باب في زيادة الحرف عِوضًا من آخر محذوف:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
اعلم أن الحرف الذي يحذف فيجاء بآخر1 عوضًا منه على ضربين: أحدهما أصلي والآخر زائد.
الأول من ذلك على ثلاثة أضرب 2: فاء, عين, لام.
أما ما حذفت3 فاؤه وجيء بزائد عوضًا منه فباب فعله في المصادر4، نحو: عدة وزنة وشية وجهة.
والأصل5 وعدة ووزنة ووشية ووجهة, فحذفت الفاء لما ذكر في تصريف ذلك، وجعلت التاء بدلًا6 من الفاء.
ويدل على أن أصله ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ 7 وأنشد أبو زيد:
ألم تر أنني -ولكل شيء ... إذا لم تؤت وجهته تعاد
أطعت الآمريّ بصرم ليلى ... ولم أسمع بها قول الأعادي8
وقد حذفت الفاء في أناس, وجعلت ألف فعال بدلًا منها "فقيل: ناس, ومثالها عال؛ كما أن مثال عدة وزنة علة.
وقد حذفت الفاء وجعلت تاء افتعل عوضًا منها"1 وذلك قولهم 2: تقي يقتي, والأصل: اتَّقى يتقي فحذفت التاء فبقي تقي, ومثاله تعل ويتقي: يتعل, قال الشاعر 3:
جلاها الصيقلون فأخلصوها ... خفافًا كلها يتقي بأثر4
وقال أوس 5:
تقاك بكعب واحد وتلذه ... يداك إذا ما هز بالكف يعسل6
وأنشد أبو الحسن:
زيادتنا نعمان لا تنسينّها ... تق الله فينا, والكتاب الذي تتلو7
ومنه أيضًا قولهم: تجه يتجه, "وأصله اتّجه"8, ومثال تجه على هذا تعل كتقي سواء.
وروى أبو زيد أيضًا فيما حدثنا به أبو علي عنه: تجه يتجه, فهذا من لفظ آخر وفاؤه تاء.
وأنشدنا:
قصرت له القبيلة اذتجهنا ... وما ضاقت بشدّته ذراعي9
فهذا محذوف من اتَّجه كاتَّقى.
فأمَّا1 قولهم: اتخذت فليست تاؤه بدلًا من شيء, بل هي فاء أصلية بمنزلة اتَّبعت من تبع, يدل على ذلك ما أنشده الأصمعيّ من قوله 2:
وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفًا كأفحوص القطاة المطرّق3
وعليه قول الله سبحانه: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ 4 وذهب أبو إسحاق إلى أن اتخذت كاتقيت واتزنت, وأن الهمزة أجريت في ذلك مجرى الواو.
وهذا ضعيف إنما جاء منه شيء شاذ؛ أنشد ابن الأعرابي:
في داره تقسم الأزواد بينهم ... كأنما أهله منها الذي اتّهلا5
وروى لها أبو علي عن أبي الحسن علي بن سليمان متَّمن6.
وأنشد:
. . . . . . . . . بيض اتَّمن
والذي يقطع على أبي إسحاق قول الله -عز وجل: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ . فكما أن تجه ليس من لفظ الوجه كذلك, ليس تخذ من لفظ الأخذ.
وعذر من قال: اتَّمن واتَّهل من الأهل, أن لفظ هذا إذا لم يدغم يصير إلى صورة ما أصله حرف لين.
وذلك قولهم في افتعل من الأكل: ايتكل, ومن
الإزرة 1: ايتزر.
فأشبه حينئذ ايتَّعد في لغة من لم يبدل الفاء تاء, فقال: اتَّهل واتَّمن لقول غيره: ايتهل وايتمن, وأجود اللغتين "إقرار الهمز"2 قال الأعشى:
أبا ثبيتٍ أما تنفكّ تأتكل3
وكذلك ايتزر يأتزر, فأما اتَّكلت عليه فمن الواو على الباب؛ لقولهم الوكالة والوكيل.
