الخصائصصفحات 7-45

باب في حفظ المراتب

صفحات 7-45
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

... بسم الله الرحمن الرحيم باب في حفظ المراتب: هذا موضع يتسمح الناس فيه فيخلون ببعض رتبه تجاوزًا لها وربما كان سهوًا عنها.
وإذا تنبهت على ذلك من كلامنا هذا قويت به1 على ألا تضيع مرتبة يوجبها القياس بإذن الله.
فمن ذلك قولهم في خطايا: إن أصله2 كان3 خطائئ ثم التقت الهمزتان غير عينين فأبدلت الثانية على حركة الأولى فصارت ياء: خطائي، ثم أبدلت الياء ألفا لأن الهمزة عرضت في الجمع واللام معتلة فصارت خطاءا، فأبدلت الهمزة على ما كان في الواحد وهو الياء فصارت خطايا.
فتلك أربع مراتب: خطائئ ثم خطائي ثم خطاءا ثم خطايا.
وهو -لعمري- كما ذكروا، إلا أنهم قد أخلوا من الرتب بثنتين: أما إحداهما فإن أصل هذه الكلمة قبل أن تبدل ياؤها همزة خطايئ بوزن خطايع ثم أبدلت الياء همزة فصارت: خطائئ بوزن خطاعع.
والثانية أنك لما صرت إلى خطائي فآثرت إبدال الياء ألفا لاعتراض الهمزة في الجمع مع اعتلال اللام لاطفت الصنعة فبدأت بإبدال الكسرة فتحة لتنقلب الياء ألفا فصرت من خطائي إلى خطاءي بوزن خطاعي ثم أبدلتها لتحركها وانفتاح ما قبلها، على حد4 ما تقول في إبدال لام5 رحى وعصا، فصارت خطاءا بوزن خطاعي ثم أبدلت الهمزة

ياء على مضى فصارت خطايا.
فالمراتب إذًا ست لا أربع.
وهي خطايئ ثم خطائئ ثم خطائي ثم خطاءي ثم خطاءا ثم خطايا.
فإذا أنت حفظت هذه المراتب ولم تضع موضعًا منها قويت دربتك بأمثالها وتصرفت بك الصنعة فيما هو جارٍ مجراها.
ومن ذلك قولهم: إوَزَّة.
أصل وضعها إوْزَزَة.
فهناك الآن عملان: أحدهما قلب الواو ياء1 لانكسار ما قبلها ساكنة والآخر وجوب الإدغام.
فإن قدرت أن الصنعة وقعت في الأول من العملين فلا محالة أنك أبدلت من الواو ياء فصارت إيززة ثم أخذت في حديث الإدغام فأسكنت الزاي الأولى ونقلت فتحتها إلى الياء قبلها فلما تحركت قويت بالحركة فرجعت إلى أصلها -وهو الواو- ثم ادّغمت الزاي الأولى في الثانية فصارت: إوزة كما ترى.
فقد عرفت الآن على هذا أن الواو في إوزة إنما هي بدل من الياء التي في إيززة وتلك الياء المقدرة بدل من واو إوززة2 التي هي واو وز.
وإن أنت قدرت أنك لما بدأتها فأصرتها إلى إوززة أخذت3 في التغيير من آخر الحرف فنقلت الحركة من العين إلى الفاء فصارت إوزة فإن الواو فيها على هذا التقدير هي الواو الأصلية لم تبدل ياء فيما قبل ثم أعيدت إلى الواو كما قدرت ذلك في الوجه الأول.
وكان أبو علي -رحمه الله- يذهب إلى أنها لم تصر إلى إيززة.
قال: لأنها لو كانت كذلك لكنت إذا ألقيت الحركة على الياء بقيت بحالها ياء4، فكنت تقول: إيزة.
فأدرته عن5 ذلك وراجعته فيه6 مرارا فأقام عليه.
واحتج

بأن الحركة منقولة إليها فلم تقو بها.
وهذا ضعيف جدًَّا ألا ترى أنك لما حركت عين طيّ فقويت رجعت واو في طووي وإن كانت الحركة1 أضعف من تلك لأنها مجتلبة زائدة وليست منقولة من موضع قد كانت فيه قوية معتدة.
ومن ذلك بناؤك2 مثل فعلول من طويت.
فهذا لا بد أن يكون أصله: طويويٌ.
فإن بدأت بالتغيير من الأول فإنك أبدلت الواو الأولى ياء لوقوع الياء بعدها فصار التقدير إلى طييوي ثم ادغمت الياء في الياء فصارت طيويٌ "ثم أبدلت من الضمة كسرة فصارت طيوي"3 ثم أبدلت من4 الواو ياء فصارت إلى طيي ثم أبدلت من الضمة قبل واو فعلول كسرة فصارت طيي ثم ادغمت الياء المبدلة من واو فعلول في لامه فصارت طيِّيّ.
فلما اجتمعت أربع ياءات ثقلت فأردت التغيير لتختلف5 الحروف فحركت الياء الأولى بالفتح لتنقلب الثانية ألفا فتنقلب الألف واوا فصار بك التقدير إلى طييّ فلما تحركت الياء التي هي بدل من واو طويوي الأولى قويت فرجعت بقوتها إلى الواو فصار التقدير: طويي فانقلبت الياء الأولى التي هي لام فعلول الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت طواى ثم قلبتها واوا لحاجتك إلى حركتها -كما أنك لما احتجت إلى حركة اللام في الإضافة إلى رحى قلبتها واوا- فقلت: طووي كما تقول في الإضافة إلى هوى علما: هووى.
فلابد أن تستقرئ هذه المراتب شيئًا فشيئًا ولا تسامحك الصنعة بإضاعة شيء منها.

وإن قدرت أنك بدأت بالتغيير من آخر المثال فإنك لما بدأته على طويوى أبدلت واو فعلول ياء فصار1 إلى2 طوينيي ثم ادغمت3 فصار إلى طوييٍّ4 "وأبدلت من ضمة العين كسرة فصار التقدير طويي"5 ثم أبدلت من الواو ياء فصار طييٌّ ثم ادغمت الياء الأولى في الثانية طيِّيّ ثم عملت فيما بعد من تحريك6 الأولى7 بالفتح وقلب الثانية ألفا ثم قلبها واوا ما كنت عملته في الوجه الأول.
ومن شبه ذلك يلي جمع قرن ألوى8 فإنه يقول: طيي وشيي.
ومن قال: لي فضم فإنه يقول: طيِّي وشييّ فيهما9 من طويت وشويت.
فاعرف بهذا10 حفظ المراتب فيما يرد عليك من غيره ولا تضع رتبة البتة فإنه أحوط عليك وأبهر11 في الصناعة بك بحول الله.
بأي التغييرين في المثال الواحد يبدأ؟ باب في التغييرين في المثال الواحد بأيهما يبدأ اعلم أن القياس يسوغك أن تبدأ بأي العملين شئت: إن شئت بالأول وإن شئت بالآخر.
أما12 وجه علة الأخذ في الابتداء بالأول فلأنك تغير لتنطق بما تصيرك الصنعة إليه وإنما13 تبتدئ14 في النطق بالحرف من أوله لا من آخره.
فعلى هذا

