باب في توجه اللفظ الواحد إلى معنيين اثنين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
وذلك في الكلام على ضربين:
أحدهما -وهو الأكثر- أن يتفق اللفظ البتة، ويختلف في تأويله.
وعليه عامة الخلاف؛ نحو قولهم: هذا أمر لا ينادى وليده؛ فاللفظ غير مختلف فيه، لكن يختلف في تفسيره.
فقال قوم1: إن الإنسان يذهل عن ولده لشدته، فيكون هذا كقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ 2 وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ 3 "والآي في هذا المعنى كثيرة"4.
وقال قوم: أي هو أمر عظيم فإنما ينادى فيه الرجال والجلة لا الإماء والصبية.
وقال آخرون: الصبيان1 إذا ورد الحي كاهن أو حواء أو رقاء حشدوا عليه، واجتمعوا له2.
أي ليس هذا اليوم بيوم أنس ولهو، إنما هو يوم تجرد، وجد.
وقال آخرون -وهم أصحاب المعاني: أي لا وليد فيه فينادي "وإنما فيه الكفاة والنهضة"3 ومثله قوله4:
على لا حل لا يهتدي بمناره
أي لا منار فيه فيهتدى به5، وقوله أيضًا:
لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الذئب بها ينجحر6
أي لا أرنب بها فتفزعها7 أهوالها.
ونحوه -عندي- بيت الكتاب:
وقدرٍ ككف القرد لا مستعيرها ... يعار ولا من يأتها يتدسم8
أي لا مستعير يستعيرها فيعارها؛ لأنها -لصغرها ولؤمها- مأبية معيفة1.
وكذلك قوله2:
زعموا أن كل من ضرب العيـ ... ـر مولٍ لنا وأنا الولاء
على ما فيه من الخلاف3.
وعلى ذلك عامة ما جاء في القرآن، وفي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده رضوان الله عليهم، وما وردت به الأشعار، وفصيح الكلام.
وهذا باب في نهاية الانتشار، وليس عليه عقد هذا الباب.
وإنما الغرض الباب الآخر الأضيق الذي ترى لفظه على صورة، ويحتمل أن يكون على غيرها، كقوله4:
نطعنهم سلكى ومخلوجةً ... كرك لامين على نابل
فهذا ينشد على أنه ما تراه5: كرك لامين "أي ردك لامين"6 -وهما سهمان- على نابل.
ذلك أن تعترض7 من8 صاحب النبل شيئًا منها فتتأمله9 ترده10 إليه، فيقع
بعضه كذا وبعضه كذا.
فكذلك قوله1: كرك لامين أي طعنًا مختلفًا: بعضه كذا وبعضه كذا.
ويروى أيضًا على أنه: كر كلامين أي كرك كلامين على صاحب النبل؛ كما تقول2 له: ارم ارم، تريد السرعة والعجلة.
ونحو من ذلك -وإن كان فيه أيسر خلافٍ- بيت المثقب العبدي:
أفاطم قبل بينك نوليني ... ومنعك ما سألت كأن تبيني3
فهذه رواية الأصمعي: أي منعك كبينك، وإن كنت مقيمة.
ومثله: "قول الطائي"4 الكبير:
لا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عند نوًى قدفا5
ورواه6 ابن الأعرابي:
ومنعك ما سألتك أن تبيني
أي منعك7 إياي ما سألتك هو بينك.
ورواية الأصمعي أعلى وأذهب في معاني الشعر.
ومن ذلك ما أنشده أبو زيد:
وأطلس يهديه إلى الزاد أنفه ... أطاف بنا والليل داجي العساكر
فقلت لعمرو صاحبي إذ رأيته ... ونحن على خوص دقاق عواسر
أي عوى هذا الذئب، فسر أنت.
وأنشدنا أبو علي:
خليلي لا يبقى على الدهر فادر ... بتيهورة بين الطخا فالعصائب1
أي بين هذين الموضعين، وأنشدناه أيضًا: بين الطخاف العصائب.
وأنشد أيضًا2:
أقول للضحاك والمهاجر ... إنا ورب القلص الضوامر3
إنا أي4 تعبنا، من الأين، وهو التعب والإعياء.
وأنشد5 أبو زيد:
هل تعرف الدار ببيدا إنه ... دار لخود قد تعفت إنه
فانهلت العينان تسفحنه ... مثل الجمان جال في سلكنه
لاتعجبي مني سليمى إنه ... إنا لحلالون بالثغرنه
وهذه أبيات عملها6 أبو علي في المسائل البغدادية.
فأجاز في جميع قوافيها أن يكون أراد: إن، وبين الحركة بالهاء، وأطال فيها هناك.
وأجاز أيضًا أن يكون أراد: ببيداء7 ثم صرف وشدد التنوين للقافية8، وأراد: في سلك، فبنى منه فعلنًا كفرسن،
ثم شدده لنية الوقف، فصار؛ سلكن.