وقد ذكرنا هذا الموضع في كتابنا في شرح تصريف أبي عثمان.
وقد حذفت الفاء همزة وجعلت "ألف فعال"4 بدلًا منها, وذلك قوله5:
لاه ابن عمِّك لا أفضلت في حسب6
في أحد7 قولى سيبويه.
وقد ذكرنا ذلك.
وأما ما حذفت عينه وزيد هناك حرف عوضًا منها فأينق في أحد1 قولي سيبويه, وذلك أن أصلها أنوق, فأحد قوليه فيها أن الواو التي هي عين حذفت وعوضت منها ياء فصارت: أينق.
ومثالها في2 هذا القول3 على اللفظ: أيفُل, والآخر: أن العين قدمت على الفاء فأبدلت ياء.
ومثالها على هذا أعفُل.
وقد حذفت العين حرف علة, وجعلت ألف فاعل عوضًا منها, وذلك رجل خافٌ ورجل مالٌ ورجل3 هاعٌ لاعٌ.
فجوّز أن يكون هذا فَعِلا كفَرِقَ, فهو فرِق, وبطر فهو بطِر.
ويجوز أن يكون فاعلًا حذفت عينه وصارت ألفه عوضًا منها كقوله:
لاثٌ به الأشاء والعُبريّ4
ومما حذفت عينه وصار الزائد عوضًا منها قولهم: سيد وميت وهين ولين؛ قال 5:
هيْنون لينون أيسار ذوو يسرٍ ... سوّاس مكرمةٍ أبناءُ أيسار6
وأصلها فيعِل: سيد وميت وهين ولين, حذفت عينها وجعلت ياء فيعِل عوضًا منها.
وكذلك باب قيدودة وصيرورة وكينونة, وأصلها فيعلولة حذفت عينها, وصارت ياء فيعلولة الزائدة3 عوضًا منها.
فإن قلت: فهلَّا كانت لام فيعلولة الزائدة عوضًا منها, قيل: قد صحَّ في فيعل من نحو: سيد وبابه, أن الياء الزائدة عوض من العين، وكذلك الألف
الزائدة في خافٍ و"هاع لاع"1 عوض من العين.
وجوَّز سيبويه أيضًا ذلك في أينق, فكذلك أيضًا ينبغي أن تحمل فيعلولة على ذلك.
وأيضًا فإن الياء أشبه بالواو من الحرف الصحيح في باب قيدودة وكينونة.
وأيضًا فقد جعلت2 تاء التفعيل عوضًا من عين الفعّال.
وذلك قولهم: قطعته تقطيعًا , وكسرته تكسيرًا, ألا ترى أن الأصل قطاع وكسار, بدلالة قول الله سبحانه: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ 3 وحكى الفراء قال: سالني أعرابي فقال: أحِلَّاق أحب إليك أم قِصَّار, فكما أن التاء الزائدة في التفعيل عوض من العين فكذلك ينبغي أن تكون الياء في قيدودة عوضًا من العين لا الدال4.
فإن قلت: فإن اللام أشبه بالعين من الزائد, فهلّا كانت لام القيدودة عوضًا من عينها, قيل: إن الحرف الأصلي القوي5 إذا حذف لحق بالمعتل الضعيف, فساغ لذلك أن ينوب عنه الزائد الضعيف.
وأيضًا فقد رأيت كيف كانت تاء6 التفعيل الزائدة عوضًا من عينه, "وكذلك ألف فاعل كيف كانت عوضًا من عينه"7 في خاف وهاع ولاع ونحوه.
وأيضًا فإن عين قيدودة وبابها, وإن كانت أصلًا فإنها على الأحوال كلها حرف علة ما دامت موجودة ملفوظًا بها، فكيف
بها إذا حذفت1 فإنها حينئذ توغِل في الاعتلال والضعف.
ولو لم يعلم تمكّن هذه الحروف في الضعف إلّا بتسميتهم إياها حروف العلة لكان كافيًا.