ينبغي أن يكون التغيير من أوله لا من آخره لتجتاز بالحروف وقد رتبت على ما يوجبه العمل فيها وما تصير بك الصنعة عليه إليها إلى أن تنتهي كذلك1 إلى آخرها فتعمل2 ما تعمله ليرد اللفظ بك مفروغًا منه. وأما وجه علة وجوب الابتداء بالتغيير من الآخر فمن قبل أنك إذا أردت التغيير فينبغي أن تبدأ به من أقبل المواضع له3.
وذلك الموضع آخر الكلمة لا أولها لأنه أضعف الجهتين.
مثال ذلك قوله4 في مثال5 إوزة من أويت: إياة.
وأصلها إئوية.
فإبدال الهمزة التي هي فاء واجب وإبدال الياء6 التي هي اللام واجب أيضًا.
فإن بدأت بالعمل من الأول صرت إلى إيوية ثم إلى إييية ثم إلى إياة.
وإن بدأت بالعمل من آخر المثال صرت أول إلى إئواة ثم إلى إيواةٍ ثم إياةٍ.
ففرقت العمل في هذا الوجه ولم تواله كما واليته في الوجه الأول لأنك لم تجد طريقًا إلى قلب الواو ياء7 إلا بعد أن صارت الهمزة قبلها ياء. فلما صارت إلى إيواة أبدلتها ياء فصارت إياة كما ترى. ومن ذلك قوله في مثال جعفر من الواو: أوى. وأصلها وووٌ8.
وههنا عملان واجبان.

أحدهما إبدال الواو الأولى همزة لاجتماع الواوين في أول الكلمة.
والآخر إبدال الواو الآخرة ياء لوقوعها رابعة وطرفا ثم إبدال الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
فإن بدأت العمل من أول المثال صرت إلى أووٍ1، ثم إلى أوي2؛ ثم إلى أوى.
وإن قدرت ابتداءك3 العمل من آخره فإنك تتصور أنه كان وَوّوٌ4 ثم صار إلى وويٍ ثم إلى وويّ5، ثم إلى أوي.
هكذا موجب القياس على ما قدمناه.
وتقول على هذا إذا أردت مثال فعل من وأيت: وؤي.
"فإن خففت الهمزة فالقياس أن تقر المثال على صحة أوله وآخره فتقول: وويٌ"6 فلا تبدل الواو الأولى همزة لأن الثانية ليست بلازمة فلا تعتد إنما هي همزة وؤي خففت فأبدلت في اللفظ واوا وجرت مجرى واو رويا تخفيف رؤيا.
ولو اعتددتها واو البتة لوجب أن تبدلها للياء التي بعدها.
فتقول: وي أو أي على ما نذكره بعد.
وقول الخليل في تخفيف7 هذا المثال: أوي طريف وصعب ومتعب.
وذلك أنه قدر الكلمة تقديرين ضدين لأنه اعتقد صحة الواو المبدلة من الهمزة حتى "قلب لها"8 الفاء فقال: أوي.
فهذا وجه اعتداده إياها.
ثم إنه مع ذلك لم يعتددها ثابتة9 صحيحة ألا تراه لم يقلبها ياء للياء بعدها.
فلذلك قلنا: إن في مذهبه هذا

ضربا من التنتاقض.
وأقرب ما يجب أن نصرفه إليه أن نقول1: قد فعلت العرب مثله في قولهم: مررت بزيد ونحوه.
ألا تراها تقدر الباء تارة كالجزء من الفعل وأخرى كالجزء من الاسم.
وقد ذكرنا هذا فيما مضى.
يقول2: فكذلك يجوز لي أنا أيضًا أن أعتقد في العين من ووى من وجه أنها في تقدير الهمزة3 وأصحها ولا أعلها للياء بعدها ومن وجه آخر أنها في حكم الواو لأنها بلفظها فأقلب لها الفاء4 همزة.
فلذلك قلت: أوي.
وكأن " أبا عمر"5 أخذ هذا الموضع من الخليل فقال في همزة6 نحو رأس وبأس7 إذا خففت في موضع الردف جاز أن تكون ردفا.
فيجوز8 عنده اجتماع راس9 وباس مع ناس.
وأجاز10 أيضًا أن يراعى ما فيها من نية11 الهمزة فيجيز اجتماع راس مع فلس12.
وكأن أبا عمر إن13، 14 كان أخذ هذا الموضع أعذر فيه من الخليل في مسئلته تلك.
وذلك أن أبا عمر لم يقض بجواز كون ألف راس ردفا وغير ردف في قصيدة واحدة.
وإنما أجاز ذلك في قصديتين إحداهما قوافيها نحو حلس وضرس والآخرى قوافيها نحو ناس وقرطاس وقرناس.
والخليل جمع في لفظة واحدة أمرين متدافعين.
وذلك أن صحة الواو الثانية في ووى منافٍ15 لهمزة الأولى

منهما.
وليس له عندي إلا احتجاجه بقولهم: مررت بزيد ونحوه وبقولهم: لا أبا لك.
وقد ذكر ذلك في باب1 التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين.
ولندع هذا إلى أن نقول: لو وجد في الكلام تركيب "ووي" فبنيت منه فعلًا لصرت إلى ووي.
فإن بدأت بالتغيير2 من الأول وجب أن تبدل الواو التي هي فاء همزة فتصير حينئذ إلى أوىٍ ثم تبدل الواو العين ياء لوقوع اللام بعدها ياء فتقول: أي.
فإن قلت: أتعيد الفاء واوا لزوال الواو من بعدها "فتقول: وي أو3 تقرها على قلبها السابق إليها فتقول: أي؟ "4 فالقول عندي إقرار الهمزة بحالها وأن تقول: أي.
وذلك أنا رأيناهم إذا قلبوا العين وهي حرف علة همزة أجروا تلك الهمزة مجرى الأصلية.
ولذلك قال5 في تحقير قائم: هو قوئيم فأقر الهمزة وإن زالت ألف فاعل عنها.
فإذا فعل هذا في العين كانت الفاء أجدر به لأنها6 أقوى من العين.
فإن قلت: فقد قدمت في إوزة أنها لما صارت في التقدير7 إلى إيززة ثم أدرت إليها الحركة الزاي بعدها فتحركت بها.
أعدتها إلى الواو فصارت إوزة فهلا أيضًا أعدت همزة أي إلى الواو لزوال العلة التي كانت8 قلبتها9 همزة أعني واو أوي

