باب في شجاعة العربية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فإن قلت: فكيف يجوز لليس أن تعمل في الظرف1 وليس فيها تقدير حدث؟
قيل: جاز ذلك فيها من حيث جاز أن ترفع وتنصب, وكانت على مثال الفعل، فكما2 عملت الرفع والنصب وإن عريت من معنى الحدث, كذلك أيضًا تنصب الظرف لفظًا "كما عملت الرفع والنصب لفظًا"3، ولأنها على وزن الفعل.
وعلى ذلك وجه أبو علي قول الله سبحانه: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ 4 لأنه أجاز في نصب "يوم" ثلاثة أوجه: أحدها5 أن يكون متعلقًا بنفس "ليس" من حيث ذكرنا من الشبه اللفظي, وقال لي أبو علي -رحمه الله- يومًا: الظرف يتعلق بالوهم مثلًا.
فأما قول الآخر:
نظرت وشخصي مطلع الشمس ظله ... إلى الغرب حتى ظله الشمس قد عقل
فقيل فيه: أراد نظرت6 مطلع الشمس وشخصي ظله إلى الغرب، حتى عقل الشمس ظله أي: حاذاها7، فعلى هذا التفسير قد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ وخبره, وقد يجوز ألّا يكون فصل8، لكن على أن يتعلق مطلع الشمس بقوله: إلى الغرب, حتى كأنه قال: شخصي ظله إلى الغرب وقت طلوع الشمس, فيعلق الظرف بحرف الجر الجاري خبرًا عن الظل؛ كقولك: زيد من الكرام يوم الجمعة, فيعلق الظرف بحرف الجر, ثم قدّم الظرف لجواز تقديم ما تعلق به إلى موضعه, ألا تراك تجيز أن تقول: شخصي إلى الغرب ظله, وأنت تريد: شخصي ظله إلى الغرب.
فعلى هذا تقول: زيد يوم الجمعة أخوه من الكرام, ثم تقدم فتقول: زيد من الكرام يوم الجمعة أخوه.
فاعرفه.
وقال الآخر:
أيا بن أناس هل يمينك مطلق ... نداها إذا عُدَّ الفعال شمالها1
أراد: هل يمينك شمالها مطلق نداها. ف"ها" من "نداها" عائد إلى الشمال لا اليمين, والجملة خبر عن يمينها2.
وقال الفرزدق:
ملوك يبتنون توارثوها ... سرادقها المقاول والقبابا3
أراد: ملوك يبتنون المقاول والقباب توارثوها سرادقها. فقوله: "يبتنون المقاول والقباب " صفة لموك4.
وقوله: توارثوها سرادقها صفة ثانية لملوك5، موضعها التأخير, فقدمها وهو يريد بها موضعها كقولك: مررت برجل مكلِّمها مارٍّ بهند, أي: مار بهند مكلمها, فقدَّم الصفة الثانية وهو معتقد تأخيرها.
ومعنى يبتنون المقاول أي: أنهم يصطنعون المقاول ويبتنونهم؛ كقول المولّد:
يبني الرجال وغيره يبني القرى ... شتان بين قرى وبين رجال6
وقوله: "توارثوها" أي: توارثوا الرجال والقباب.
ويجوز أن تكون الهاء ضمير المصدر؛ أي: توارثوا هذه الفعلات.
فأما ما أنشده أبو الحسن من قوله 1:
لسنا كمن حلت إياد دارها ... تكريت ترقب حبها أن يحصدا
فمعناه: لسنا كمن حلت دارها ثم أبدل "إياد" من "من حلت دارها" , فإن حملته على هذا كان لحنًا؛ لفصلك بالبدل بين بعض الصلة وبعض, فجرى ذلك في فساده مجرى قولك: مررت بالضارب زيد جعفرًا.
وذلك أن البدل إذا جرى على المبدل منه آذن بتمامه وانقضاء أجزائه, فكيف يسوغ لك أن تبدل منه وقد بقيت منه بقية هذا خطأ في الصناعة, وإذا كان كذلك والمعنى عليه أضمرت ما يدل عليه "حلت" فنصبت به الدار, فصار تقديره: لسنا كمن حلت إياد, أي: كإيادٍ التي حلت, ثم قلت من بعده: حلت دارها.
فدلَّ "حلت" في الصلة على "حلت" هذه التي نصبت "دارها".
ومثله قول الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ 2 "أي: يرجعه يومن تبلى السرائر"3 فدلَّ "رجعه" على يرجعه, ولا يجوز أن تعلق "يوم" بقوله: "لقادر"؛ لئلّا يصغر المعنى؛ لأن الله تعالى قادر يوم تبلى السرائر وغيره في كل وقت وعلى كل حال على رجع البشر وغيرهم.
وكذلك قول4 الآخر.
ولا تحسبنَّ القتل محضًا شربته ... نزارًا ولا أن النفوس استقرت1
ومعناه: لا تحسبن قتلك نزارًا محضًا شربته؛ إلا أنه وإن كان هذا معناه فإن إعرابه على غيره وسواه, ألا ترى أنك إن حملته على هذا جعلت "نزارًا" في صلة المصدر الذي هو "القتل", وقد فصلت بينهما بالمفعول الثاني الذي هو "محضًا"، وأنت لا تقول: حسبت ضربك جميلًا زيدًا, وأنت تقدره على: حسبت ضربك زيدًا جميلًا, لما فيه من الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي.
فلا بُدَّ إذًا من أن تضمر لنزار ناصبًا يتناوله يدل عليه قوله: "القتل" أي: قتلت نزارًا.
وإذا جاز أن يقوم الحال مقام اللفظ بالفعل كان اللفظ بأن يقوم مقام اللفظ أولى وأجدر.
وذاكرت المتنبيء شاعرنا نحوًا من هذا, وطالبته به في شيء من شعره فقال: لا أدري ما هو إلّا أن الشاعر قد2 قال:
لسنا كمن حلت3 إيادٍ دارها
البيت4.
