الخصائصباب في فرق بين الحقيقة والمجاز

باب في فرق بين الحقيقة والمجاز

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: الحقيقة: ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة, والمجاز: ما كان بضد ذلك.
وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة, وهي: الاتساع والتوكيد والتشبيه.
فإن عدم هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتة.
فمن ذلك قول1 النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفرس: "هو بحر" , فالمعاني الثلاثة موجودة فيه.
أما الاتساع فلأنه زاد2 في أسماء الفرس التي هي: فرس وطرف وجواد, ونحوها البحر, حتى إنه إن احتيج إليه في شعر أو سجع أو اتساع استعمل استعمال بقية تلك الأسماء, لكن لا يفضي إلى ذلك إلا بقرينة تسقط الشبهة.
وذلك كأن يقول الشاعر: علوت مطا جوادك يوم يوم ... وقد ثمد الجياد فكان بحرًا3 وكأن يقول الساجع: فرسك هذا إذا سما بغرته كان فجرًا, وإذا جرى إلى غايته كان بحرًا, ونحو ذلك.
ولو عَرِى الكلام من4 دليل يوضّح الحال لم يقع عليه بحر؛ لما فيه من التعجرف في المقال من غير إيضاح ولا بيان.
ألا ترى أن لو5 قال رأيت بحرًا, وهو يريد الفرس لم يعلم بذلك غرضه, فلم يجز قوله؛ لأنه إلباس وإلغاز على الناس.

وأما التشبيه فلأن جريه1 يجر ي في الكثرة مجرى مائه.
أما التوكيد فلأنه شبه العرض بالجوهر, وهو أثبت في النفوس منه, والشبه في العرض منتفية عنه؛ ألا ترى أن من2 الناس من دفع الأعراض وليس أحد دفع الجواهر.
وكذلك قول الله سبحانه: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ 3 هذا هو مجاز, وفيه الأوصاف الثلاثة.
أما السعة فلأنه كأنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسمًا هو الرحمة.
وأما التشبيه فلأنه شبه4 الرحمة -وإن لم يصح دخولها- بما يجوز دخوله, فلذلك وضعها موضعه.
وأما التوكيد فلأنه أخبر عن العرض بما يخبر به عن الجوهر, وهذا تعال4 بالغرض، وتفخيم منه؛ إذ صير5 إلى حيز ما يشاهد ويلمس ويعاين، ألا ترى إلى قول بعضهم في الترغيب في الجميل: ولو رأيتم المعروف رجلًا لرأيتموه حسنًا

جميلًا وإنما يرغب فيه بأن ينبه عليه, ويعظم من قدره, بأن يصوره في النفوس1 على أشرف أحواله، وأنوه2 صفاته.
وذلك بأن يتخيل شخصًا متجسمًا3 لا عرضًا متوهمًا.
وعليه قوله 4: تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسير "أي: فباديه إلى الخافي يسير"5 أي: فباديه مضمومًا إلى خافيه يسير.
وذلك أنه لما وصف الحب بالتغلغل فقد اتسع به6؛ ألا ترى أنه يجوز على هذا أن تقول 7: شكوت إليها حبها المتغلغلا ... فما زادها شكواي إلا تدللا8 فيصف بالمتغلغل9 ما ليس في أصل اللغة أن يوصف بالتغلغل, إنما وصف يخصّ الجواهر لا الأحداث؛ ألا ترى أن المتغلغل في الشيء لا بُدَّ أن يتجاوز مكانًا إلى آخر.
وذلك تفريغ مكان وشغل مكان.
وهذه أوصاف تخص في الحقيقة الأعيان لا الأحداث.
فهذا وجه الاتساع.
وأما التشبيه فلأنه شبَّه ما لا ينتقل ولا يزول بما يزول وينتقل, وأما المبالغة والتوكيد فلأنه أخرجه عن ضعف العرضية إلى قوة الجوهرية.

