الخصائصباب في حرف اللين المجهول

باب في حرف اللين المجهول

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: وذلك مدة الإنكار؛ نحو قولك في جواب من قال: رأيت بكرا: أبكرنيه، وفي جاءني محمد: أمحمدنيه، وفي مررت على قاسم: أقاسمنيه! وذلك أنك ألحقت مدة الإنكار، وهي لا محالة ساكنة، فوافقت التنوين ساكنًا، فكسر "لالتقاء الساكنين"1 فوجب أن تكون المدة ياء لتتبع الكسرة.
وأي المدات الثلاث كانت فإنها لا بد أن توجد في اللفظ بعد كسرة التنوين2 ياء؛ لأنها إن كانت في الأصل ياء فقد كفينا النظر في أمرها.
وإن كانت ألفًا أو واوًا فالكسرة قبلها تقلبها إلى الياء البتة.
فإن قيل: أفتنص في هذه المدة على حرف3 معين: الألف أو الياء أو الواو؟.
قيل: لم تظهر4 في شيء من الإنكار على صورة مخصوصة فيقطع بها عليها دون أختيها، وإنما تأتي تابعة لما قبلها، ألا تراك تقول في قام عمر: أعمروه وفي رأيت أحمد: أأحمداه وفي مررت بالرجل آلرجليه، وليست كذلك مدة الندبة؛ لأن تلك ألف لا محالة، وليست مدة مجهولة مدبرة بما قبلها، ألا تراها تفتح ما قبلها أبدًا، ما لم تحدث هناك لبسًا، ونحو ذلك نحو وا زيداه، ولم يقولوا: وا زيدوه وإن

كانت الدال مضمومة في وا زيد.
وكذلك وا عبد الملكاه، ووا غلام زيداه، لما حذفت لها التنوين "من زيد"1 صادفت الدال مكسورة ففتحتها.
غير أننا نقول: إن أخلق الأحوال بها أن تكون ألفًا من موضعين.
أحدهما أن الإنكار مضاهٍ للندبة.
وذلك أنه موضع أريد فيه معنى الإنكار والتعجب فمطل الصوت به2 وجعل ذلك أمارة لتناكره؛ كما جاءت مدة الندبة إظهارًا، للتفجع وإيذانًا بتناكر3 الخطب الفاجع، والحدث الواقع.
فكما أن مدة الندبة ألف، فكذلك ينبغي أن تكون مدة الإنكار ألفا.
والآخر أن الغرض في الموضعين جميعًا إنما هو مطل الصوت، ومده وتراخيه، والإبعاد فيه لمعنى الحادث هناك.
وإن كان الأمر كذلك فالألف أحق به دون أختيها؛ لأنها أمدهن صوتًا، وأنداهن4، وأشدهن إبعادا "وأنآهن"5.
فأما مجيئها تارة واوا، وأخرى ياء فثانٍ لحالها، وعن ضرورة دعت "إلى ذلك"6؛ لوقوع الضمة والكسرة قبلها.
ولولا ذلك لما كانت إلا ألفًا أبدا.
فإن قلت: فهلا تبعها ما قبلها7 في الإنكار؛ كما تبعها في الندبة، فقلت في جاءني عمر: أعمراه؛ كما تقول الندبة: واعمراه؟.
قيل: فرق ما بينهما8 أن الإنكار جارٍ مجرى الحكاية، ومعنى الجامع بينهما أنك مع إنكارك للأمر مستثبت، ولذلك قدمت في أول كلامك همزة الاستفهام.

فكما تقول في جواب رأيت زيدا: من زيدا؟ كذلك قلت أيضًا في جواب جاءني عمر: أعمروه.
وأيضًا فإن مدة الإنكار لا تتصل بما قبلها اتصال مدة الندبة بما قبلها؛ ألا ترى التنوين فاصلا بينهما في نحو أزيدنيه، ولا يفصل به بين المندوب ومدة الندبة في نحو وا غلام زيداه، بل تحذفه1 لمكان مدة الندبة، وتعاقب2 بينهما، لقوة اتصالها به؛ كقوة اتصال التنوين به، فكرهوا أن يظاهروا بينهما في آخر الاسم؛ لتثاقله عن احتمال زيادتين في آخره3.
فلما حذف التنوين لمدة الندبة قوى اتصالها بالمندوب، فخالطته فأثرت فيه الفتح.
ولما تأخرت4 عنه مدة الإنكار ولم تماسه مماسة مدة الندبة له لم تغيره5 تغييرها إياه.
ويزيدك في علمك ببعد مدة الإنكار عن الاسم الذي تبعته وقوع "إن" بعد التنوين فاصلة بينهما؛ نحو أزيدا إنيه! وأزيدٌ إنيه! وهذا ظاهر للإبعاد لها عنه.
وأغرب من هذا أنك قد تباشر بعلامة الإنكار غير اللفظ الأول.
وذلك في قول6 بعضهم وقد قيل له: أتخرج إلى البادية إن أخصبت؟ فقال: أنا إنيه! فهذا أمر7 آخر أطم من الأول؛ ألا تراك إذا ندبت زيدا ونحوه فإنما تأتي بنفس اللفظ الذي هو عبارة عنه، لا بلفظ آخر ليس بعبارة عنه.
وهذا تناهٍ في ترك مباشرة مدة الإنكار للفظ الاسم المتناكرة حاله؛ وما أبعد هذا عن حديث الندبة!

فإن قلت: فقد تقول في ندبة زيد "وا أبا محمداه"1 فتأتي بلفظ آخر، وكذلك إذا ندبت جعفرا قلت: وا من كان كريماه2! فتأتي بلفظ غير لفظ زيد وجعفر.
قيل: أجل، إلا أن "أبا محمد" و"من كان كريما" كلاهما عبارة عينيهما3، وقوله4: أنا إنيه ليس باللفظ الأول، ولا بعبارة عن معناه.
وهذا كما تراه واضح جلي.
ومثل مدة الإنكار هذه البتة في جهلها5، مدة التذكر في قولك إذا تذكرت الخليل ونحوه: الي وعني ومنا6 ومنذو، أي الخليل وعن الرجل ومن الغلام ومنذ الليلة.

جارٍ التحميل