فعجبت من ذكائه وحضوره مع قوة المطالبة له5 حتى أورد ما هو في معنى البيت الذي تعقبته6 عليه من شعره, واستكثرت ذلك منه.
والبيت قوله:
وفاؤكما كالربع ِأشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه7
وذكرنا ذلك لاتصاله بما نحن عليه, فإن الأمر يذكر للأمر.
وأنشدنا أبو علي للكميت:
كذلك تلك وكالناظرات ... صواحبها ما يرى المسحل1
أي: وكالناظرات ما يرى المسحل صواحبها.
فإن حملته على هذا ركّبت قبح الفصل, فلا بُدَّ إذًا أن يكون "ما يرى المسحل" محمولًا على مضمر يدل عليه قوله "الناظرات", أي: نظرن ما يرى المسحل.
وهذا الفصل الذي نحن عليه ضرب من الحمل2 على المعنى, إلا أنا3 أوصلناه بما تقدمه لما فيه من التقديم والتأخير في ظاهره, وسنفرد للحمل على المعنى فصلًا بإذن الله4.
وأنشدوا:
كأنَّ برذون أبا عصام ... زيدٍ حمار دق باللجام5
أي: كأن برذون زيديا أبا عصام حمار دقّ باللجام.
والفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف وحرف الجر قبيح6 كثير؛ لكنه من ضرورة الشاعر, فمن ذلك قول7 ذي الرمة:
كأنَّ أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج8
"أي: كأن أصوات أواخر الميس من إيغالهن بنا أصوات الفراريج"1.
وقوله 2:
كما خُطَّ الكتاب بكفِّ يومًا ... يهودي يقارب أو يزيل
"أي: بكف يهودي"3.
وقوله:
هما أخوا في الحرب من لا أخاله ... إذا خاف يومًا نبوة فدعاهما4
أي: هما أخوا مَنْ لا أخا له في الحرب, فعلق الظرف5 بما في "أخوا" من معنى الفعل؛ لأن معناه: هما ينصرانه ويعاونانه.
وقوله 6:
هما خطتا إما إسارٍ ومنةٍ ... وإما دمٍ والقتل بالحرّ أجدر
ففصل7 بين "خُطَّتا" و"إسارٍ" بقوله "إما"، ونظيره8 هو غلام, إمّا زيد وإما عمرو.
وقد ذكرت هذا البيت في جملة كتابي "في تفسير أبيات الحماسة"، وشرحت حال الرفع في إسار ومنة.
ومن ذلك قوله:
فزججتها بمزَجَّة ... زجَّ القلوص أبي مزاده1
أي: زج أبي مزادة القلوص, ففصل بينهما بالمفعول به.
هذا مع قدرته على أن يقول: زج القلوص أبو مزادة, كقولك: سرَّني أكل الخبز زيد, وفي هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم, وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول, ألا تراه ارتكب ههنا الضرورة مع تمكنه من ترك ارتكابها لا لشيء غير الرغبة في إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول.
فأما قوله2:
يطفن بحوزي المراتع لم يُرَعْ ... بواديه من قرع القسيّ الكنائن
فلم نجد فيه بدًّا من الفصل؛ لأن القوافي مجرورة.
ومن ذلك قراءة "ابن عامر"3:
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ 1 وهذا في النثر وحال السعة صعب2 جدًّا3، ولا سيما والمفصول به مفعول لا ظرف.
ومنه بيت الأعشى:
إلا بداهة أو علا ... لة قارح نهد الجزاره4
ومذهب5 سيبويه فيه الفصل بين "بداهة" و"قارح"؛ وهذا أمثل عندنا من مذهب غيره فيه؛ لما قدمنا6 في غير هذا الموضع.
وحكى الفراء عنهم: برئت إليك من خمسة وعشري النخاسين, وحكى أيضًا: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله, ومنه قولهم: هو خير وأفضل من ثَمْ, وقوله 7:
يا من رأى عارضًا أرقت له ... بين ذراعي وجبهة الأسد
فإن قيل: لو كان الآخر مجرورًا بالأول لكنت بين أمرين.
أما أن تقول: إلا "علالة أو بداهته"1 قارحٍ, وبرئت إليك من خمسة وعشريهم النخّاسين, وقطع الله يد ورجله من قاله, ومررت بخير وأفضله مَنْ ثَمَّ, وبين ذراعي وجبهته الأسدِ؛ لأنك إنما تعمل الأول، فجرى ذلك2 مجرى: ضربت فأوجعته زيدًا, إذا أعملت الأول.
وإما أن تقدّر حذف المجرور من الثاني وهو مضمَر ومجرور كما ترى, والمضمر إذا كان مجرورًا قبح حذفه؛ لأنه يضعف أن ينفصل فيقوم برأسه.
فإذا لم تخل3 عند جرِّك الآخر بالأول من واحد من هذين, وكل واحد منهما متروك, وجب أن يكون المجرور إنما انجرَّ بالمضاف الثاني الذي وليه, لا بالأول الذي بَعُد عنه.
قيل: أما تركهم إظهار الضمير في الثاني, وأن يقولوا: بين ذراعي وجبهته الأسد ونحو ذلك, فإنهم لو فعلوه4 لبقي المجرور لفظًا لا جارّ له في اللفظ يجاوره, لكنهم لما قالوا: بين ذراعي وجبهة الأسد صار كأنَّ "الأسد" في اللفظ مجرور بنفس "الجبهة", وإن كان في5 الحقيقة مجرورًا بنفس الذراعين.
وكأنهم6 في ذلك إنما أرادوا إصلاح اللفظ.
وأما قبح حذف الضمير مجرورًا لضعفه عن الانفصال, فساقط عنا أيضًا, وذلك أنه إنما يقبح7 فصل الضمير المجرور متى خرج إلى اللفظ نحو: مررت بزيدوك, ونزلت على زيدوه لضعفه8 أن يفارق ما جره.