وأراد: بالثغر، فبنى منه للضرورة1 فعلنا2، وإن لم يكن3 هذا مثالًا معروفًا؛ لأنه أمر ارتجله مع الضرورة إليه، وألحق الهاء في سلكنه والثغرنه؛ كحكاية الكتاب4: أعطني أبيضه.
وأنشدوا قوله:
نفلق هاما لم تنله سيوفنا ... بأيماننا هام الملوك القماقم
وإنما هو: ها من لم تنله سيوفنا.
فـ"ها" تنبيه، و"من لم تنله سيوفنا" نداء أي يا من لم ننله سيوفنا خفنا فإنا5 من عادتنا أن نفلق بسيوفنا هام الملوك، فكيف من سواهم.
ومنه المثل السائر: زاحم بعود أو دع، أي زاحم بقوة أو فاترك ذلك، حتى توهمه بعضهم: بعود أو دع، فذهب إلى أن "أودع" صفة لعود؛ كقوله6: بعود أو قص أو أوطف أو نحو ذلك مما جاء على أفعل وفاؤه واو.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ 7. فذهب8 الخليل وسيبويه فيه إلى9 أنه وي مفصول، وهو اسم سمي به الفعل في الخبر، وهو معنى10 أعجب، ثم قال مبتدئًا: كأنه لا يفلح الكافرون وأنشد فيه:
وي كأن من يكن له نشب يحـ ... ـبب ومن يفتقر يعش عيش ضر11
وذهب أبو الحسن فيه إلى أنه: ويك أنه لا يفلح الكافرون، أراد: ويك أي أعجب أنه لا يفلح الكافرون، أي أعجب لسوء اختيارهم "ونحو ذلك"1 فعلق "أن" بما في "ويك" من معنى الفعل، وجعل الكاف حرف خطاب بمنزلة كاف ذلك وهنالك.
قال أبو علي ناصرًا لقول سيبويه: قد جاءت كأن كالزائدة، وأنشد بيت عمر2:
كأنني حين أمسي لا تكلمني ... ذو بغية يشتهى ما ليس موجودا
أي أنا كذلك.
وكذلك3 قول الله سبحانه ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي "هم لا يفلحون"4.
"وقال الكسائي: أراد: ويلك ثم حذف اللام"5.
ومن ذلك بيت الطرماح:
وما جلس أبكار أطاع لسرحها ... جنى ثمر بالواديين وشوع6
قيل فيه قولان: وشوع أي كثير7.
ومنه قوله:
إني امرؤ لم أتوشع بالكذب
أي لم أتحسن به ولم أتكثر به.
وقيل: إنها واو العطف والشوع: ضرب من النبت.
ونحو من ذلك ما أنشده أبو زيد "من قول الشاعر"1:
خالت خويلة أني هالك ودأ
قيل: إنه2 واو عطف أي إني هالك وداء1 من قولهم: رجل داءٌ أي دوٍ، ثم قلب.
وحدثنا عن ابن سلام أن أعرابيًا قال للكحال: كحلني بالمكحال الذي تكحل به العيون الداءة.
وأجاز أيضًا في قوله: "ودأ" أن يكون فعلا من قوله3:
وللأرض كم من صالح قد تودأت ... عليه فوارته بلماعةٍ قفر
أي غطته وثقلت عليه.
فكذلك يكون قوله: إني هالك كدًا4 وثقلًا، وكان يعتمد التفسير الأول، ويقول: إذا كانت الواو للعطف كان المعنى أبلغ وأقوى5 وأعلى؛ كأنه ذهب6 إلى ما يراه أصحابنا من قولهم في التشهد: التحيات لله، والصلوات لله7، والطيبات.
قالوا: لأنه إذا عطف كان أقوى له8، وأكثر لمعناه، من أن يجعل
الثاني مكررًا على الأول بدلًا أو وصفًا.
وقال الأصمعي في قوله1:
وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا
أراد جمع عدة.
وقال2 الفراء: أراد عدة3 الأمر، فلما أضاف حذف الهاء؛ كقول الله سبحانه: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ 4 وهذا يجيء في قول الأصمعي على القلب؛ فوزنه على قوله: علف الأمر.
وهذا باب واسع.
وأكثره في الشعر.
فإذا مر بك فتنبه عليه "ومنه5 قوله:
وغلت بهم سجحاء جارية ... تهوي بهم في لجة البحر6
يكون: فعلت من التوغل.
وتكون الواو أيضًا عاطفة فيكون من الغليان.
ومنه قوله1:
غدوت بها طيًّا يدي برشائها
يكون فعلى من طويت.
ويجوز أن يكون تثنية طي، أي طيا يدي، وأراد: طياها2 بيدي فقلب".
ومنه بيت أوس:
فملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغرقئ كنه بيض القيض من عل3
"الأصمعي: هو من الملك وهو التشديد.
وقال ابن الأعرابي"4: أراد: من لك بهذا الليط.
ومنه بيت الخنساء:
أبعد ابن عمرو من آل الشريـ ... ـد حلت به الأرض أثقالها5
هو من الحلية أي زينت به موتاها.
وقال ابن الأعرابي: هو من الحل كأنه لما مات "انحل به"6 عقد الأمور.