وعليه "قول الآخر "1: قرعت ظنابيب الهوى يوم عالج ... ويوم النقا حتى قسرت الهوى قسرا2 وقول الآخر: ذهوب بأعناق المئين عطاؤه ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله3 وقول الآخر 4: غمر الرداء إذا تبسَّم ضاحكًا ... غلقت لضحكته رقاب المال وقوله 5: ووجهٍ كأن الشمس حلت رداءها ... عليه نقيّ اللون لم يتخدد جعل للشمس رداء وهو جوهر؛ لأنه أبلغ في6 النور الذي هو العرض, وهذه الاستعارات كلها داخلة تحت7 المجاز.

فأما قولهم: ملكتُ عبدًا ودخلت دارًا وبنيت حمامًا فحقيقي هو ونحوه, لا استعارة فيه ولا مجاز في هذه المفعولات, لكن في الأفعال الواصلة إليها مجاز.
وسنذكره.
ولكن لو قال: بنيت لك في قلبي بيتًا, أو ملكت من الجود عبدًا خالصًا, أو أحللتك من رأيي وثقتي1 دار صدق؛ لكان ذلك مجازًا واستعارة لما فيه من الاتساع والتوكيد والتشبيه على ما مضى.
ومن المجاز كثير من باب الشجاعة في اللغة: من الحذوف2، والزيادات3، والتقديم والتأخير , والحمل على المعنى, والتحريف.
ألا ترى أنك إذا قلت: بنو4 فلان يطؤهم الطريق, ففيه من السعة إخبارك عمَّا لا يصح وطؤه بما صح وطؤه.
فتقول على هذا: أخذنا على الطريق الواطئ لبني فلان, ومررنا بقوم موطوئين بالطريق, ويا طريق طأ بنا بني فلان, أي أدّنا إليهم.
وتقول: بني فلان بيته على سنن المارة رغبة في طئة الطريق بأضيافه له.
أفلا ترى إلى وجه الاتساع عن هذا المجاز.
ووجه التشبيه إخبارك عن الطريق بما تخبر به عن سالكيه, فشبهته5 بهم إذ كان هو المؤدي لهم, فكأنه هم.
وأما التوكيد6 فلأنك إذا أخبرت عنه بوطئه إياهم كان أبلغ من وطء سالكيه لهم, وذلك أن الطريق مقيم ملازم, فأفعاله مقيمة معه, وثابتة بثباته.
وليس كذلك أهل الطريق؛ لأنهم قد يحضرون فيه ويغيبون عنه, فأفعالهم أيضًا كذلك

حاضرة وقتًا وغائبة آخر.
فأين هذا مما أفعاله ثابتة مستمرة.
ولما كان هذا كلامًا الغرض فيه المدح والثناء اختاروا له أقوى اللفظين؛ لأنه يفيد أقوى المعنيين.
وكذلك قوله1 سبحانه: ﴿وَاسْأَلِ 2 الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا 3﴾ فيه3 المعاني الثلاثة.
أما الاتساع فلأنه استعمل لفظ السؤال مع ما لا يصح في الحقيقة سؤاله, وهذا نحو ما مضى, ألا تراك تقول: وكم من قرية مسئولة, وتقول: القرى وتسآلك؛ كقولك: أنت وشأنك.
فهذا ونحوه اتساع.
وأما التشبيه فلأنها شبهت بما يصح سؤاله لما كان بها ومؤلفًا4 لها.
وأما التوكيد فلأنه في ظاهر اللفظ إحالة بالسؤال "على من"5 ليس من عادته الإجابة.
فكأنهم تضمنوا لأبيهم -عليه السلام- أنه إن سأل الجمادات والجبال أنبأته بصحة قولهم, وهذا تناهٍ في تصحيح الخبر.
أي: لو سألتها لأنطقها الله بصدقنا, فكيف لو سألت مَن مِن عادته الجواب.
وكيف تصرَّفت الحال فالاتساع فاشٍ في جميع أجناس شجاعة العربية.

جارٍ التحميل