فأما إذا لم يظهر إلى اللفظ
وكان إنما هو مقدر في النفس غير مستكره عليه اللفظ فإنه لا يقبح, ألا ترى أن هنا أشياء مقدرة لو ظهرت إلى اللفظ قبحت, ولأنها غير خارجة إليه1 ما حسنت.
من ذلك قولهم: اختصم زيد وعمرو, ألا ترى أن العامل في المعطوف غير العامل في المعطوف عليه, فلا بُدَّ إذًا من تقديره على: اختصم زيد واختصم عمرو, وأنت لو قلت ذلك لم يجز؛ لأن اختصم ونحوه من الأفعال -مثل اقتتل واستب واصطرع- لا يكون فاعله أقلّ من اثنين, وكذلك قولهم: رُبَّ2 رجل وأخيه, ولو قلت: ورب أخيه لم يجز, وإن كانت رُبَّ مرادة هناك ومقدرة.
فقد علمت بهذا وغيره أن ما تقدّره3 وهمًا ليس كما تلفظ3 به لفظًا.
فلهذا يسقط عندنا إلزام سيبويه هذه الزيادة.
والفصل بين المضاف والمضاف إليه كثير, وفيما أوردناه منه كافٍ بإذن الله.
وقد جاء الطائي الكبير بالتقديم والتأخير فقال:
وإن الغنى لي لو لحظت مطالبي ... من الشعر إلّا في مديحك أطوع4
وتقديره: وإن الغنى لي لو لحظت مطالبي أطوع من الشعر إلّا في مديحك, أي: فإنه يطيعني في مدحك ويسارع إلي.
وهذا كقوله أيضًا معنًى لا لفظًا:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل5
وكقول الآخر:
ولقد أردت نظامها فتواردت ... فيها القوافي جحفلًا عن حجفل
وذهب أبو الحسن في قول الله سبحانه: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ 1 إلى أنه أراد: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ من الجنة والناس ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ 2.
ومنه قول الله -عز اسمه: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ 3 أي: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم, وقيل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 4 إن تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ثم يعودون "لما قالوا"5.
ونحو من هذا اقدمنا ذكره من الاعتراض في نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ 6 تقديره -والله أعلم- فلا أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم, وإنه لقسم عظيم لو تعلمون.
وقد شبّه الجازم بالجار ففصل بينهما, كما فصل بين الجار والمجرور, وأنشدنا7 لذي الرمة:
فأضحت مغانيها قفارًا رسومها ... كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل8
وجاء هذا1 في ناصب2 الفعل. أخبرنا محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى بقول الشاعر:
لما رايت أبا يزيد مقاتلًا ... أدع القتال3.
. . . .
أي: لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا, كما أراد في الأول: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش.
وكأنه شبَّه لن بأنَّ, فكما جاز الفصل بين أنَّ واسمها بالظرف في نحو قولك: بلغني4 أن في الدار زيدًا, كذلك شبَّه "لن" مع الضرورة بها ففصل بينها وبين منصوبها بالظرف الذي هو "ما رأيت أبا يزيد" أي: مدة رؤيتي.
فصل في الحَمْل على المعنى:
اعلم أن هذا الشَرْج5 غور من العربية بعيد, ومذهب نازح فسيح.
قد ورد به القرآن وفصيح الكلام منثورًا ومنظومًا؛ كتأنيث المذكر, وتذكير المؤنيث, وتصوير معنى الواحد في الجماعة, والجماعة في الواحد, وفي حمل الثاني على لفظ قد يكون عليه الأول أصلًا كان ذلك اللفظ أو فرعًا, وغير ذلك مما تراه بإذن الله.
فمن تذكير المؤنث قوله 6:
فلا مزنة ودقَّت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
ذهب بالأرض إلى الموضع والمكان, ومنه قول الله -عز وجل: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ 1 أي: هذا الشخص أو هذا المرئي ونحوه, وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ 2 لأن الموعظة والوعظ واحد, وقالوا في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ 3 إنه أراد بالرحمة هنا المطر, ويجوز أن يكون التذكير هنا "إنما هو"4 لأجل فَعِيل على قوله 5: بأعينٍ أعداءٍ وهن صديق وقوله 6: . . . ولا عفراء منك قريب وعليه قول الحطيئة: ثلاثة أنفس وثلاث ذَوْد ... لقد جار الزمان على عيالي7 ذهب بالنفس إلى الإنسان فذكَّر.
وأما بيت الحكمى 1:
ككمون النار في حجره
فيكون على هذا؛ لأنه ذهب إلى النور والضياء, ويجوز أن تكون الهاء عائدة على الكمون, أي: في حجر الكمون, والأول أسبق في الصنعة إلى النفس, وقال الهذلي 1:
بعيد الغزاة فما إن يزا ... ل مضطمرًا طرَّتاه طليحا
ذهب بالطرتين إلى الشعر, ويجوز أن يكون "طرتاه" بدلًا من الضمير إذا جعلته في مضطمر3؛ كقول الله سبحانه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ 4 إذا جعلت في "مفتحة" ضميرًا، وجعلت "الأبواب" بدلًا من ذلك الضمير, ولم يكن تقديره: الأبواب منها, على أن نخلي "مفتحة" من الضمير5.
نعم, وإذا كان في "مفتحة"2
ضمير "والأبواب" بدل منه, فلا بُدَّ أيضًا من أن يكون تقديره1 "مفتحة لهم"2 الأبواب منها.
وليس "منها" وفي "مفتَّحة" ضمير مثلها إذا أخليتها من ضمير.
