امتنع لقرينة انضمت إليه، وهي
إضافة الفاعل إلى ضمير المفعول وفساد تقدم المضمر على مظهره لفظًا ومعنى.
فلهذا وجب2 إذا أردت تصحيح المسئلة أن تؤخر الفاعل فتقول: ضرب زيدًا غلامه، وعليه قول الله سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ وأجمعوا3 على أن ليس بجائز ضرب غلامه زيدًا لتقدم المضمر على مظهره لفظًا ومعنى.
وقالوا في قول النابغة 4:
جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
إن الهاء عائدة على5 مذكور متقدم كل ذلك لئلا يتقدم ضمير المفعول عليه مضافًا " إلى الفاعل"6 فيكون مقدمًا عليه لفظًا ومعنى.
وأما أنا فأجيز7 أن تكون الهاء في قوله:
جزى ربه عني عدي بن حاتم
عائدة على "عدي" خلافًا على الجماعة.
فإن قيل: ألا تعلم أن الفاعل رتبته التقدم، والمفعول رتبته التأخر8، فقد وقع كل9 منهما الموقع الذي هو أولى به فليس لك أن تعتقد في الفاعل وقد وقع مقدمًا أن
إضافة الفاعل إلى ضمير المفعول وفساد تقدم المضمر على مظهره لفظًا ومعنى.
فلهذا وجب1 إذا أردت تصحيح المسئلة أن تؤخر الفاعل فتقول: ضرب زيدًا غلامه، وعليه قول الله سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ وأجمعوا2 على أن ليس بجائز ضرب غلامه زيدًا لتقدم المضمر على مظهره لفظًا ومعنى.
وقالوا في قول النابغة 3:
جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
إن الهاء عائدة على4 مذكور متقدم كل ذلك لئلا يتقدم ضمير المفعول عليه مضافًا " إلى الفاعل"5 فيكون مقدمًا عليه لفظًا ومعنى.
وأما أنا فأجيز6 أن تكون الهاء في قوله:
جزى ربه عني عدي بن حاتم
عائدة على "عدي" خلافًا على الجماعة.
فإن قيل: ألا تعلم أن الفاعل رتبته التقدم، والمفعول رتبته التأخر7، فقد وقع كل8 منهما الموقع الذي هو أولى به فليس لك أن تعتقد في الفاعل وقد وقع مقدمًا أن
إذا هبطا الأرض المخوف بها الردى ... يخفض من جاشيهما منصلاهما1 وقول لبيد: فمدافع الريان عُرِّيَ رسمها ... خلقًا كما ضمن الوُحِيَّ سِلامها2 ومن أبيات الكتاب 3: اعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل فقدم المفعول في المصراعين جميعًا وللبيد أيضًا: رزقت مرابيع النجوم وصابها ... ودق الرواعد جودها فرهامها وله أيضًا: لمعفر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يمن طعامها4 وقال الله عز وجل: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ وقال الآخر: أبعدك الله من قلب نصحت له ... في حب جمل ويأبى غير عصياني وقال المرقش الأكبر: لم يشج قلبي مِلحوادث إلـ ... ـلا صاحبي المتروك في تغلم5
وفيها: في باذخات من عماية أو ... يرفعه دون السماء خيم1 والأمر في كثرة تقديم المفعول على الفاعل في القرآن وفصيح الكلام متعالم غير مستنكر فلما كثر وشاع تقديم المفعول "على الفاعل"2 كان الموضع له، حتى إنه إذا أخر فموضعه التقديم فعلى ذلك كأنه قال: جزى عديَّ بن حاتم ربُّه ثم قدم الفاعل على أنه قد قدره مقدمًا عليه مفعوله فجاز ذلك3، ولا تستنكر هذا الذي صورته لك ولا يجف عليك فإنه مما تقبله هذه اللغة ولا تعافه ولا تتبشعه ألا ترى أن سيبويه أجاز في جر "الوجه" من قولك: هذا الحسن الوجهِ أن يكون من موضعين: أحدهما بإضافة الحسن إليه، والآخر تشبيه4 له بالضارب الرجل هذا مع أنا قد أحطنا علمًا بأن الجر في "الرجل" من قولك: هذا الضارب الرجل إنما جاءه وأتاه من جهة تشبيههم إياه بالحسن الوجه لكن لما اطرد الجر في نحو هذا الضارب الرجل والشاتم الغلام صار كأنه أصل في بابه حتى دع ذاك سيبويه إلى أن عاد "فشبه الحسن الوجه "5 بالضارب الرجل، "من الجهة التي إنما صحت للضارب الرجل تشبيهًا بالحسن الوجه"6 وهذا يدلك على تمكن الفروع عندهم حتى إن أصولها
التي أعطتها حكمًا من أحكامها قد حارت فاستعادت1 من فروعها ما كانت هي أدته إليها وجعلته عطية منها لها فكذلك أيضًا يصير تقديم المفعول لما استمر وكثر كأنه هو الأصل وتأخير الفاعل كأنه أيضًا هو الأصل.