قيل: انقلاب حرف العلة همزة فاء أو عينا ليس كانقلاب الياء واوا ولا الواو ياء بل هو أقوى من انقلابهما إليهما ألا ترى إلى قولهم: ميزان ثم لما زالت الكسرة عادت الواو في موازين ومويزين.
وكذلك عين ريح قلبت للكسرة ياء "ثم لما"1 زالت الكسرة عادت واوا فقيل2: أرواح ورويحة.
وكذلك قولهم: موسر وموقن لما زالت الضمة عادت الياء فقالوا: مياسر3، ومياقن4.
فقد ترى إن انقلاب حرف اللين إلى مثله لا يستقر ولا يستعصم لأنه بعد القلب وقبله كأنه صاحبه والهمزة حرف صحيح وبعيد المخرج فإذا قلب حرف اللين إليه أبعده عن جنسه واجتذبه إلى حيزه فصار5 لذلك من وادٍ آخر وقبيل غير القبيل الأول.
فلذلك أقر على ما صار إليه وتمكنت6 قدمه فيما7 حمل عليه.
فلهذا وجب عندنا أن يقال فيه: أي.
"وأما إن8" أخذت العمل من آخر المثال فإنك تقدره على ما مضى: ووى ثم تبدل العين للام فيصير: وي فتقيم9 حينئذ عليه ولا تبغي بدلا به لأنك لم تضطر إلى تركه لغيره.
وكذلك أيضًا يكون هذان الجوابان إن اعتقدت في عين وؤي أنك أبدلتها إبدالا ولم تخففها تخفيفًا: القول في الموضعين واحد.
ولكن لو ارتجلت هذا المثال من وأيت على ما تقدم فصرت10 منه إلى وؤي ثم همزت الواو التي هي الفاء همزا11

مختارًا لا مضطرًا إليه لكن قولك في وجوه: أجوه وفي وقتت: أقتت لصرت إلى أؤي فوجب إبدال الثانية واوا خالصة؛ فإذا خلصت كما ترى لما تعلم وجب إبدالها للياء بعدها فقلت: أي لا غير.
فهذا وجه آخر من العمل غير جميع ما تقدم.
فإن قلت: فهلا استدللت بقولهم في مثال فعول من القوة: قيو على أن التغيير إذا وجب في الجهتين فينبغي أن يبدأ بالأول منهما ألا ترى أن أصل هذا قوو فبدأ بتغيير الأوليين1 فقال2: قيو ولم يغير الأخريين فيقول: قوي؟ قيل: هذا اعتبار فاسد3.
وذلك أنه لو بدأ فغير من الآخر لما وجد بدا من أن يغير الأول أيضًا "لأنه لو أبدل الآخر فصار إلى قوي للزمه أن يبدل الأول أيضًا"4 فيقول: قيّيّ: فتجتمع له أربع ياءات فيلزمه أن يحرك الأولى لتنقلب الثانية ألفا فتنقلب5 واوا فتختلف الحروف6، فتقول: قووي7، فتصير من عمل إلى عمل ومن صنعة إلة صنعة.
وهو مكفي ذلك وغير محوج إليه.
وإنما كان يجب عليه أيضًا تغيير الأولين لأنهما ليستا عينين فتصحا؛ كبنائك فعلًا من قلت: قول وإنما هما عين وواو زائدة.

ولو قيل لك: ابن مثل خروع من قلت لما قلت إلا قيل لأن واو فعول لا يجب أن يكون أبدا من لفظ العين ألا ترى إلى خروع وبروع اسم ناقة فقد روى بكسر الفاء وإلى جدول1 فقد رويناه عن قطربٍ بكسر الجيم.
وكل ذلك لفظ عينه مخالف لواوه وليست كذلك العينان لأنهما لا يكونان أبدا إلا من لفظ واحد فإحداهما2 تقوى صاحبتها وتنهض منتها.
فإن قلت: فإذا كنت تفصل بين العينين وبين العين الزائد بعدها فكيف تبنى مثل عليب3 من البيع فجوابه على قول النحويين سوى الخليل بيع.
ادغمت عين فعيل فى يائه فجرى اللفظ مجرى فعل من الياء نحو قوله4: وإذا هم نزلوا فمأوى العيل وقوله5: كأن ريح المسك والقرنفل ... نباته بين التلاع السيل فإن قلت6: فهلا فصلت فى فعيل بين العين والياء وبين العينين "كما فصلت فى فعول وفعل7 بين العين والواو وبين العينين"8؟

قيل: الفرق أنك لما أبدلت عين قول وأنت تريد1 به مثال فعول صرت إلى قيول فقلبت أيضا الواو ياء فصرت إلى قيل.
وأما فعيل من البيع فلو أبدت عينه واوا للضمة قبلها لصرت إلى بويع.
فإذا2 صرت إلى هنا لزمك أن تعيد الواو ياء لوقوع الياء بعدها فتقول بيع ولم تجد طريقًا إلى قلب الياء واوًا لوقوع الواو قبلها كما وجدت السبيل إلى قلب الواو فى قيول ياء لوقوع الياء قبلها؛ لأن الشرط فى اجتماع الياء والواو أن تقلب والواو للياء لا أن تقلب الياء للواو.
وذلك3 كسيد وميت وطويت طيا وشويت شيا.
فلهذا قلنا فى فعيل من البيع: بيع فجرى فى اللفظ مجرى فعل منه وقلنا فى فعول من القول: قيل فلم يجر مجرى فعل منه.
وأما قياس قول الخيل فى فعيل من البيع فأن تقول: بويع؛ ألا تراه يجرى الأصل فى نحو هذا مجرى الزائد فيقول4 في فعل5 من أفعلت من اليوم على من قال: أطولت: أووم فتجرى ياء أيم الأولى وإن كانت فاء مجرى ياء فيعل6 من القول إذا قلت: قيل.
فكما7 تقول الجماعة في فعل من قيل هذا قوول وتجري ياء فيعل مجرى ألف فاعل كذلك قال الخليل في فعل مما ذكرنا: أووم.
فقياسه هنا أيضًا أن

يقول1 في فيعل من البيع: بويع.
بل إذا لم يدغم الخليل الفاء في العين -وهي أختها "وتليتها"2 وهي مع ذلك من لفظها- في أووم حتى أجراها مجرى قوله3: وفاحم دووي حتى اعلنكسا فألا يدغم4 عين بويع في يائه -ولم يجتمعا في كونهما أختين ولا هما أيضًا في اللفظ الواحد شريكتان-5 أجدر بالوجوب.
ولو بنيت مثل عوارة6 من القول لقلت على مذهب الجماعة: قوالة بالادغام وعلى قول الخليل أيضًا كذلك لأن العين لم تنقلب فتشبه عنده ألف فاعل.
لكن يجيىء على قياس قوله أن يقول في فعول من القول: قيول لأن العين لما انقلبت أشبهت الزائد.
يقول: فكما لا تدغم بويع فكذلك لا تدغم قيول.
اللهم إلا أن تفضل فتقول: راعيت في بويع ما لا يدغم وهو ألف فاعل فلم أدغم وقيول بضد ذلك لأن ياءه بدل من عين القول وادغامها في قول وقول والتقول ونحو ذلك جائز حسن، فأنا أيضا أدغمها فأقول: قيل.
وهذا وجه حسن.
فهذا فصل اتصل بما كنا عليه.
فاعرفه متصلا به بإذن الله.