وذلك أنها إذا خلت "مفتحة" من ضمير فالضمير في "منها" عائد الحال3 إذا كانت مشتقة, كقولك: مررت بزيد واقفًا الغلام معه, وإذا كان في "مفتحة" ضمير فإن الضمير في "منها" هو الضمير الذي يرد به المبدل عائدًا على المبدل منه, كقولك: ضربت زيدًا رأسه, أو الرأس منه, وكلمت قومك نصفهم4 أو النصف منهم, وضرب زيد الظهر والبطن, أي: الظهر منه والبطن منه.
فاعرف ذلك فرقًا بين الموضعين.
ومن تذكير المؤنّت قوله:
إن امرأ غرَّه منكنَّ واحدةٌ ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور5
لما فصل بين الفعل وفاعله حذف علامة التأنيث, وإن كان تأنيثه حقيقيًّا.
وعليه قولهم: حضر القاضي امرأة, وقوله 6:
لقد ولد الأخيطل أم سوء ... على باب استها صلب وشام
وأما قول جران العود 7:
ألا لا يغرّن امرؤ نوفلية ... على الرأس بعدي أو ترائب وضّح
فليست النوفليّة هنا امرأة, وإنما هي مشطة1 تعرف بالنوفلية؛ فتذكير الفعل معها2 أحسن.
وتذكير المؤنث واسع جدًّا؛ لأنه ردّ فرع إلى أصل.
لكن تأنيث المذكر أذهب في التناكر والإغراب.
وسنذكره.
وأما تأنيث المذكّر فكقراءة من قرأ3 ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ 4 وكقولهم: ما جاءت حاجتك, وكقولهم: ذهبت بعض أصابعه, أنَّث ذلك لما كان بعض السيارة سيارة في المعنى, وبعض الأصابع إصبعًا, ولما كانت "ما " هي الحاجة في المعنى, وأنشدوا:
أتهجر بيتًا بالحجاز تلفَّعت ... به الخوف والأعداء من كل جانب5
ذهب بالخوف إلى المخافة, وقال لبيد:
فمضى وقدمها وكانت عادة ... منه إذا هي عرَّدت إقدامها
إن شئت قلت: أنَّثَ الإقدام لما كان في معنى التقدمة, وإن شئت قلت: ذهب6
إلى تأنيث العادة، كما ذهب إلى تأنيث الحاجة في قوله 1: " ما جاءت حاجتك"2 وقال 3:
يأيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت
ذهب إلى تأنيث الاستغاثة.
وحكى4 الأصمعي عن أبي عمرو أنه سمع رجلًا من أهل اليمن يقول: فلان لغوب جاءته, جاءته كتابي فاحتقرها! فقلت له: أتقول: جاءته كتابي! فقال: نعم, أليس بصحيفة! قلت: فما اللغوب, قال: الأحمق.
وهذا في النثر كما ترى, وقد علله.
وهذا مما قد5 ذكرناه "فيما مضى من"6 كتابنا هذا غير أنا أعدناه لقوته في معناه, وقال7:
لو كان في قلبي كقدر قلامةٍ ... حبًّا لغيرك قد أتاها أرسلي
كَسَّر رسولًا وهو مذكر على أَرْسُل, وهو من تكسير المؤنث؛ كأتان وآتُن, وعناق وأعنق, وعُقاب وأعُقب, لما كان الرسول هنا إنما يراد به المرأة؛ لأنها في غالب
الأمر مما يستخدم في هذا الباب, وكذلك ما جاء عنهم من جناح واجنح.
قالوا: ذهب "في التأنيث"1 إلى الريشة.
وعليه قول2 عمر 3:
فكان مجنيّ دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كأعبان ومعصر
أنث الشخص؛ لأنه أراد به المرأة.
وقال الآخر 4:
فإن كلابًا هذه عشرُ أبطُن ... وأنت بريء من قبائلها العَشْر
ذهب بالبطن إلى القبيلة، وأبان ذلك بقوله: من قبائلها.
وأما قوله 5:
كما شرقت صدر القناة من الدم
فإن شئت قلت: أنث لأنه أراد القناة, وإن شئت قلت: إن صدر القناة قناة.
وعليه قوله 6:
مشين كما اهتزت رماحٌ تسفَّهت ... أعاليها مرُّ الرياح النواسم
وقول الآخر 1: لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع وقوله2: طول الليالي أسرعت في نقضي وقوله: على قبضة موجوءة ظهر كفه3 وقول الآخر 4: قد صرح السير عن كتمان وابتذلت ... وقع المحاجن بالمهريّة الذقن وأما قول بعضهم: صرعتني بعير لي, فليس عن ضرورة؛ لأن5 البعير يقع على الجمل والناقة, وقال: لا تشربا لبن البعير وعندنا ... عرق الزجاجة واكف المعصار6
عز اسمه: "وَمَنْ تَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ"1 لأنه أراد: امرأة.
ومن باب الواحد والجماعة قولهم: هو أحسن الفتيان وأجمله, أفرد الضمير؛ لأن هذا موضع يكثر فيه الواحد كقولك 2: هو أحسن فتى في الناس؛ قال ذو الرمة:
وميَّة أحسن الثقلين وجهًا ... وسالفة وأحسنه قذالًا3
فأفرد الضمير مع قدرته على جمعه, وهذا يدلك على قوة اعتقادهم أحوال المواضع4, وكيف ما يقع فيها, ألا ترى أن الموضع موضع جمع, وقد تقدَّم في الأول لفظ الجمع فتُرِكَ اللفظ وموجب الموضع إلى الإفراد؛ لأنه يؤلف في هذا المكان.
وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ 5 فحمل على المعنى وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ 6 فأفرد على لفظ من, ثم جمع من بعد، وقال عبيد 7:
فالقطبيات فالذنوب
وإنما القُطبيّة ماء واحد1 معروف.
وقال الفرزدق:
فيا ليت داري بالمدينة أصبحت ... بأجفار فلج أو بسيف الكواظم2
يريد الجفر وكاظمة.