وذلك أنها في أقوى أحوالها ضعيفة, ألا ترى أن هذين2 الحرفين إذا قويا بالحركة فإنك حينئذ3 مع ذلك مؤنس فيهما ضعفًا.
وذلك أنّ تحملهما للحركة أشقّ منه في غيرهما.
ولم يكونا كذلك إلا لأنَّ مبنى أمرهما على خلاف القوة.
يؤكد ذلك عندك أن أذهب الثلاث في الضعف والاعتلال الألف.
ولما كانت كذلك لم يمكن4 تحريكها البتة, فهذا أقوى دليل على أن الحركة إنما يحملها ويسوغ فيها5 من الحروف الأقوى لا الأضعف.
ولذلك ما تجد أخف الحركات الثلاث6 -وهي الفتحة- مستثقلة7 فيهما8 حتى9 يجنح لذلك, ويستروح إلى إسكانها نحو قوله:
يا دار هند عفت إلا أثافيها10
وقوله:
كأن أيديهنّ بالقاع القرق11
ونحو من1 ذلك قوله 2: وأن يعرين إن كسى الجواري ... فتنبو العين عن كرم عجاف نعم، وإذا كان الحرف1 لا يتحامل بنفسه حتى يدعو إلى اخترامه وحذفه كان بأن يضعف عن تحمل الحركة الزائدة عليه فيه أحرى وأحجى, وذلك نحو قول الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ 2 و ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ 4 و ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ 5، وقوله 6: ... ... ... ... وما ... قرقر قمر الواد بالشاهق7 وقال الأسود "بن يعفر "8: فألحقت أخراهم طريق ألاهم93
يريد أولاهم، و ﴿يَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ 1 و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ 2 كتبت في المصحف بلا واو للوقف عليها كذلك.
وقد حذفت الألف في نحو ذلك, قال رؤبة:
وصَّاني العجاج فيما وصني3
يريد: فيما وصاني.
وذهب أبو عثمان في قول الله -عز اسمه: "يَا أَبَتَ"4 إلى أنه أراد يا أبتاه, وحذف الألف.
ومن أبيات الكتاب قول لبيد:
رهط مرجوم ورهط ابن المعلّّ5
يريد المعلّي, وحكى6 أبو عبيدة وأبو الحسن وقطرب وغيرهم رأيت فرج, ونحو ذلك.
فإذا كانت هذه الحروف تتساقط وتهي عن حفظ أنفسها وتحمل7 خواصَّها وعواني8 ذواتها, فكيف بها إذا جُشِّمت احتمال الحركات النّيفات على مقصور صورها.
نعم وقد أعرب بهذه الصور9 أنفسها, كما يعرب بالحركات التي هي أبعاضها.
وذلك في باب أخوك وأبوك, وهناك وفاك, وحميك وهنيك, والزيدان والزيدون
والزيدين.
" وأجريت"1 هذه الحروف مجرى الحركات في زيدٌ وزيدًا وزيدٍ, ومعلوم أن الحركات لا تحمل -لضعفها- الحركات.
فأقرب أحكام هذه الحروف إن لم تمنع2 من احتمالها الحركات أن3 إذا تحملتها جفت عليها وتكاءدتها4.
ويؤكد عندك ضعف هذه الأحرف الثلاثة أنه5 إذا وجدت أقواهن -وهما الواو والياء- مفتوحًا ما قبلها فإنهما كأنهما تابعان لما هو منهما؛ ألا ترى إلى ما جاء عنهم من نحو: نوبة ونوب, وجوبة6 وجوب, ودولة ودول.
فمجيء فَعْلة على فُعَل يريك أنها كأنها إنما جاءت عندهم من فُعْلة, فكأن دَولة دُولة, وجَوْبة جُوبة, ونَوبة نُوبة.
وإنما ذلك لأنَّ الواو مما سبيله أن يأتي تابعًا للضمة.
وكذلك ما جاء من فَعلة مما عينه ياء على فِعَل؛ نحو: ضَيْعة وضِيع, وخيمة وخيم, وعَيبة7 وعِيب, كأنه إنما جاء على أن واحدته فِعلة نحو: ضِيعة وخِيمة وعِيبة.