باب: في العدول عن الثقيل إلى ما هو أثقل منه لضرب من الاستخفاف

اعلم أن هذا موضع يدفع ظاهره إلى أن يعرف1 غوره وحقيقته.
وذلك أنه أمر يعرض للأمثال إذا ثقلت لتكريرها فيترك الحرف إلى ما هو أثقل منه ليختلف2 اللفظان فيخفا على اللسان.
وذلك نحو الحيوان ألا ترى أنه عند الجماعة3 -إلا أبا عثمان- من مضاعف الياء وأن أصله حييان فلما ثقل عدلوا عن الياء إلى الواو.
وهذا مع إحاطة العلم بأن الواو أثقل من الياء لكنه لما اختلف الحرفان ساغ ذلك.
وإذا كان اتفاق الحروف الصحاح القوية الناهضة يكره عندهم حتى يبدلوا أحدها4، ياء نحو دينار وقيراط وديماس5 وديباج "فيمن قال: دماميس ودبابيج6" كان اجتماع حرفي العلة مثلين أثقل عليهم.
نعم، وإذا كانوا قد أبدلوا الياء واوا كراهية لالتقاء المثلين في الحيوان فإبدالهم "الواو ياء7" لذلك أولى بالجواز وأحرى.
وذلك قولهم: ديوان "واجليواذ8". وليس لقائل أن يقول: فلما9 صار دوان إلى ديوان فاجتمعت الواو والياء وسكنت الأولى هلا أبدلت الواو ياء لذلك10، لأن11 هذا ينقض الغرض ألا تراهم إنما

كرهوا التضعيف في دوان فأبدلوا ليختلف الحرفان فلو أبدلوا الواو فيما بعد للزم أن يقولوا: ديان فيعودوا1 إلى نحو مما2 هربوا منه من التضعيف وهم قد أبدلوا الحييان إلى الحيوان ليختلف الحرفان فإذا أصارتهم الصنعة إلى اختلافهما في ديوان لم يبق هناك مطلب.
وأما حيوة فاجتمع إلى استكراههم التضعيف فيه وأن يقولوا: حية أنه3 علم والأعلام يحتمل4 لها كثير من كلف الأحكام.
ومن ذلك قولهم في الإضافة إلى آية وراية: آئى ورائى.
وأصلهما: أيى ورايى إلا أن بعضهم كره ذلك فأبدل الياء همزة لتختلف الحروف ولا تجتمع ثلاث ياءات.
هذا5 مع إحاطتنا علما بأن الهمزة أثقل من الياء.
وعلى ذلك أيضًا قال بعضهم فيهما: راوي وآوي فأبدلها6 واوا ومعلوم أيضًا أن الواو أثقل من الياء.
وعلى نحو من هذا أجازوا في فعاليل من رميت: رماوي ورمائي فأبدلوا الياء من رمايى تارة واوا وأخرى همزة -وكلتاهما أثقل من الياء- لتختلف الحروف.
وإذا كانوا قد هربوا من التضعيف إلى الحذف نحو ظلت ومست وأحست وظنت، ذاك أي ظننت، كان الإبدال أحسن وأسوغ؛ لأنه أقل فحشا من الحذف، وأقرب.
ومن الحذف لاجتماع الأمثال قولهم في تحقير أحوي: أحي فحذفوا من الياءات الثلاث واحدة وقد حذفوا7 أيضًا من الثنتين في نحو هين ولين وسيد وميت وهذا واضح فاعرف وقس.
"ومن ذلك قولهم عمبر أبدلوا النون ميما في اللفظ وإن كانت الميم أثقل من النون فخففت الكلمة ولو قيل عنبر بتصحيح النون لكان أثقل"8.

باب: في إقلال الحفل بما يلطف من الحكم

وهذا أمر في باب ما لا ينصرف كثيرا ألا ترى أنه إذا كان في الاسم سبب واحد من المعاني الفرعية فإنه يقل عن الاعتداد به فلا يمنع الصرف له فإذا انضم إليه سبب آخر اعتونا فمنعا.
ونحو من ذلك جمعهم في الاستقباح بين العطف على الضمير المرفوع المتصل الذي لا لفظ له وبينه إذا كان له لفظ.
فقولك: قمت وزيد في الاستقباح كقولك: قام وزيد وإن لم يكن في قام لفظ بالضمير.
وكذلك أيضًا سووا في الاستقباح بين قمت وزيد وبين قولنا قمتما وزيد وقمتم ومحمد من حيث كانت تلك الزيادة التي لحقت التاء لا تخرج الضمير من أن يكون مرفوعًا متصلا يغير له الفعل.
ومع هذا فلست أدفع أن يكونوا قد أحسوا فرقا بين قمت وزيد وقام وزيد إلا أنه محسوس عندهم غير مؤثر في الحكم ولا محدث أثرا في اللفظ كما قد نجد أشياء كثيرة معلومة ومحسوسة إلا أنها غير معتدة كحنين الطس1 وطنين البعوض وعفطة2 العنز وبصبصة3 الكلب.

ومن ذلك قولهم: مررت بحمار قاسم ونزلت سفار1 قبل فكسرة الراء في الموضعين عندهم إلى أثر2 واحد وإن كانت في "حمار" عارضة، وفي "سفار" لازمة.
ومن ذلك قولهم3: الذي ضربت زيد واللذان ضربت الزيدان؛ فحذف الضمير العائد عندهم على سمت واحد وإن كنت في الواحد إنما حذفت حرفا واحدا وهو الهاء في ضربته وأما4 الواو بعدها فغير لازمة في كل لغة والوقف أيضًا يحذفها وفي التثنية قد حذفت ثلاثة أحرف ثابتة في الوصل والوقف وعند كل قوم وعلى كل لغة.
ومن ذلك جمعهم في الردف بين عمود ويعود من غير تحاشٍ ولا استكراه وإن كانت واو عمود أقوى5 في المد من واو6 يعود من حيث كانت هذه متحركة7 في كثير من المواضع نحو هو8 أعود منك9، وعاودته وتعاودنا قال10: وإن شئتم تعاودنا عوادا