وقال جرير:
بان الخليط برامتين فودعوا ... أو كلما ظعنوا لبين تجزع
وإنما رامة أرض واحدة معروفة.
واعلم أن العرب إذا حملت على المعنى لم تكد4 تراجع اللفظ؛ كقولك: شكرت من أحسنوا إلي على فعله "ولو قلت: شكرت من أحسن إلي على فعلهم, جاز"5.
فلهذا ضعف عندنا أن يكون "هما" من "مصطلاهما" في قوله 6:
كميتًا الأعالي جونتا مصطلاهما73
عائدًا على الأعالي في المعنى؛ إذ كانا أعليين اثنين1، لأنه موضع قد ترك فيه لفظ التثنية حملًا على المعنى؛ لأنه جعل كل جهة منهما2 أعلى؛ كقولهم: شابت مفارقه, وهذا بعير ذو عثانين3, ونحو ذلك, أو لأن الأعليين شيئان من شيئين.
فإذا كان قد انصرف عن اللفظ إلى غيره ضعفت معاودته إياه؛ لأنه انتكاث وتراجع, فجرى ذلك مجرى إدغام الملحق وتوكيد ما حذف.
على أنه قد جاء منه شيء؛ قال:
رءوس كبيريهنّ ينتطحان4
وأما قوله 5:
كلاهما حين جدَّ الحرب بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
فليس من هذا الباب، وإن كان قد عاد من بعد التثنية إلى الإفراد.
وذلك أنه لم يقل: كلاهما قد أقلعا وأنفه راب, فيكون ما أنكرناه, لكنه قد أعاد "كلا" أخرى غير الأولى, فعاملها على لفظها.
ولم يقبح ذلك؛ لأنه قد فرغ من حديث6 الأولى, ثم استأنف من بعدها أخرى, ولم يجعل الضميرين عائدين إلى كلا واحدة.
وهذا كقولك: من يقومون أكرمهم, ومن يقعد أضربه.
فتأتي ب"من" الثانية فتعاملها على ما تختار مما يجوز مثله.
وهذا واضح فاعرفه.
ولا يحسن "ومنهم من يستمعون إليك حتى إذا خرج7 من عندك" لما ذكرنا.
وأما قول الفرزدق:
وإذا ذكرت أباك أو أيامه ... أخزاك حيث تُقَبَّل الأحجار1
-يريد الحجر- فإنه جعل كل ناحية حجرًا, ألا ترى أنك لو مسست كل ناحية منه لجاز أن تقول: مسست الحجر.
وعليه شابت مفارقه, وهو كثير العثانين.
وهذا عندي هو سبب إيقاع لفظ الجماعة على معنى الواحد.
وأما2 قوله 3:
فقلنا أسلموا إنّا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور
فيجوز أن يكون جمع أخ قد4 حذفت نونه للإضافة, ويجوز أن يكون واحدًا وقع موقع الجماعة كقوله 5:
ترى جوانبها بالشحم مفتوقا
وقد توضع من للتثنية؛ وذلك قليل؛ قال 6:
نكن مثل مًنْ يا ذئبُ يصطحبان
وأنشدوا:
أخو الذئب يعوي والغراب ومن يكن ... شريكيه تطمع نفسه كل مطمع1
أودع ضمير "من" في "يكن" على لفظ الإفراد وهو اسمها, وجاء ب"شريكيه" خبرًا ل"يكن" على معنى التثنية, فكأنه قال: و"أي اثنين"2 كانا شريكيه طمعت أنفسهما كل مطمع. على هذا اللفظ أنشدناه أبو علي, وحكى المذهب فيه عن الكسائي أعني: عود التثنية على لفظ "من"؛ إلا أنه عاود لفظ الواحد بعد أن حمل على معنى التثنية بقوله: تطمع نفسه "ولم يقل: تطمع أنفسهما"3.
ولو ذهب فيه ذاهب إلى أنه من المقلوب لم أر به بأسًا, حتى كأنه قال: ومن يكن شريكهما تطمع نفسه كل مطمع.
وحسن ذلك شيئًا العلم بأنه إذا كان شريكهما كانا أيضًا شريكيه, فشجع بهذا القدر على ما ركبه من القلب.
فاعرف ذلك.
والحمل على المعنى واسع في هذه اللغة جدًّا, ومنه قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ 4 ثم قال: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ 5 قيل فيه: إنه محمول على المعنى, حتى كأنه قال: أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه, أو كالذي مَرَّ على قرية، فجاء بالثاني على أن الأول قد سبق كذلك.
ومنه إنشادهم بيت امرئ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألّا يحسن اللهو أمثالي6
بنصب1 "يحسن", والظاهر أن يرفع؛ لأنه معطوف على أن الثقيلة, إلا أنه نصب أن هذا موضع قد كان يجوز "أن تكون"2 فيه أن الخفيفة3 حتى كأنه قال: ألا زعمت بسباسة أن يكبر فلان؛ كقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ 4 بالنصب.
ومن ذلك قوله 5:
بدا لي أني لستُ مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا
لأن هذا موضع يحسن فيه لست بمدرك ما مضى.
ومنه قوله سبحانه: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ 6 وقوله:
فأبلوني بليتكم لعلِّي ... أصالحكم وأستدرج نويّا7
حتى كأنه قال: أصالحكم وأستدرج نوايا8.
ومن ذلك قول الآخر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح9
لأنه لما قال: ليبك يزيد, فكأنه قال: ليبكه ضارع لخصومة.
وعلى هذا تقول: أكل الخبز زيد, وركب الفرس محمد, فترفع زيدًا ومحمدًا بفعل ثانٍ يدل10 عليه الأول وقوله 11:
إذا تغنَّى الحمام الورق هيجني ... ولو تعزيت عنها أم عمَّار1
لأنه لما قال: هيجني دلَّ على ذَكَّرني, فنصبها به.
