باب في الشيء يسمع من العربّي الفصيح، لا يسمع من غيره:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ذلك ما جاء به ابن أحمر في تلك الأحرف المحفوظة عنه.
قال أحمد بن يحيى: حدثني بعض أصحابي عن الأصمعي أنه ذكر حروفًا من الغريب فقال: لا أعلم أحدًا أتى بها إلّا ابن أحمر الباهلي.
منها: الجَبْر وهو الملك, وإنما سُمِّيَ بذلك1 -أظن- لأنه يجبر بجوده, وهو قوله:
اسلم براووقٍ حُبيت به ... وانعم صباحًا أيها الجبر2
ومنها قوله: "كأس رنوناة" أي: دائمة، وذلك قوله:
بنّت عليه الملك أطنأبها ... كأس رنوناة وطِرْفٌ طِمِرّ1
ومنها "الديدبون"، وهو قوله:
خلّوا طريق الديدبون وقد ... فات الصبا وتنوزع الفخر2
ومنها "ماريّة" أي: لؤلؤية3، لونها لون اللؤلؤ.
ومنها قوله: "البابوس" وهو أعجمي، يعني: ولد ناقته, وذلك قوله:
حنَّت قلوصي إلى بابوسها جزعًا ... فما حنينك أم ما أنت والذكر43
ومنها "الرُّبَّان" وهو العيش1، وذلك قوله:
وإنما العيش بربَّانِهِ ... وأنت من أفنانه مقتفر2
ومنها "المأنوسة"3 وهي النار, وذلك قوله:
كما تطاير عن مأنوسة الشرر4
قال أبو العباس أحمد بن يحيى أيضًا: وأخبرنا أبو نصر عن الأصمعي قال: من قول ابن أحمر "الحيرم" وهو البقر, ما جاء به غيره5.
انتهت الحكاية.
وقد6 أنشد أبو زيد:
كأنها بنقا العزَّاف طاوية ... لما انطوى بطنُها واخروّط السفر7
مارية لؤلؤان اللون أوّدها ... طل وبنّس عنها فَرْقَد خَصِر1
وقال: الماريّة: البقرة الوحشية.
وقوله: بنّس2 عنها, هو من النوم, غير أنه إنما يقال للبقرة.
ولم يسند3 أبو زيد هذين البيتين إلى ابن أحمر, ولا هما أيضًا في ديوانه, ولا أنشدهما الأصمعي فيما أنشده من الأبيات التي أورد4 فيها كلماته.
وينبغي أن يكون ذلك5 شيئًا جاء به غير ابن أحمر تابعًا له فيه ومتقيلًا أثره.
هذا أوفق لقول الأصمعي: إنه لم يأت به غيره من أن يكون قد جاء به غير متّبع أثره.
والظاهر أن يكون ما أنشده أبو زيد لم يصل إلى الأصمعي "لا"6 من متبع فيه ابن أحمر, ولا غير متبع. " وجاء في شعر أمية الثغرور, ولم يأت به غيره"7.
والقول في هذه الكلم المقدَّم ذكرها وجوب قبولها.
وذلك لما ثبتت به الشهادة من فصاحة ابن أحمر.
فإمَّا أن يكون شيئًا أخذه عمَّن ينطق بلغة قديمة لم يشارك في سماع ذلك منه, على حد ما قلناه فيمن خالف الجماعة وهو فصيح, كقوله في الذرحرح: الذرّحْرَح ونحو ذلك, وإما أن يكون شيئًا ارتجله ابن أحمر؛
فإن الأعرابي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته تصرَّف وارتجل ما لم يسبقه أحد قبله به, فقد حكي1 عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظًا لم يسمعاها ولا سُبِقَا إليها.
وعلى نحو من هذا قال أبو عثمان: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب.
وقد تقدَّم نحو ذلك2, وفي هذا الضرب3 غار أبو علي في إجازته أن تبنى اسمًا وفعلًا وصفة ونحو ذلك من ضرب, فتقول: ضربب زيد عمرًا, وهذا رجل ضربَب, وضرنبي4، ومررت برجل خَرَجَج, وهذا رجل خرجج ودخلخل, وخرجج أفضل من ضربب, ونحو ذلك.
وقد سبق5 القول على مراجعتي إياه في هذا المعنى, وقولي له: أفترتجل اللغة ارتجالًا؟ وما كان من جوابه في ذلك.
وكذلك إن جاء نحو هذا الذي رويناه عن ابن أحمر عن فصيح آخر غيره كانت حاله فيه حاله.
لكن لو جاء شيء من ذلك عن ظنين أو متَّهم أو من لم ترقَ به فصاحته, ولا سبقت إلى الأنفس ثقته, كان مردودًا غير متقبَّل.