وأصلها أيضًا في يعود يعود.
فهو1 وإن كان كذلك فإن ذلك القدر بينهما مطرح2 وملغى3 غير محتسب.
نعم وقد سانوا4 وسامحوا فيما هو على "من ذا"5 وأنأي أمدا.
وذلك أنهم جمعوا بين الياء والواو ردفين نحو سعيد وعمود.
هذا مع أن الخلاف خارج إلى6 اللفظ فكيف بما7 تتصوره8 وهما ولا تمذل9 به لفظا.
ومن ذلك جمعهم بين باب وكتاب ردفين وإن كانت ألف كتاب مدا صريحا وهي في باب أصل غير زائدة ومنقلبة عن العين المتحركة في كثير من الأماكن10؛ نحو بويب وأبواب ومبوب وأشباهه.
ومن ذلك جمعهم بين الساكن والمسكن في الشعر المقيد على اعتدال عندهم وعلى11 غير حفل محسوس منهم نحو قوله: لئن قضيت الشأن من أمري ولم ... أقض لباناتي وحاجات النهم لأفرجن صدرك شقا بقدم12

فسوى في الروي بين سكون ميم "لم" وسكون الميمات فيما معها. ومن ذلك وصلهم الروى بالياء الزائدة للمد والياء الأصلية نحو الرامي والسامي مع الأنعامي والسلامي1.
ومن ذلك أيضًا قولهم: إني وزيدا قائمان وأني وزيدا قائمان لا يدعي أحد أن العرب تفصل بين العطف على الياء وهي ساكنة وبين العطف عليها وهي مفتوحة.
فاعرف هذا مذهبا لهم وسائغا2 في استعمالهم حتى إن3 رام رائم أو هجر4 حالم بأن القوم يفصلون في هذه الأماكن وما كان سبيله في الحكم سبيلها بين بعضها وبعضها فإنه مدع لما لا يعبئون به وعازٍ إليهم ما لا يلم5 بفكر أحد منهم بإذن الله.
فإن انضم شيء إلى ما هذه حاله كان مراعى معتدًا ألا تراهم يجيزون جمع دونه مع دينه ردفين.
فإن6 انضم إلى هذا الخلاف آخر لم يجز نحو امتناعهم إن يجمعوا بين دونه ودينه لأنه انضم إلى خلاف الحرفين تباعد الحركتين وجاز دونه مع دينه وإن كانت الحركتان مختلفتين لأنهما وإن اختلفا لفظا فإنهما قد اتفقتا حكما ألا ترى أن الضمة قبل الواو رسيلة الكسرة قبل الياء والفتحة ليست من هذا في شيء لأنها ليست قبل الياء ولا الواو وفقا لهما كما تكون وفقا للألف.
وكذلك أيضًا نحو عيده مع عوده، وإن كانوا لا يجيزونه مع عوده.
فاعرف ذلك فرقا.

باب: في إضافة الاسم إلى المسمى، والمسمى إلى الاسم

هذا موضع كان يعتاده أبو علي -رحمة الله- كثيرًا1 ويألفه ويأنق له ويرتاح لاستعماله.
وفيه دليل نحوي2 غير مدفوع يدل على فساد قول من ذهب إلى أن الاسم هو المسمى. ولو كان إياه لم تجز إضافة واحد منهما إلى صاحبه لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه. "فإن قيل: ولم لم يضف الشيء إلى نفسه"3.
قيل: لأن الغرض في الإضافة إنما هو التعريف والتخصيص والشيء إنما يعرفه غيره لأنه لو كانت نفسه تعرفه لما احتاج أبدا أن يعرف بغيره لأنه نفسه في حالي تعريفه وتنكيره واحدة وموجودة غير مفتقدة4.
ولو كانت نفسه هي المعرفة له أيضًا لما احتاج إلى إضافته إليها لأنه ليس فيها إلا ما فيه فكان يلزم الاكتفاء به5، عن إضافته إليها.
فلهذا لم يأت عنهم نحو هذا غلامه ومررت بصاحبه والمظهر هو المضمر المضاف إليه.
هذا مع فساده في المعنى لأن الإنسان لا يكون أخا نفسه ولا صاحبها.
فإن قلت: فقد تقول: مررت بزيد نفسه وهذا نفس الحق يعني أنه6 هو الحق لا غيره.
قيل: ليس الثاني هو ما أضيف إليه من المظهر وإنما النفس هنا بمعنى خالص الشيء وحقيقته.
والعرب تحل نفس الشيء من الشيء محل البعض من

الكل وما1 الثاني منه ليس بالأول ولهذا حكوا عن أنفسهم مراجعتهم إياها وخطابها لهم وأكثروا من ذكر التردد بينها وبينهم ألا ترى إلى قوله2: ولي نفس أقول لها إذا ما ... تنازعني لعلي أو عساني وقوله: أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد3 وقوله: قالت له النفس تقدم راشدا ... إنك لا ترجع إلا حامدا4 وقوله: قالت له النفس إني لا أرى طمعا ... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد5 وأمثال هذا كثيرة جدا6 "وجميع هذا"7 يدل على أن نفس الشيء عندهم غير الشيء.
فإن قلت: فقد تقول: هذا أخو غلامه وهذه "جارية بنتها"8 فتعرف الأول بما أضيف إلى ضميره والذي أضيف إلى ضمير9 "فإنما يعرف"10 بذلك الضمير ونفس المضاف الأول متعرف بالمضاف إلى ضميره فقد ترى على هذا أن التعريف

الذي استقر1 في جارية2 من قولك هذه "جارية3 بنتها" إنما أتاها من قبل ضميرها وضميرها هو هي فقد آل الأمر إذًا إلى أن الشيء قد يعرف نفسه وهذا خلاف ما ركبته وأعطيت يدك به.
قيل: كيف تصرفت الحال فالجارية4 إنما تعرفت بالبنت5 "التي6 هي" غيرها وهذا شرط التعريف من جهة الإضافة.
فأما ذلك المضاف إليه أمضاف هو أم غير مضاف فغير قادح فيما مضى.
والتعريف الذي أفاده ضمير الأول لم يعرف الأول وإنما عرف ما عرف الأول.
والذي عرف الأول غير الأول فقد استمرت الصفة وسقطت المعارضة.
ويؤكد ذلك أيضًا أن الإضافة في الكلام على ضربين: أحدهما ضم الاسم إلى اسم هو غيره بمعنى اللام نحو غلام زيد وصاحب بكر.
والآخر ضم اسم إلى اسم هو بعضه بمعنى من نحو هذا ثوب خز وهذه جبة صوف وكلاهما ليس الثاني فيه بالأول ألا ترى أن الغلام ليس بزيد، وأن الثوب ليس بجميع الخز، واستمرار7 هذا عندهم وفشوه في استعمالهم وعلى أيديهم يدل على أن المضاف ليس بالمضاف إليه البتة.
وفي هذا كافٍ.