" فاكتفى بالمسبب الذي هو التهييج من السبب الذي هو التذكير"2 ونحوه قول الآخر:
أسقى الإله عدوات الوادي ... وجوزه كل ملثٍّ غاد
كل أجشٍّ حالك السواد3
لأنه إذا أسقاها الله كل ملثٍّ فقد سقاها ذلك الأجشُّ.
وكذلك قول الآخر 4:
تواهق رجلاها يداها ورأسه ... لها قَتَبٌ خلف الحقيبة رادف
أراد: تواهق رجلاها يديها, فحذف المفعول وقد عُلِمَ أن المواهقة لا تكون من5 الرجلين دون اليدين, وأن اليدين مواهقتان كما أنهما مواهقتان.
فأضمر لليدين فعلًا دلَّ عليه الأول, فكأنه قال: تواهق يداها رجليها, ثم حذف المفعول في هذا كما حذفه6 في الأول
فصار على ما ترى: تواهق رجلاها يداها.
فعلى هذه الصنعة1 التي وصفت لك تقول: ضارب "زيد عمرو"2 على أن ترفع عمرًا بفعل غير هذا الظاهر, ولا يجوز أن يرتفعا3 جميعًا بهذا الظاهر , فأمَّا قولهم: اختصم زيد وعمرو ففيه نظر.
وهو أن عمرًا مرفوع بفعل آخر غير هذا الظاهر على حدِّ قولنا في المعطوف: إن العامل فيه غير العامل في المعطوف عليه, فكأنه قال: اختصم زيد واختصم عمرو, وأنت مع هذا لو نطقت بهذا الذي تقدِّره لم يصلح الكلام معه؛ لأن الاختصام لا يكون من أقل من اثنين.
وعلة جوازه أنه لمَّا4 لم يظهر الفعل الثاني المقدَّر إلى اللفظ لم يجب تقديره وإعماله, كأشياء تكون في التقدير فتحسن, فإذا أنت أبرزتها إلى اللفظ قبحت, وقد ذكرنا ذلك فيما مضى.
ومن ذلك قول الآخر 6:
فكرّت تبتغيه فوافقته ... على دمه ومصرعه السباعا
وذلك أنه إذا وافقته والسباع معه, فقد دخلت السباع في الموافقة, فكأنه قال فيما بعد: وافقت السباع.
وهو عندنا على حذف المضاف, أي: وافقت آثار السباع.
قال أبو علي: لأنها لو وافقت7 السباع هناك لأكلتها معه.
ف"على" الآن هذه الظرف85
منصوبة1 بالفعل المحذوف الذي نصب السباع في التقدير, ولو رفعت السباع لكانت "على" هذه مرفوعة الموضع لكونها خبرًا عن السباع مقدَّمًا, وكانت تكون متعلقة بالمحذوف؛ كقولنا في قولهم: في الدار زيد.
" وعلى هذا"2 قال3 الآخر 4:
تذكرت أرضًا بها أهلها ... أخوالها فيها وأعمامها
لك فيها وجهان: إن شئت قلت: إنه أضمر فعلًا للأخوال والأعمام على ما تقدَّم, فنصبهما به, كأنه قال فيما بعد: تذكرت أخوالها فيها وأعمامها, ودلّ على هذا الفعل المقدَّر قوله: تذكرت أرضًا بها أهلها؛ لأنه إذا تذكَّر هذه الأرض فقد علم أن التذكر قد أحاط بالأخوال والأعمام؛ لأنهم فيها على ما مضى من الأبيات.
وإن شئت جعلت أخوالها وأعمامها بدلًا من الأرض بدل الاشتمال, على قول الله سبحانه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ 5.
فإن قلت: فإن البدل العامل عندك فيه هو غير العامل في المبدل منه, وإذا كان الأمر كذلك فقد آل الحديث إلى موضع واحد وهو إضمار الفعل, فلم قسمت الأمر فيهما إلى موضعين؟
قيل: الفرق قائم.
ووجهه أن اتصال المبدل6 منه أشد من اتصال ما حمل على المعنى بما قبله, وإنما يأتي بعد استقرار الكلام الأوّل ورسوخه،
وليس كذلك البدل؛ لأنه وإن كان العامل فيه غير الأول عندنا فإنه مع ذلك مشابه للصفة وجارٍ مجراها.
نعم وقد خالف فيه أقوام, فذهبوا إلى أن العامل في الثاني هو العامل في الأول.
وحدثنا أبو علي أن الزيادي1 سأل أبا الحسن عن قولهم: مررت برجل قائمٌ زيدٌ أبوه, أأبوه بدل أم صفة؟ قال: فقال أبو الحسن: لا أبالي بأيهما أجبتُ.
أفلا ترى إلى تداخل الوصف والبدل, وهذا يدل على ضعف العامل المقدر مع البدل.
وسألت أبا علي -رحمه الله- عن مسألة2 الكتاب: رأيتك إياك قائمًا الحال لمن هي؟ فقال: ل"إياك", قلت: فالعامل فيها ما هو؟ قال: "رأيت" هذه الظاهرة, قلت: أفلا تعلم أن "إياك" معمول فعل آخر غير الأول, وهذا يقود3 إلى أن الناصب للحال هو الناصب لصاحبها, أعني: الفعل المقدَّر؟ فقال: لما لم يظهر ذلك العامل ضعف حكمه, وصارت المعاملة مع هذا الظاهر.
فهذا يدلك على ضعف العامل في البدل واضطراب حاله, وليس كذلك العامل إذا دلَّ عليه غيره نحو قوله:
تواهق رجلاها يداها.
. .
وقوله:
ولو تعزّيت عنها أم عمار
ونحو ذلك؛ لأن هذا فعل مثبت, وليس محل ما يعمل فيه المعنى محل البدل, فلما اختلف هذان الوجهان من هذين الموضعين اعتددناهما قسمين اثنين.
