الخصائصباب في اللغة المأخوذة قياسًا:

باب في اللغة المأخوذة قياسًا:

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

هذا موضع كأنَّ في ظاهره تعجرفًا, وهو مع ذلك تحت أرجل الأحداث ممن تعلق بهذه الصناعة, فضلًا عن صدور الأشياخ.
وهو أكثر من أن أحصيه في هذا الموضع لك, لكني أنبِّهك على كثير من ذلك لتكثر التعجب ممن تعجب منه, أو يستبعد1الأخذ به.
وذلك أنك لا تجد مختصرًا من العربية إلّا وهذا المعنى منه في عدة مواضع, ألا ترى أنهم يقولون في وصايا الجمع: إن ما كان من الكلام

على فعلٍ فتكسيره على أفعل, ككلب وأكلب, وكعب وأكعب, وفرخ وأفرخ.
وما كان على غير ذلك من أبنية الثلاثي فتكسيره في القلة على أفعال نحو: جبل وأجبال, وعنق وأعناق, وإبل وآبال, وعجز وأعجاز، وربع وأرباع1، وضلع وأضلاع, وكبد وأكباد, وقفل وأقفال, وحمل وأحمال.
فليت شعري هل قالوا هذا ليعرف وحده, أو ليعرف هو ويقاس عليه غيره, ألا تراك لو لم تسمع تكسير واحد من هذه الأمثلة بل سمعته منفردًا, أكنت تحتشم من تكسيره على ما كسر عليه نظيره.
لا, بل كنت تحمله عليه للوصية التي تقدمت لك في بابه, وذلك كأن يحتاج إلى تكسير الرجز الذي هو العذاب, فكنت قائلًا لا محالة: أرجاز قياسًا على أحمال, وإن لم تسمع أرجازًا في هذا المعنى.
وكذلك لو احتجت إلى تكسير عجر من قولهم: وظيف عجر2 لقلت: أعجار قياسًا على يقظ وأيقاظ, وإن لم تسمع أعجارًا.
وكذلك لو احتجت إلى تكسير شبع بأن توقعه على النوع لقلت: أشباع, وإن لم تسمع ذلك, لكنك سمعت نطع وأنطاع, وضلع وأضلاع.
وكذلك لو احتجت إلى تكسير دمثر لقلت: دماثر, قياسًا على سبطر وسباطر.
وكذلك قولهم: إن كان الماضي على فَعَلَ فالمضارع منه على يَفْعُل, فلو أنك على هذا سمعت ماضيًا على فعل لقلت في مضارعه: يفعل, وإن لم تسمع ذلك؛ كأن يسمع3 سامع ضؤل ولا يسمع مضارعه فإنه يقول فيه: يضؤل, وإن لم يسمع ذلك, ولا يحتاج أن يتوقف إلى أن يسمعه؛ لأنه لو كان محتاجًا إلى ذلك لما كان لهذه الحدود

والقوانين التي وضعها المتقدمون "وتقبلوها"1, وعمل بها المتأخرون معنى يفاد, ولا غرض2 ينتحيه الاعتماد, ولكان القوم قد جاءوا بجميع المواضي والمضارعات, وأسماء الفاعلين والمفعولين, والمصادر وأسماء الأزمنة والأمكنة, والآحاد والتثاني3 والجموع, والتكابير والتصاغير, ولما أقنعهم أن يقولوا: إذا كان الماضي كذا وجب أن يكون مضارعه كذا, واسم فاعله كذا, واسم مفعوله كذا, واسم مكانه كذا, واسم زمانه كذا, ولا قالوا: إذا كان المكبَّر كذا فتصغيره كذا, وإذا كان الواحد كذا فتكسيره كذا, دون أن يستوفوا كل شيء "من ذلك"4, فيوردوه لفظًا منصوصًا معينًا لا مقيسًا ولا مستنبطًا كغيره من اللغة التي لا5 تؤخذ قياسًا، ولا تنبيهًا, نحو: دار وباب وبستان وحجر وضبع وثعلب وخزز6؛ لكن القوم بحكمتهم وزنوا كلام العرب فوجدوه على7 ضربين: أحدهما ما لا بُدَّ من تقبله كهيئته لا بوصية فيه ولا تنبيه عليه, نحو: حجر ودار, وما تقدَّم, ومنه ما وجدوه يتدارك بالقياس وتخف الكلفة في علمه على الناس, فقننوه وفصلوه؛ إذ قدروا على تداركه من هذا الوجه القريب المغني عن المذهب الحزن8 البعيد.
وعلى ذلك قدم الناس في أول المقصور والممدود ما يتدارك بالقياس والأمارات, ثم أتلوه ما لا بدله من السماع والروايات،

فقالوا: المقصور من حاله كذا؛ "ومن صفته كذا, والممدود من أمره كذا, ومن سببه كذا, وقالوا في المذكر والمؤنث: علامات التأنيث كذا, وأوصافها كذا"1، ثم لما أنجزوا ذلك قالوا: ومن المؤنث الذي روي2 رواية كذا وكذا.
فهذا من الوضوح على ما لا خفاء به.
فلما رأى القوم كثيرًا من اللغة مقيسًا منقادًا, وسموه بمواسمه, وغنوا بذلك عن الإطالة والإسهاب فيما ينوب عنه الاختصار والإيجاز.
ثم لما تجاوزوا ذلك إلى ما لا بُدَّ من إيراده, ونصَّ ألفاظه التزموا "وألزموا"3 كلفته؛ إذ لم يجدوا منها بدًّا ولا عنها منصرفًا.
ومعاذ الله أن ندَّعي أن جميع اللغة تستدرك بالأدلة قياسًا4، لكن ما أمكن ذلك فيه قلنا به ونبهنا عليه, كما فعله من قبلنا ممن نحن له متبعون, وعلى مثله5 وأوضاعه حاذون6، فأما هجنة الطبع وكدورة الفكر وخمود النفس7، وخيس8 الخاطر وضيق المضطرب فنحمد الله على أن حماناه, ونسأله سبحانه أن يبارك لنا فيما آتاناه, ويستعملنا به فيما يدني منه, ويوجب الزلفة لديه بمنِّه.
فهذا مذهب العلماء بلغة العرب وما ينبغي أن يعمل عليه ويؤخذ به, فأمضه على ما أريناه وحددناه غير هائب له ولا مرتاب به.
وهو كثير وفيما جئنا به منه كافٍ.

جارٍ التحميل