أفلا تراهما مفتوحًا ما قبلهما مجراتين مجراهما مكسورًا ومضمومًا ما قبلهما, فهل هذا إلّا لأنَّ الصنعة مقتضية لشياع الاعتلال فيهما.
فإن قلت: ما أنكرت ألا يكون ما جاء من نحو: فَعْلة على فُعَل -نحو: نُوب وجُوَب ودُول- لما ذكرته من تصور الضمة في الفاء, ولا يكون ما جاء من فَعلة على فِعَل, نحو: ضِيع وخِيم وعِيب لما ذكرته من تصور الكسرة في الفاء, بل لأنَّ ذلك ضرب من التكسير ركَّبوه فيما عينه معتلة, كما ركَّبوه فيما عينه صحيحة؛
نحو لأمةٍ1 ولُؤَم وعَرْصة وعُرَص وقَرْية وقُرًى وبروة2 وبُرا -فيما ذكره أبو علي- ونَزْوة3 ونُزًا -فيما ذكره أبو العباس- وحَلْقة وحِلَق, وفَلْكة وفَلك.
قيل: كيف تصرفت الحال فلا اعتراض شكَّ في أن الياء والواو أين وقعتا وكيف تصرَّفتا معتدَّتان حرفي علة ومن أحكام4 الاعتلال أن يتبعا ما هو منهما.
هذا، ثم إنَّا5 رأيناهم قد كسَّروا فَعْلة مما6 هما عيناه على فُعَل وفِعَل, نحو: جُوَب ونُوَب, وضِيَع وخِيَم, فجاء تكسيرهما تكسير ما واحدة مضموم الفاء ومكسورها.
فنحن الآن بين أمرين 7: إما أن نرتاح لذلك ونعلله, وإما أن نتهالك فيه ونتقبله غُفْل الحال, ساذَجًا من الاعتلال.
فإن يقال: إن8 ذلك لما ذكرناه من اقتضاء الصورة فيهما أن يكونا في الحكم تابعين لما قبلهما أولى من أن ننقض الباب فيه, ونعطي اليد عنوة به من غير نظر له ولا اشتمال من الصنعة عليه, ألا ترى إلى قوله: وليس شيء9 مما يضَّطرون إليه إلا هم يحاولون10 له وجهًا.
" فإذا"11 لم يخل مع الضرورة من وجه من القياس محاول فهم لذلك مع الفسحة في حال السعة أولى بأن يحاولوه, وأحجى بأن يناهدوه12 فيتعللوا13 به ولا يهملوه.
فإذا ثبت ذلك في باب ما عينه ياء أو واو, جعلته الأصل في ذلك, وجعلت ما عينه صحيحة فرعًا له ومحمولًا عليه, نحو: حِلَقٍ وفِلكٍ وعُرَص ولُؤَم وقرى وبرا, كما أنهم لما أعربوا بالواو والياء والألف في الزيدون والزيدين والزيدان, تجاوزوا
ذلك إلى أن أعربوا بما ليس من حروف اللين.
وهو النون في يقومان وتقعدين وتذهبون.
فهذا1 جنس من تدريج اللغة الذي تقدَّم بابه فيما مضى من كتابنا هذا.
وأما ما حذفت لامه وصار الزائد عوضًا منها فكثير.
منه باب سنة ومائة ورئة وفئة وعضة وضعة.
فهذا ونحوه مما حذفت لامه وعوّض منها تاء التأنيث, ألا تراها كيف تعاقب اللام في نحو: برة وبرا, وثبة وثبا.
وحكى أبو الحسن عنهم: رأيت مِئْيا بوزن مِعْيًا.
فلما حذفوا قالوا: مائة.
فأما بنت وأخت, فالتاء عندنا بدل من لام2 الفعل وليست عوضًا.
وأما ما حذف لالتقاء السكانين من هذا النحو فليس الساكن الثاني3 عندنا بدلًا ولا عوضًا؛ لأنه ليس لازمًا.