ومن ذلك قوله 1:
لن تراها ولو تأمَّلت إلّا ... ولها في مفارق الرأس طيبا
وهذا هو الغريب من هذه الأبيات, ولعمري إن الرؤية إذا لحقتها فقد لحقت ما هو متصل بها, ففي ذلك شيئان:
أحدهما أن الرؤية وإن كانت مشتملة عليها فليس لها طريق إلى الطيب في مفارقها، اللهمَّ إلا أن تكون2 حاسرة غير مقنعة, وهذه بذلة وتطرح لا توصف به الخفرات ولا المعشقات3, ألا ترى إلى قول كثير:
وإني لأسمو بالوصال إلى التي ... يكون سناء وصلها وازديارها4
ومن كانت من النساء هذه حالها فليست رذلة ولا مبتذلة.
وبه وردت الأشعار القديمة والمولدة؛ قال الطائي:
عالي الهوى مما يعذِّب مهجتي ... أروية الشعف التي لم تسهل5
وهي6 طريق مهيع.
وإذا كان كذلك وكانت الرؤية لها ليس مما يلزم معه رؤية طيب مفارقها وجب أن يكون الفعل المقدَّر لنصب الطيب مما يصحب الرؤية لا الرؤية نفسها, فكأنه قال: لن تراها إلا وتعلم لها أو تتحقق لها في مفارق الرأس طيبًا, غير أن سيبويه حمله على الرؤية.
وينبغي أن يكون أراد 7: ما تدل عليه الرؤية من الفعل الذي قدرناه.
والآخر أن هذه الواو في قوله: ولها كذا هي واو الحال, وصارفة للكلام إلى معنى الابتداء, فقد وجب أن يكون تقديره: لن تراها إلا وأنت تعلم أو تتحقق أو تشمّ, فتأتي بالمبتدأ وتجعل ذلك الفعل المقدَّر خبرًا عنه.
فاعرف ذلك.
ومنه قوله 1:
قد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما
وذات قرنين ضموزا ضرزما
هو من هذا؛ لأنه قد علم أن الحيات مسالمة كما علم أنها مسالمة, ورواها الكوفيون بنصب الحيات، وذهبوا إلى أنه أراد: القدمان, فحذف النون.
وينشدون في ذلك قوله:
لنا أعنز لبنٌ ثلاث فبعضها ... لأولادها ثنتًا وما بيننا عنز2
وينشدون قول الآخر 3:
كأن أذنيه إذا تشوَّفا ... قادمتا أو قلَّمَا محرّفا
على أنه أراد: قادمتان أو قلمان محرفان.
ورووه أيضًا: تخال أذنيه.
. . " قادمة أو قلما للحرفا.
فهذا على أنه يريد: كل واحدة من أذنيه"1, ومما ينسبونه إلى كلام الطير "قول الحجلة للقطاة"2 أقطي3 قطا, فبيضك ثنتًا, وبيضي مائتا, أي: ثنتان ومائتان.
ومن ذلك قوله 4:
يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحا
أي5 وحاملًا رمحًا.
فهذا محمول على معنى الأوّل لا لفظه.
وعليه:
علفتها تبنًا وماءً باردًا ... حتى شتت همَّالة عيناها6
أي: وسقيتها ماء باردًا, وقوله:
تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر7
أي: ويفقأ عينيه, وقوله: تسمع للأجواف منه صردا ... وفي اليدين جسأة وبددا1 أي: وترى في اليدين جسأة وبددا، وقوله 2: فعلا فروع الأيهفان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها أي: وأفرخت نعامها، وقوله3: إذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزجَّجن الحواجب والعيونا أي: وكحلن العيون, ومن المحمول على المعنى قوله 4: طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنه من قوام ما ومنتقبَا لأن الأول في معنى: يا حسنه قوامًا, وقول الآخر 5: يذهبن في نجد وغورا غائرا أي: ويأتين غورا.
وقول1 الآخر 2:
فاذهب فأيّ فتى في الناس أحرزه ... من يومه ظُلم دعج ولا جَبَلُ
"حتى كأنه قال: ما أحد أحرزه ظلم ولا جبل"3.
ومنه قوله 4:
فإن كان لا يرضيك حتى تردَّني ... إلى قطري لا إخالك راضيًا
حمله الفراء على المعنى, قال: لأن معناه: لا يرضيك إلّا أن تردني, فجعل الفاعل متعلقًا على المعنى.
وكان أبو علي يغلظ في هذا ويكبره ويتناكره ويقول: الفاعل لا يحذف, ثم إنه فيما بعد لان له وخفض5 من جناح تناكره.
وعلى كل حال فإذا كان الكلام إنما يصلحه أو يفسده معناه، وكان "هذا معنى"6 صحيحًا مستقيمًا لم أر به بأسًا.
وعلى7 أن المسامحة في الفاعل ليست بالمرضية؛ لأنه أصعب حالًا من المبتدأ.
وهو8 في المفعول أحسن, أنشد أبو زيد:
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو ... إلى الإصباح آثر ذي أثير9
أراد: اللهو1، فوضع "ألهو" موضعه لدلالة الفعل على مصدره, ومثله قولك لمن قال لك: ما يصنع زيد؟: يصلي أو2 يقرأ, أي: الصلاة أو القراءة.
ومما جاء في المبتدأ من هذا قولهم: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه, أي: سماعك به خير من رؤيتك له.
وقال -عز وجل: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ 3 أي: منا قوم دون ذلك, فحذف المبتدأ وأقام الصفة التي هي الظرف مقامه.
وقال جرير:
نفاك الأغرّ ابن عبد العزيز ... وحقك تُنْفَى عن المسجد4
فحذف "أن" من خبر المبتدأ، وهي: حقك أن تنفى عن المسجد.
وقد جاء ذلك في الفاعل، على عزته.