فمما جاء عنهم من إضافة المسمى إلى الاسم قول الأعشى: فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذوآل حسان يزجي الموت والشرعا1 فقوله: ذوآل حسان معناه: الجمع المسمى بهذا الاسم الذي هو آل حسان2 ومثله قول كثير: بثينة من آل النساء وإنما ... يكن للأدنى لا وصال لغائب3 أي بثينة من هذا القبيل المسمى بالنساء هذا الاسم.
وقال الكميت: إليكم ذوي آل النبي تطلعت ... نوازع من قلبي ظماء وألبب4 أي إليكم يا أصحاب هذا الاسم الذي هو قولنا: آل النبي.
وحدثنا أبو علي أن أحمد5 بن إبراهيم أستاذ ثعلب روى عنهم: هذا ذو زيد ومعناه: هذا زيد أي هذا صاحب هذا الاسم الذي هو زيد "وأنشد"6: وحي بكر طعنا طعنة فجرى7

أي وبكرا طعنا وتلخيصه: والشخص الحي1 المسمى بكرا طعنا "فحي ههنا مذكر حية أي وشخص بكر الحي طعنا"2 وليس الحي هنا هو الذي "يراد به"3 القبيلة كقولك: حي4 تميم وقبيلة بكر إنما هو كقولك: هذا رجل حي وامرأة حية.
فهذا من باب إضافة المسمى إلى اسمه وهو ما نحن عليه.
ومثله قول الآخر5: ياقر إن أباك حي خويلد ... قد كنت خائفه على الإحماق أي أن أبك خويلدا من أمره كذا فكأنه قال: إن أباك الشخص الحي خويلدا من حاله كذا.
وكذلك قول الآخر6: ألا قبح الإله بني زيادٍ ... وحي أبيهم قبح الحمار أي7: وأباهم الشخص الحي.
وقال عبد الله بن سبرة الحرشي: وإن يبغ ذا ودي أخي أسع مخلصا ... ويأبى فلا يعيا على حويلي8

أي إن يبغ ودي.
وتلخيصه: إن يبغ أخي المعنى المسمى بهذا الاسم الذي هو ودي.
وعليه قول الشماخ: وأدمج دمج ذي شطن بديع1 أي دمج شطن بديع أي أدمج2 دمج الشخص3 الذي يسمى شطنا صاحب هذا الاسم.
وقد دعا خفاء هذا الموضع أقواما4 إلى أن ذهبوا إلى زيارة ذي وذات5 في "هذه المواضع"6 أي وأدمج دمج شطن وإليكم آل النبي وصبحهم آل حسان.
وإنما ذلك بعد عن إدراك7 هذا الموضع.
وكذلك "قال أبو عبيدة"8 في قول لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر9 "كأنه قال"10: ثم11 السلام عليكما.
وكذلك قال في قولنا بسم الله: إنما هو بالله واعتقد زيادة "اسم".
وعلى هذا عندهم قول غيلان12: لا ينعش الطرف إلا ما تخونه ... داعٍ يناديه باسم الماء مبغوم

"أي الماء"1؛ كما "أنشدنا أيضا"2: يدعونني بالماء ماء أسودا والماء: صوت الشاء أي يدعونني -يعني الغنم- بالماء، أي يقلن لي3: أصبت ماء أسود.
فأبو عبيدة يدعى زيادة ذي واسم ونحن نحمل الكلام على أن هناك محذوفًا.
قال أبو علي: وإنما هو على حد4 حذف المضاف أي: ثم اسم معنى السلام عليكما واسم معنى السلام هو السلام فكأنه قال: ثم السلام عليكما.
فالمعنى -لعمري- ما قاله أبو عبيدة ولكنه5 من غير الطريق6 التي أتاه هو منها ألا تراه هو اعتقد زيادة شيء واعتقدنا نحن نقصان شيء.
ونحو من هذا اعتقادهم زيادة مثل في نحو قولنا: مثلي لا يأتي القبيح ومثلك لا يخفى عليه الجميل أي أنا كذا وأنت كذلك.
وعليه قوله: مثلي لا يحسن قولا فعفع7 أي أنا لا أحسن ذاك.
وكذلك هو لعمري إلا أنه على غير التأول الذي رأوه8: من زيادة مثل وإنما تأويله: أي9 أنا من جماعة لا يرون القبيح وإنما جعله10

من جماعة هذه حالها ليكون أثبت للامر إذ كان له فيه أشباه وأضراب ولو انفرد هو به لكان غير مأمون انتقاله منه وتراجعه عنه.
فإذا1 كان له فيه نظراء كان حري2 أن يثبت عليه وترسو قدمه فيه.
وعليه قول الآخر3: ومثلي لا تنبو عليك مضاربه فقوله إذًا: باسم الماء واسم السلام إنما4 هو من باب إضافة الاسم إلى المسمى بعكس الفصل الأول.
ونقول على هذا: ما هجاء سيف فيقول "في الجواب"5: س ي ف. فسيف هنا اسم لا مسمى أي ما هجاء هذه الأصوات المقطعة؟ ونقول: ضربت بالسيف فألسيف هنا جوهر الحديد هذا6 الذي يضرب به فقد يكون الشيء7 الواحد على وجه اسما وعلى آخر مسمى.
وإنما يخلّص هذا من هذا موقعه والغرض المراد به.
ومن إضافة المسمى إلى اسمه قول الآخر: إذا ما كنت مثل ذوي عدي ... ودينار فقام علي ناع8

أي مثل كل واحد من الرجلين المسميين عديًا ودينارًا.
وعليه قولنا: كان عندنا ذات مرة وذات صباح، أي صباحًا أي الدفعة المسماة مرة، والوقت المسمى صباحًا؛ قال1: عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود "ما مجرورة الموضع؛ لأنها وصف لأمر، أي لأمر معتد أو مؤثر يسود من يسود"2.
واعلم أن هذا الفصل من العربية غريب وقل من يعتاده أو يتطرفه.
وقد ذكرته لتراه.
فتنبه على ما هو في معناه إن شاء الله.

باب: في اختصاص الأعلام بما 1 لا يكون مثله 2 في الأجناس

وقد ذكرنا هذا3 الشرح من العربية في جملة كتابنا في تفسير أبيات الحماسة عند4 ذكرنا أسماء شعرائها.
وقسمنا هناك الموقع عليه الاسم العلم5 وأنه شيئان: عين، ومعنى.
فالعين: الجوهر؛ كزيد وعمرو.
والمعنى: هو العرض؛ كقوله: سبحان من علقمة الفاخر6 وقوله: وإن قال غاوٍ من تنوخ قصيدة ... بها جرب عدت علي بزو برا712

وكذلك الأمثلة الموزون بها؛ نحو أفعل، ومفعل، وفعلة، وفعلان، وكذلك أسماء الأعداد نحو قولنا: أربعة نصف ثمانية، و"ستة ضعف ثلاثة"8 وخمسة نصف عشرة.
وغرضنا هنا أن نرى9 مجيء ما جاء منه10 شاذا عن القياس لمكان كونه علما معلقا11 على أحد الموضعين اللذين ذكرنا.
فمنه ما جاء مصححا مع وجود سبب العلة فيه، وذلك نحو محببٍ، وثهلل12، ومريم، ومكوزة، ومدين.
ومنه13 معدي كرب؛ ألا تراه بني مفعلا مما لامه حرف علة، وذلك غير معروف في هذا14 الموضع.
وإنما يأتي "في ذلك15 مفعل" بفتح العين؛ نحو المدعي والمقضي والمشتي.
وعلى أنه قد شذ في الأجناس شيء من ذلك وهو قول بعضهم: مأوى الإبل بكسر العين.
فأما مأقٍ16 فليس من هذا.
ومن ذلك قولهم في العلم: موظب، ومورق وموهب.
وذلك أنه بنى مما فاؤه واو مثال17 مفعل.
وهذا إنما يجيء أبدا18 على مفعل -بكسر العين- نحو الموضع، والموقع، والمورد19، والموعد20، والموجدة.