وذلك نحو: هذه عصًا ورحًا, وكلمت معلّى, فليس التنوين في الوصل ولا الألف التي هي بدل منها4 في الوقف -نحو: رأيت عصًا, عند5 الجماعة، وهذه عصا, ومررت بعصا, عند أبي عثمان والفراء- بدلًا من لام الفعل ولا عوضًا, ألا تراه غير لازم؛ إذ كان التنوين يزيله الوقف, والألف التي هي بدل منه يزيلها الوصل.
وليست كذلك تاء مائة وعضة وسنة وفئة وشفة؛ لأنها ثابتة في الوصل ومبدلة هاء في الوقف.
فأمَّا الحذف فلا حذف.
وكذلك ما لحقه علم الجمع نحو: القاضون والقاضين والأعلَون والأعلَين, فعلم الجمع ليس عوضًا ولا بدلًا؛ لأنه ليس لازمًا.
فأمَّا قولهم: هذان وهاتان واللذان واللتان والذين واللذون, فلو قال قائل: إن علم التثنية والجمع فيها عوض من الألف1 والياء2 من حيث كانت هذه أسماء صيغت للتثنية والجمع, لا على حد رجلان وفرسان وقائمون وقاعدون, ولكن على حد3 قولك: هما وهم وهن, لكان مذهبًا, ألا ترى أن "هذين " من "هذا " ليس على "رجلين" من "رجل", ولو كان كذلك لوجب أن تنكره البتة, كما تنكر الأعلام نحو: زيدان وزيدين وزيدون وزيدين, والأمر في هذه الأسماء بخلاف ذلك, ألا تراها تجري مثناة ومجموعة أوصافًا على المعارف4 كما تجري عليها مفردة.
وذلك قولك: مررت بالزيدين هذين, وجاءني أخواك اللذان في الدار.
وكذلك قد توصف هي أيضًا بالمعارف نحو قولك: جاءني ذانك الغلامان, ورأيت اللذين في الدار الظريفين.
وكذلك أيضًا تجدها في التثنية والجمع تعمل من نصب الحال ما كانت تعمله مفردة, وذلك نحو قولك 5: هذان قائمين الزيدان, وهؤلاء منطلقين إخوتك.
وقد تقصينا القول في6 ذلك في كتابنا "في سر الصناعة".
وقريب من هذان واللذان قولهم: هيهات مصروفة "وغير مصروفة"7, وذلك أنها جمع هيهاة, وهيهاة عندنا رباعية مكررة8، فاؤها ولامها الأولى هاء، وعينها ولامها الثانية ياء. فهي -لذلك- من باب صِيِصية9.
وعكسها باب يَلْيَل10 ويَهْيَاه11، قال ذو الرمة:
تلؤم يهياهٍ بياهٍ وقد مضى ... من الليل جَوْرٌ واسبطرَّتْ كواكبه1
وقال كُثيِّر:
وكيف ينال الحاجبية آلِفٌ ... بيليل ممساه وقد جاوزت2 رقدًا
فهيهاةُ من مضعَّف الياء بمنزلة المرمرة والقرقرة.
فكان قياسها إذا جمعت أن تقلب اللام ياء, فيقال: هيهيات كشوشيات3 وضوضيات؛ إلا أنهم حذفوا اللام؛ لأنها في آخر اسم غير متمكن ليخالف آخرها آخر الأسماء المتمكنة؛ نحو: رَحَيَان ومَوْليَان.
فعلى هذا قد4 يمكن أن يقال: إن الألف والتاء في هيهات عوض من لام الفعل في هيهاةٍ؛ لأن هذا ينبغي أن يكون اسمًا صيغ للجمع بمنزلة الذين وهؤلاء.
فإن قيل: وكيف ذاك وقد يجوز تنكيره في قولهم: هيهات هيهات, وهؤلاء والذين لا يمكن تنكيرهما5؛ فقد صار إذًا هيهات بمنزلة قصاع وجفان "وكرام وظراف"6.