وأنشدنا 5:
وما راعني إلّا يسير بشرطة ... وعهدي به فينا يفش بكير6
كذا أنشدناه "فينا", وإنما هو قَيْنا, أراد بقوله: "وما راعني إلّا يسير" أي: مسيره "على هذا وجهه"7.
وقد يجوز أن يكون حالًا، والفاعل مضمر، أي: وما راعني إلّا سائرًا بشرطة.
ومنه بيت جميل:
جَزِعتُ حذار البَيْن يوم تحمَّلوا ... وحقّ لمثلي يا بثينة يجزع
أي: وحق لمثلي أن يجزع, وأجاز هشام يسرُّني تقوم, وينبغي أن يكون ذلك جائزًا عنده في الشعر لا في النثر.
هذا أولى عندي من أن "يكون يرتكبه"1 من غير ضرورة.
وباب الحمل على المعنى بحر لا يُنْكَش2، ولا يُفْئج3 ولا يؤبى4 ولا يُغَرَّض5 ولا يُغضغض6.
وقد رأينا وجهه, ووكلنا الحال إلى قوة النظر وملاطفة التأوّل7.
ومنه باب من هذه اللغة واسع لطيف طريف8، وهو اتصال الفعل بحرف ليس مما يتعدّى به؛ لأنه في معنى فعل يتعدى به.
من ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ 8 لما كان في معنى الإفضاء عدَّاه بإلى, ومثله بيت الفرزدق:
قد قتل الله زيادًا عني
لما كان ذلك في معنى: صرفه عني, وقد ذكرناه9 فيما مضى.
وكان أبو علي يستحسنه وينبه عليه.
ومنه قول10 الأعشى:
سبحان من علقمة الفاخر11
علق حر ف الجر بسبحان لما كان معناه: براءة منه.
فصل في التحريف:
قد جاء هذا الموضع في ثلاثة أضرب: الاسم والفعل والحرف.
فالاسم يأتي تحريفه على ضربين: أحدهما مقيس, والآخر مسموع "غير مقيس"1.
الأول ما غيَّره النسب قياسًا, وذلك قولك في الإضافة إلى نَمِر: نَمَريّ، وإلى شقِرة 2: شَقَرِيّ، وإلى قاض: قاضَوِيّ, وإلى حنيفة: حَنفيّ, وإلى عدِيّ: عَدَويّ, ونحو ذلك.
وكذلك التحقير وجمع التكسير نحو: "رجل و"3 رُجَيل ورجال.
الثاني على أضرب: منه ما غيَّرته4 الإضافة5 على غير قياس كقولهم في بني الحُبْلَى6 حُبَلِيّ, وفي بني عَبِيدة7 وجَذِيمة: عُبَدِيّ وجُذَمِيّ, وفي زَبِينة 8: زَبانيّ, وفي أَمس: إمسيّ, وفي الأفُق: أَفَقيّ, وفي جَلولاء 9: جَلوليّ, وفي خرسان: خُرْسٍيّ, وفي دَسْتواء 10: دستوانيّ.
ومنه ما جاء في غير الإضافة, وهو نحو قوله 11:
من نسج داود أبي سلام
يريد: أبي1 سليمان, وقول الآخر 2: وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق يريد: ثعلبة بن سيار, وأنشدنا أبو علي: أبوك عطاء ألأم الناس كلهم3 يريد: عطية بن الخطفي, وقال العبد: وما دمية من دُمَى ميسنا ... ن معجبة نظرًا واتصافًا4 أراد: ميسان, فغير5 الكلمة بأن زاد فيها نونًا فقال: ميسنان, وقال لبيد: درس المنا بمتالع فأبان6 أراد: المنازل, وقال علقمة: كأنّ إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم7
وقال:
واستحرَّ القتل في عبد الأشل
يريد الأشهل1.
" وقال:
بسبحل الدفين عيسجور2
أي: بسبحل"2.
وقال:
تحاذر وقع السوط خوصاء ضمَّها ... كلال فجالت في حجا حاجب ضمر4
يريد: في حجاج حاجب. " وقد مضى من التحريف في الاسم ما فيه كافٍ بإذن الله"5.
تحريف الفعل:
من ذلك ما جاء من المضاف مشبهًا بالمعتل, وهو قولهم في ظللت: ظلت، "وفي مسست: مِسَتْ"6 وفي أحسست: أحَسْت، قال 7:
خلا أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهنّ إليه شوس3
وهذا مشبَّه بخفت وأردت.
وحكى ابن الأعرابي في ظننت ظَنْتُ.
وهذا كله لا يقاس1 عليه؛ لا تقول في شممت: شَمْتُ ولا شِمْتُ؛ ولا في "أقضضت 2: أقضت".
فأما قول أبي الحسن في مثال اطمأنَّ من الضرب: اضرببَّ3، وقول النحويين فيه: اضربب فليس تحريفًا, وإنما هذا عند كل واحد من القبليلين هو الصواب.
ومن تحريف الفعل ما جاء منه مقلوبًا كقولهم في اضمحل َّ: امضحلَّ, وفي أطيب: أيطب, وفي اكفهرَّ: اكرهفَّو وما كان مثله.
فأمَّا جذب وجبذ فأصلان؛ لأن كل واحد منهما متصرف وذو مصدر, كقولك: جذب يجذب جذبًا, وهو جاذب, وجبذ يجبذ جبذًا وهو جابذ, وفلان مجبوذ ومجذوب, فإذا4 تصرفا لم يكن أحدهما بأن يكون أصلًا لصاحبه أولى من أن يكون صاحبه أصلًا له.
وأما قولهم: أيس فمقلوب من يئس, ودليل ذلك من وجهين.
أحدهما "أن لا مصدر"5 لقولهم: أيس, فأما الإياس فمصدر أست, قال أبو علي: وسمّوا6 الرجل إياسًا كما سموه عطاء؛ لأن أست: أعطيت.
ومثله