وأما موءلة علما فإن كان من وأل أي نجا فهو1 من هذا؛ وإن كان من قولهم: جاءني وما "مألت مأله"2 وما شأنت3 شأنه، فإنه فوعل، و"هذا على هذا"4 سرحٌ5: سهل.
ومن ذلك قولهم في العلم: حيوة.
وهذه صورة لولا العلمية لم يجز مثلها؛ لاجتماع الياء والواو، وسبق الأولى منهما بالسكون.
وعلة مجيء هذه الأعلام مخالفة للأجناس هو ما "هي عليه"6 من كثرة استعمالها، وهم لما كثر استعماله أشد تغييرا.
فكما جاءت هذه الأسماء في الحكاية مخالفة لغيرها؛ نحو قولك في جواب مررت بزيد: من زيدٍ، ولقيت عمرا: من عمرا، كذلك تخطوا إلى تغييرها في ذواتها بما قدمناه ذكره.
وهذا من تدريج اللغة الذي قدمنا شرحه "فيما مضى "7.

باب: في تسمية الفعل

أعلم أن العرب قد سمت الفعل بأسماء، لما سنذكره.
وذلك على ضربين: أحدهما في الامر والنهي، والأخرين في الخبر.
الأول منهما نحو قولهم: صه فهذا اسم اسكت؛ ومه، فهذا: اكفف، ودونك، اسم خذ.
وكذلك عندك ووراءك1 اسم تنح، ومكانك اسم اثبت.
قال2: وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي فجوابه بالجزم دليل على أنه3 كأنه قال: اثبتي تحمدي أو تستريحي.
وكذلك قول الله جل اسمه: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُم﴾ 4 فـ"أنتم" توكيد للضمير في مكانكم5؛ كقولك: اثبتوا أنتم وشركاؤكم، وعطف على ذلك الضمير بعد أن وكده "الشركاء ". ويؤكد ذلك عندك قول بعضهم: مكانكني؛ فإلحاقه النون كما تلحق النون نفس الفعل في "أكرمني" ونحوه دليل على قوة شبهه بالفعل.
ونحوه قولهم أيضا: كما أنتني؛ كقولك: انتظرني.
ومنها هلم، وهو6 آسم ائت.
وتعال.
قال الخليل: هي مركبة؛ وأصلها عنده "ها" للتنبيه، ثم قال: "لم" أي لم بنا، ثم كثر استعمالها فحذفت الألف تخفيفًا، ولأن7 اللام بعدها وإن كانت متحركة فإنها في حكم السكون؛ ألا ترى أن الأصل وأقوى اللغتين -وهي الحجازية- "أن تقول فيها: المم بنا"8 فلما كانت لام "هلم" في تقدير السكون حذف لها ألف "ها"، كما تحذف لالتقاء الساكنين، فصارت هلم.
وقال9 الفراء: أصلها "هل" زجر وحث، دخلت على أم؛ كأنها كانت "هل أم" أي اعجل

واقصد، وأنكر أبو علي عليه ذلك، وقال: لا مدخل هنا للاستفهام.
وهذا عندي لا يلزم الفراء؛ لأنه لم يدع أن "هل" هنا حرف استفهام؛ وإنما هي عنده زجر وحث1 وهي التي في قوله2: ولقد يسمع قولي حيهل قال الفراء: فألزمت الهمزة في "أم" التخفيف، فقيل: هلم.
وأهل3 الحجاز يدعونها في كل حال على لفظ واحد، فيقولون للواحد والواحدة4 والاثنين والاثنتين5 والجماعتين: هلم يا رجل، وهلم يا امرأة، وهلم يا رجلان، وهلم يا امرأتان، وهلم يا رجال، وهلم يا نساء.
وعليه قوله: يا أيها الناس ألا هلمه6 وأما التميميون فيجرونها مجرى "لم" فيغيرونها بقدر المخاطب.
فيقولون: هلم، وهلما، وهلمي، وهلموا، وهلممن يا نسوة.
وأعلى اللغتين الحجازية، وبها نزل القرآن؛ ألا ترى إلى قوله -عز اسمه- ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ 7. وأما التميميون فإنها عندهم أيضًا اسم سمي به الفعل وليست مبقاة على ما كانت عليه قبل التركيب والضم.
يدل على ذلك أن بني تميم يختلفون في آخر الأمر من المضاعف، فمنهم

من يتبع فيقول: مدُّ وفرِّ وعضَّ، ومنهم من يكسر، فيقول: مدِّ وفرِّ وعضِّ، ومنهم من يفتح لالتقاء الساكنين، فيقول: مدَّ وفرَّ وعضَّ.
ثم رأيناهم كلهم مع هذا مجتمعين على فتح آخر هلم، وليس أحد يكسر الميم ولا يضمها.
فدل ذلك على أنها قد خلجت1 عن طريق الفعلية وأخلصت اسمًا للفعل بمنزلة دونك عندك ورويدك وتيدك2: اسم اثبت وعليك بكرا: اسم خذ "وهو3 كثير".
ومنه4 قوله: أقول وقد تلاحقت المطايا ... كذاك القول إن عليك عينا فهذا5 اسم احفظ القول أو اتق القول.
وقد جاءت هذه التسمية للفعل في الخبر، وإنما بابها الأمر والنهي؛ من قبل أنهما لا يكونان إلا بالفعل، فلما قويت الدلالة فيهما على الفعل حسنت6 إقامة غيره مقامه.
وليس كذلك الخبر، لأنه لا يخص بالفعل، ألا ترى إلى قولهم: زيد أخوك، ومحمد صاحبك؛ فالتسمية للفعل في باب الخبر ليست في قوة "تسميته في"7 باب الأمر والنهي.
وعلى ذلك فقد مرت بنا منه8 ألفاظ صالحة جمعها طول التقري لها.
وهي قولهم: أفَّ اسم الضجر، وفيه ثماني لغات أفِّ وأفٍ وأفَّ وأفٌ وأفَّ وأفَّا وأفّي ممال، وهو الذي تقول فيه العامة: أفي9 وأف خفيفة.
والحركة