قيل: ليس التنكير في هذا الاسم المبني على حدّه في غيره من المعرب, ألا ترى أنه لو كانت هيهات من هيهاة بمنزلة أرطيات من أرطاة, وسعليات من سعلاة, لما كانت إلّا نكرة, كما أن سعليات وأرطيات لا تكونان7 إلا نكرتين.
فإن قيل: ولم لا تكون سعليات معرفة إذا جعلتها علمًا؛ كرجل أو امرأة سميتها بسعليات وأرطيات.
وكذلك أنت في هيهات إذا عرَّفتها فقد جعلتها علمًا على معنى البعد, كما أن غاق فيمن لم ينون فقد جعل علمًا لمعنى الفراق, ومن نون فقال: غاقٍ غاقٍ, وهيهاة هيهاة, هيهاتٍ هيهاتٍ, فكأنه قال: بعدًا بعدًا, فجعل التنوين علمًا لهذا المعنى, كما جعل حذفه علمًا لذلك.
قيل: أما على التحصيل فلا تصح هناك حقيقة معنى العلمية.
وكيف يصح ذاك وإنما هذه أسماء1 سمي بها الفعل في الخبر, نحو: شتان وسرعان وأف وأوتاه, وسنذكر ذلك في بابه.
وإذا كانت أسماء للأفعال والأفعال أقعد شيء في التنكير وأبعده عن التعريف, علمت أنه تعليق لفظ متأول2 فيه التعريف على معنى لا يضامه إلا التنكير. فلهذا قلنا: إن تعريف باب هيهات لا يعتدّ تعريفًا. وكذلك غاق وإن لم يكن اسم فعل, فإنه على سمته, ألا تراه صوتًا بمنزلة حاء وعاء وهاء, وتعرّف الأصوات من جنس تعرّف الأسماء المسماة "بها الأفعال"3.
فإن قيل: ألا تعلم أن معك من الأسماء ما تكون4 فائدة معرفته كفائدة نكرته البتة.
وذلك قولهم: غدوة هي في معنى غداة, إلا أن غُدوة معرفة, وغَداة نكرة.
وكذلك أسَد وأُسامة وثعلب وثُعالة وذئب وذُؤالة وأبو جَعْدة وأبو مُعْطة.
فقد تجد هذا التعريف المساوي5 لمعنى التنكير فاشيًا في3 غير ما ذكرته, ثم لم يمنع ذلك أسامة وثعالة وذؤالة وأبا جعدة وأبا معطة6 ونحو ذلك أن تُعدّ في الأعلام, وإن لم يخص الواجد من جنسه, فكذلك لم لا يكون هيهات كما ذكرنا؟
قيل: هذه الأعلام وإن كانت معنياتها نكرات فقد يمكن في كل واحد منها أن يكون معرفة صحيحة كقولك: فرقت ذلك الأسد الذي فرقته, وتبركت1 بالثعلب الذي تبركت1 به، وخسأت الذئب الذي خسأته.
فأما الفعل فمِمَّا لا يمكن تعريفه على وجه, فلذلك لم يعتد2 التعريف الواقع عليه لفظًا سمه خاصة ولا تعريفًا.
وأيضًا فإن هذه الأصوات عندنا في حكم الحروف, فالفعل إذًا أقرب إليها, ومعترض بين الأسماء3، وبينها, أوَلا ترى أن البناء الذي سرى في باب: صه ومه وحيهلا ورويدًا وإيه وأيها وهلمّ, ونحو ذلك من باب: نزال ودراك ونظار ومناع, إنما أتاها من قبل تضمن هذه الأسماء معنى لام الأمر؛ لأن أصل ما صَهْ اسم له -وهو اسكت- لتسكت؛ كقراءة4 النبي -صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ 5 وكذلك مَهْ هو اسم اكفُفْ, والأصل لتكفف.
وكذلك نزال هو اسم انزل, والأصل: لتنزل.