فإن قلت إن هذا ليس مرفوعًا إلى العرب ولا محكيًا عنها أنها رأته مذهبًا وإنما هو شيء رآه سيبويه واعتقده قولًا ولسنا نقلد سيبويه ولا غيره في هذه العلة ولا غيرها، فإن2 الجواب عن هذا حاضر عتيد والخطب فيه أيسر وسنذكره في باب يلي هذا بإذن الله.
ويؤكد أن الهاء في " ربه " لعدي3 بن حاتم من جهة المعنى عادة العرب في الدعاء ألا تراك لا تكاد تقول: جزى رب زيد عمرًا وإنما يقال: جزاك ربك خيرًا أو شرًا.
وذلك أوفق لأنه إذا كان مجازيه ربه كان أقدر على جزائه وأملأ4 به.
ولذلك جرى العرف بذلك فاعرفه.
ومما نقضت مرتبته المفعول في الاستفهام والشرط فإنهما5 يجيئان مقدمين6 على الفعلين الناصبين لهما وإن كانت رتبة المعمول أن يكون بعد العامل فيه.
وذلك قوله سبحانه وتعالى ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ فـ " أي منقلب " منصوب على المصدر بـ "ينقلبون " لا بـ "سيعلم " وكذلك قوله تعالى: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ7
قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ} وقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فهذا ونحوه لم يلزم تقديمه من حيث كان مفعولًا.
وكيف يكون ذلك وقد قال عز اسمه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ وقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وهو ملء الدنيا كثرة وسعة لكن إنما وجب تقديمه لقرينة انضمت إلى ذلك وهي وجوب تقدم الأسماء المستفهم بها والأسماء المشروط بها.
فهذا من النقض العارض.
ومن ذلك وجوب تأخير المبتدأ إذا كان نكرة وكان الخبر عنه ظرفًا نحو قولهم: عندك مال وعليك دين وتحتك بساطان ومعك ألفان.
فهذه الأسماء كلها مرفوعة بالابتداء ومواضعها التقديم على الظروف قبلها التي هي أخبار عنها إلا أن مانعًا منع من ذلك حتى لا تقدمها1 عليها، ألا "ترى أنك"2 لو قلت: غلام لك أو بساطان تحتك ونحو ذلك لم يحسن3، لا لأن المبتدأ ليس "موضعه التقديم"4 لكن لأمر حدث وهو كون المبتدأ هنا نكرة ألا تراه لو كان معرفة لاستمر وتوجه تقديمه فتقول: البساطان تحتك والغلام لك.
أفلا ترى أن ذلك إنما فسد تقديمه لما ذكرناه: من قبح تقديم المبتدأ نكرة في الواجب ولكن لو أزلت الكلام إلى غير الواجب لجاز تقديم النكرة كقولك: هل غلام عندك وما بساط تحتك فجنيت الفائدة من حيث كنت قد أفدت بنفيك عنه كون البساط تحته واستفهامك عن الغلام: أهو عنده أم لا؟ إذ كان هذا معنى جليًا مفهومًا.
ولو أخبرت عن النكرة في الإيجاب مقدمة فقلت: رجل عندك كنت قد أخبرت عن منكور لا يعرف وإنما ينبغي أن تقدم المعرفة ثم تخبر عنها بخبر يستفاد منه معنى منكور نحو زيد عندك ومحمد منطلق وهذا واضح.
فإن قلت: فلم وجب مع هذا تأخير النكرة في الإخبار عنها بالواجب قيل لما قبح ابتداؤها نكرة لما ذكرناه رأوا تأخيرها وإيقاعها في موقع الخبر الذي بابه أن يكون نكرة فكان ذلك إصلاحًا للفظ كما أخروا اللام لام الابتداء مع "إن " في قولهم: إن زيدًا لقائم لإصلاح اللفظ.
وسترى ذلك في بابه بعون الله وقدرته.
فاعلم إذًا أنه لا تنقض مرتبة إلا لأمر حادث فتأمله وابحث عنه.