في جميعها لالتقاء الساكنين. فمن كسر فعلى أصل الباب، ومن ضم فللإتباع، ومن فتح فللاستخفاف، ومن لم ينون أراد التعريف، ومن نون أراد التنكير. فمعنى التعريف: التضجر، ومعنى التنكير: تضجرا1.
ومن أمال بناه على فعلى.
وجاءت ألف التأنيث مع2 البناء كما جاءت تاؤه معه في ذيَّة وكيَّة، نعم، وقد جاءت ألفه فيه أيضًا في قوله3: هنّا وهنَّا ومن هنَّا لهن بها ومنها آوتاه "وهي اسم أتألم.
وفيها لغات"4: آوَّتاه وآوَّه وأوَّه وأَوهُ وأَوهِ وأَوهَ وأَوِّ قال: فأَوهِِ من الذكرى إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرض بيننا وسماء5 ويروى: فأوِّ لذكراها.
والصنعة في تصريفها طويلة حسنة.
وقد كان أبو علي -رحمه الله- كتب إلي من حلب -وأنا بالموصل- مسئلة أطالها في هذه اللفظة جوابًا على سؤالي إياه عنها وأنت، تجدها في مسائله الحلبيات، إلا أن جماع القول عليها أنها "فاعلة" فاؤها همزة، وعينها ولامها واوان، والتاء فيها للتأنيث.
وعلى ذلك قوله: فأوِّ لذكراها قال: فهذا كقولك في مثال الأمر من قويت: قوِّ زيدا ونحوه.
ومن قال: فأوهِ أو فأوِّه فاللام عنده هاء، وهي من لفظ قول العبدي6: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين

ومثلها مما اعتقب عليه الواو والهاء لاما قولهم: سنة وعضة1؛ ألا تراهم قالوا: سنوات وعضوات، وقالوا أيضًا: سانهت؛ وبعير عاضه والعضاه.
وصحت الواو في آوة ولم تعتل إعلال2 قاوية وحاوية إذا أردت فاعلة من القوة والحوة من قبل أن هذا بني على التأنيث أعني آوة، فجاء على الصحة كما صحت واو3 قرنوة وقلنسوة لما بنيت الكلمة على التأنيث البتة.
ومنها سرعان4، فهذا اسم سرع، ووشكان: اسم وشك، وبطئان5: اسم بطؤ.
ومن كلامهم: سرعان ذي إهالةً أي سرعت هذه6 من إهالة.
فأما أوائل الخيل فسرعانها بفتح الراء7 قال8: فيغيفون ونرجع السرعانا

وقد قالوا: وشكان وأشكان.
فأما أشك ذا "فماض، وليس"1 باسم، وإنما أصله وشك فنقلت حركة عينه كما قالوا في حسن: حسن ذا؛ قال 2: لا يمنع الناس مني ما أردت ولا ... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا ومنها حس اسم أتوجع، ودهدرين: اسم بطل.
ومن كلامهم: دهدرين سعد3 القين، وساعد القين، أي هلك سعد القين.
ومنها لب "وهو اسم اسم لبيك4"، وويك: اسم أتعجب.
وذهب الكسائي إلى أن "ويك" محذوفة من ويلك؛ قال5: ... ... ويك عنتر أقدم والكاف عندنا للخطاب حرف عارٍ من الأسمية.
وأما قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء﴾ فذهب سيبويه7 والخليل إلى أنه وي، ثم قال: كأن الله.
وذهب6

أبو الحسن إلى أنها ويك حتى كأنه قال عنده1: أعجب أن2 الله يبسط الرزق.
ومن أبيات الكتاب: وي كأن من يكن له نشب يحـ ... ـبب ومن يفتقر يعش ضر3 والرواية تحتمل التأويلين جميعًا.
ومنها هيهات، وهي عندنا من مضاعف الفاء4 في ذوات الأربعة.
ووزنها فعللة، وأصلها هيهية؛ كما أن أصل الزوزاة5 والقوقاة والدوداة6 والشوشاة7: الزوزوة والقوقوة والدودوة والشوشوة، فانقلبت "اللام8 ألفا" فصارت هيهاة.
والتاء فيها للتأنيث، مثلها9 في القوقاة والشوشاة. والوقوف عليها بالهاء. وهي مفتوحة فتحة المبنيات. ومن كسر التاء فقال: هيهات فإن التاء تاء جماعة التأنيث، والكسرة فيها كالفتحة في الواحد10.
واللام عندنا محذوفة لالتقاء الساكنين، ولو جاءت غير محذوفة لكانت هيهيات، لكنها حذفت لأنها في آخر اسم غير متمكن، فجاء

جمعه مخالفا لجمع المتمكن؛ نحو الدوديات والشوشيات، كما حذفت في قولك: ذان وتان واللذان واللتان.
وأما قول أبي الأسود: على ذات لوث أو بأهوج شوشوٍ ... صنيع نبيل يملا الرحل كاهله1 فسألت2 عنه أبا علي، فأخذ ينظر فيه.
فقلت له: ينبغي أن يكون بني من لفظ الشوشاة مثال جحمرش3، فعاد إلى شوشووٍ، فأبدل اللام الثالثة4 ياء لانكسار ما قبلها، فعاد: شوشوٍ، فتقول على هذا في نصبه: رأيت شوشويًا، فقبل ذلك ورضيه.
ويجوز فيه عندي وجه آخر، وهو أن يكون أراد: شوشويًا، منسوبًا إلى شوشاة، ثم خفف إحدى ياءي الإضافة.
وفي هيهات لغات: هيهاة، وهيهاةً، وهيهاتِ، وهيهاتٍ، وأيهاتَ، وأيهاتِ، وأيهاتٍ، وأيهاتًا، وأيهانِ بكسر النون، حكاها لنا أبو علي عن أحمد بن يحيى5 وأيها والاسم بعدها مرفوع على حد ارتفاع الفاعل بفعله؛ قال جرير: فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات خل بالعقيق نواصله6

وقال أيضًا:د هيهات منزلنا بنعفٍ سويقة ... كانت مباركةً من الأيام1 وأما قوله2: هيهات من منخرق هيهاؤه فهذا كقولك: بعد بعده، وذلك أنه بني من هذا3 اللفظ فعلالا، فجاء به مجيء القلقال والزلزال.
والألف في هيهات4 غير الألف في هيهاؤه، هي في هيهات لام الفعل الثانية كقاف5 الحقحقة الثانية، وهي في هيهاؤه6 ألف الفعلال الزائدة.
وهي في هيهات فيمن كسر غير تينك، إنما هي التي تصحب تاء الهندات والزينبات.
وذكر سيبويه أن7 منهم من يقال له: إليك، فيقول: إلي "إلي"8؛ فإلي9 هنا: اسم أتنحى10.
وكذلك قول من قيل له: إياك، فقال: إياي أي إياي لأتقين 11.

جارٍ التحميل