فلما كان معنى اللام عائرًا6 في هذا الشق وسائرًا في أنحائه, ومتصورًا في جميع جهاته دخله البناء من حيث تضمَّن هذا المعنى, كما دخل أين وكيف لتضمَّنهما7 معنى حرف الاستفهام, وأمس لتضمنه معنى حرف التعريف, ومن لتضمنه معنى حرف الشرط, وسوى ذلك.
فأما أفّ وهيهات وبابهما مما هو اسم للفعل فمحمول في8 ذلك على أفعال الأمر.
" وكأنَّ"9 الموضع في ذلك إنما هو لصهْ ومه ورويد ونحو ذلك, ثم حمل عليه باب أفّ وشتان ووشكان "من حيث"10 كان اسمًا سمي به الفعل.
وإذا جاز لأحمد وهو اسم معرفة1 علم أن يشبه ب"أركب" وهو فعل نكرة, كان أن يشبه اسم سمِّي به الفعل في الخبر باسم سمِّي به الفعل في الأمر أولى؛ ألا ترى أن كل واحد منهما اسم, وأن المسمَّى به أيضًا فعل.
ومع ذا فقد تجد لفظ الأمر في معنى الخبر نحو قول الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ 2 وقوله عز اسمه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ 3 أي: فليمدنَّ.
ووقع أيضًا لفظ الخبر في معنى الأمر نحو قوله سبحانه: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ 4, وقولهم: هذا الهلال.
معناه: انظر إليه.
ونظائره كثيرة.
فلمَّا كان أفّ كصه في كونه اسمًا للفعل5 كما أنَّ صه كذلك, ولم يكن بينهما إلّا أن هذا اسم لفعل مأمور به, وهذا اسم لفعل مخبر به6، وكان كل واحد من لفظ الأمر والخبر قد7 يقع موقع صاحبه, صار كأن8 كل واحد منها هو صاحبه, فكأن لا خلاف هناك في لفظ ولا معنى.
وما كان على بعض هذه القربى والشبكة ألحق بحكم ما حمل عليه, فكيف بما ثبتت فيه ووقّت عليه واطمأنت به.
فاعرف ذلك.
ومما حذفت لامه وجعل الزائد عوضًا منها فرزدق وفريزيد9 وسفرجل وسفيريج.
وهذا10 باب واسع.
فهذا طرف من القول على ما زيد من الحروف عوضًا من حرف أصلي محذوف, وأما الحرف الزائد عوضًا من حرف زائد فكثير.
منه التاء في فرازنة وزنادقة وجحاجحة.
لحقت عوضًا من ياء المد في زناديق وفرازين وجحاجيح.
ومن ذلك ما لحقته ياء المد عوضًا من حرف زائد حذف منه نحو قولهم في تكسير مدحرج وتحقيره: دحاريج ودحيريج, فالياء عوض من ميمه.
وكذلك جحافيل وجحيفيل , الياء عوض من نونه1, وكذلك مغاسيل ومغيسيل , الياء عوض من تائه2.
وكذلك زعافير3، الياء عوض من ألفه ونونه.
وكذلك الهاء في تَفْعِلة في المصادر عوض من ياء تفعيل أو ألف فعال.
وذلك نحو: سليته تسلية, وربيته تربية 4: الهاء بدل من ياء تفعيل في تسلَّى وتربَّى, أو ألف سلاء ورباء.
أنشد أبو زيد:
باتت تنزَّى دلوها تنزيًا ... كما تنزى شهلة صبيًّا5
ومن ذلك تاء الفعللة في الرباعي نحو: الهملجة6 والسرهفة؛ كأنها عوض من ألف فعلال نحو: الهملاج والسرهاف, قال العجاج:
سرهفته ما شئت من سرهاف7
وكذلك ما لحق بالرباعي من نحو: الحوقلة والبيطرة والجهورة والسلقاة.
كأنها عوض من ألف حيقال وبيطار وجهوار وسلقاء.