فإن ورد عن بعضهم شيء يدفعه كلام العرب ويأباه القياس على كلامها, فإنه لا يقنع في قبوله أن تسمعه من الواحد ولا من العدَّة القليلة, إلّا أن يكثر من ينطق به منهم.
فإن كثر قائلوه إلّا أنه مع هذا ضعيف الوجه
في القياس, فإن ذلك مجازه وجهان: أحدهما أن يكون من نطق به لم يُحْكِم قياسه على لغة آبائهم, وإما أن تكون أنت قصَّرت عن استدراك وجة صحته.
ولا أدفع أيضًا مع هذا أن يسمع الفصيح لغة غيره مما ليس فصيحًا, وقد طالت عليه وكثر لها استماعه فسرت في كلامه1، ثم تسمعها أنت منه وقد قويت عندك في كل شيء من كلامه غيرها فصاحته, فيستهويك ذلك إلى أن تقبلها2 منه, على فساد أصلها2 الذي وصل إليه منه.
وهذا موضع متعب مؤذٍ يشوب النفس، ويشري3 اللبس؛ إلّا أن هذا كأنه متعذر ولا يكاد يقع مثله.
وذلك أن الأعرابي الفصيح إذا عدل به عن لغته الفصيحة إلى أخرى سقيمة عافها4 ولم يبهأ بها.
سألت مرة الشجري أبا عبد الله ومعه ابن عمٍّ له دونه في فصاحته, وكان اسمع غصنا فقلت لهما: كيف تحقّران "حمراء"؟ فقالا: حميراء.
قلت: فسوداء, قالا: سويداء.
وواليت من ذلك أحرفًا وهما يجيئان بالصواب, ثم دسست في ذلك "عِلْبَاء" فقال غصن: "عليباء", وتبعه الشجري.
فلما همَّ بفتح الباء تراجع كالمذعور ثم قال: آه! عليبيّ ورام الضمة5 في الياء.
فكانت تلك عادة له إلّا أنهم أشد استنكارًا لزيغ الإعراب منهم6 لخلاف اللغة؛ لأن بعضهم قد ينطق بحضرته بكثير من اللغات فلا ينكرها7.
إلا أن أهل الجفاء وقوة الفصاحة يتناكرون خلاف اللغة تناكرهم زيع الإعراب, ألا ترى أن أبا1 مهديّة سمع2 رجلًا من العجم يقول لصاحبه: زوذ, فسأل أبو مهديّة عنها فقيل له: يقول له: اعجَلْ, فقال أبو مهديّة: فهلَّا قال له: حيهلك.
فقيل له: ما كان الله ليجمع لهم إلى العجمية العربية.
وحدَّثني المتنبي أنه حضرته جماعة من العرب منصرفَهُ من مصر, وأحدهم يصف بلدة واسعة فقال في كلامه: تحير فيها العيون3، قال: وآخر من الجماعة يحي4 إليه سرًّا ويقول له: تحار تحار, والحكايات في هذا المعنى كثيرة منبسطة.
ومن بعد فأقوى القياسين أن يقبل ممن شُهِرَت فصاحته ما يورده5, ويحمل أمره على ما عرف من حاله لا على ما عسى أن يكون من غيره.
وذلك كقبول القاضي شهادة من ظهرت عدالته, وإن كان يجوز أن يكون الأمر عند الله بخلاف ما شهد به, ألا تراه يمضي الشهادة ويقطع بها وإن لم يقع العلم بصحتها؛ لأنه لم يؤخذ بالعمل بما عند الله, إنما أمر بحمل الأمور على ما تبدو6, وإن كان في المغيب غيره.
فإن لم تأخذ بها دخل عليك الشك في لغة من تستفصحه ولا تنكر شيئًا من لغته مخافة أن يكون فيها بعض
ما يخفى عليك فيعترض الشك على يقينك, وتسقط بكل اللغات ثقتك.
ويكفي من هذا ما تعلمه من بعد لغة حمير من لغة ابني نزار.
روينا عن الأصمعي أن رجلًا1 من العرب دخل على ملك "ظفار" -وهي مدينة لهم يجيء منها الجزع الظفاريّ- فقال له الملك: ثِبْ, وثب بالحميرة: اجلس, فوثب الرجل فاندقَّت رجلاه, فضحك الملك وقال: لست عندنا عَرَبيّت2، من دخل ظفار حمّر, أي: تكلّم بكلام حمير.
فإذا كان كذلك جاز جوازًا قريبًا كثيرًا أن يدخل من هذه اللغة في لغتنا, وإن لم يكن لها فصاحتنا, غير أنها لغة عربية قديمة.