ومن ذلك قول التغلبي 1:
متى كنَّا لأمك مقتوينا2
والواحد مقتويّ وهو منسوب إلى مقتي وهو مفعل من القَتْو وهو الخدمة؛ قال:
إني امرؤ من بني خزيمة لا ... أحسن قتو الملوك والحفدا3
فكان4 قياسه إذا جمع أن يقال: مقتويون ومقتويين, كما أنه إذا جمع بصري وكوفي قيل: كوفيون وبصريون, ونحو ذلك, إلا إنه جعل علم الجمع معاقبًا لياءي الإضافة, فصحت اللام لنية الإضافة, كما تصح معها.
ولولا ذلك لوجب حذفها لالتقاء الساكنين, وأن يقال: مقْتَوْن ومقْتَيْن, كما يقال: هم الأعلَوْن وهم المصطَفَوْن, قال الله سبحانه: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ 5 وقال عز اسمه:
﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ 1 فقد ترى إلى تعويض2 علم الجمع من ياءي3 الإضافة والجميع زائد.
وقال سيبويه4 في ميم فاعلته مفاعلة: إنها عوض من ألف فاعلته, وتتبَّع ذلك محمد بن يزيد فقال: ألف فاعلت5 موجودة في المفاعلة, فكيف يعوض من حرف هو6 موجود غير معدوم. وقد ذكرنا ما في هذا ووجه سقوطه عن6 سيبويه في موضع غير هذا7.
لكن الألف في المفاعل بلا هاء هي ألف فاعلته لا محالة, "وذلك"8 نحو: قاتلته مقاتلًا وضاربته مضاربًا قال:
أقاتل حتّى لا أرى لي مقاتلًا ... وأنجو إذا لم ينج إلّا المكيس9
وقال:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلًا ... وأنجو إذا غم الجبان من الكرب10
فأما أقمت إقامة, وأردت إرادة "ونحو ذلك"1 فإن الهاء فيه على مذهب الخليل وسيبويه عوض من ألف إفعال الزائدة.
وهي في قول أبي الحسن عوض من عين إفعال, على مذهبهما في باب مفعول من2 نحو: مبيع ومقول. والخلاف في ذلك قد عرف وأحيط بحال المذهبين فيه, فتركناه لذلك.
ومن ذلك الألف في يمانٍ وتهامٍ وشئامٍ: هي عوض من إحدى ياءي الإضافة في يمنيّ وتهاميّ وشأميّ. وكذلك ألف ثمان3.
قلت لأبي علي: لم زعمتها للنسب فقال: لأنها ليست بجمع مكسر فتكون كصحارٍ.
قلت له 4: نعم ولو لم تكن للنسب4 للزمتها الهاء البتة؛ نحو: عباقية5 وكراهية وسباهية6.
فقال: نعم هو كذلك.
ومن ذلك أنَّ7 ياء التفعيل بدل من ألف الفعال, كما أن التاء في أوله عوض من إحدى عينيه.
ففي هذا كاف بإذن الله.
وقد أوقع هذا التعاوض في الحروف المنفصلة عن الكلم غير المصوغة فيها الممزوجة بأنفس صيغها.
وذلك قول الراجز -على مذهب الخليل:
إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يومًا على من يتَّكل8
أي: من يتكل عليه.
فحذف "عليه" هذه, وزاد "على" متقدّمة, ألا ترى أنه يعتمل1 إن لم يجد من يتكل عليه.
وندع ذكر قول غيره ههنا.
وكذلك قول الآخر 2:
أولى فأولى يا امرأ القيس بعدما ... خصفن بآثار المطيّ الحوافرا
أي: خصفن بالحوافر آثار المطيّ, يعني: آثار أخفافها.
فحذف الباء من "الحوافر", وزاد أخرى عوضًا منها في "آثار المطي".
هذا على قول من لم يعتقد القلب, وهو أمثل, فما وجدت مندوحة عن القلب لم ترتكبه.
وقياس هذا الحذف والتعويض قولهم: بأيهم تضرب أمرر, أي: أيهم تضرب أمرر به.