باب في الشيء يرد مع نظيره مورده 1 مع نقيضه:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وذلك أضرب:
منها اجتماع المذكر والمؤنث في الصفة المؤنثة؛ نحو: رجل علَّامة, وامرأة علَّامة, ورجل نسَّابة, وامرأة نسابة, ورجل همزة لمزة, وامرأة همزة لُمَزة, ورجل صرورة وفروقة, وامرأة صرورة وفروقة, ورجل هلباجة فقاقة2، وامرأة كذلك.
وهو كثير.
وذلك أن الهاء في نحو ذلك لم تلحق لتأنيث الموصوف بما هي فيه, وإنما لحقت لإعلام المسامع أن هذا الموصوف بما هي فيه قد بلغ الغاية والنهاية, فجعل تأنيث الصفة أمارة3 لما أريد من تأنيث الغاية والمبالغة, وسواء كان ذلك الموصوف بتلك الصفة مذكرًا أم4 مؤنثًا.
يدل على ذلك أن الهاء لو كانت في نحو: امرأة فروقة, إنما لحقت؛ لأن المرأة مؤنثة لوجب أن تحذف في المذكر فيقال: رجل فروق, كما أن التاء في "نحو امرأة"5 قائمة، وظريفة, لما لحقت لتأنيث الموصوف حذفت مع تذكيره في نحو:6 رجل ظريف وقائم وكريم.
وهذا واضح.
ونحو من تأنيث هذه الصفة7 لا يعلم أنها بلغت المعنى الذي هو مؤنث أيضًا تصحيحهم العين في نحو: حول وصيد واعتونوا واجتوروا, إيذانًا بأن ذلك في معنى ما لا بُدَّ من تصحيحه.
وهو احولَّ واصيدَّ وتعاونوا، وتجاوروا،1
وكما كررت الألفاظ لتكرير المعاني نحو: الزلزلة والصلصلة والصرصرة.
وهذا1 باب واسع.
ومنها اجتماع المذكر والمؤنث في الصفة المذكرة, وذلك نحو: رجل خصم, وامرأة خصم, ورجل عدل وامرأة عدل, ورجل ضيف وامرأة ضيف, ورجل رضا وامرأة رضًا.
وكذلك ما فوق الواحد نحو: رجلين2 رضا وعدل, وقوم رضا وعدل, قال زهير3:
متى يشتجر قوم يقل سرواتهم ... هم بيننا فهم رضًا وهم عدلُ4
وسبب اجتماعهما هنا في هذه الصفة أن التذكير إنما أتاها من قبل المصدرية5، فإذا قيل: رجل عدل فكأنه وصف بجميع الجنس مبالغة كما تقول: استولى على الفضل, وحاز جميع الرياسة والنبل, ولم يترك لأحد نصيبًا في الكرم والجود, ونحو ذلك.
فوصف بالجنس أجمع6، تمكينًا "لهذا الموضع"7 وتوكيدًا.
وقد ظهر منهم ما يؤيد هذا المعنى ويشهد به.
وذلك نحو قوله: أنشدناه أبو علي:
ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل ... وضنَّت علينا والضنين من البخل8
فهذا كقولك: هو مجبول من الكرم, ومطين من الخير, وهي مخلوقة1 من البخل.
وهذا أوفق معنى من أن تحمله2 على القلب وأنه يريد به 3: والبخل من الضنين؛ لأن فيه من الإعظام والمبالغة ما ليس في القلب.
ومنه ما أنشدناه أيضًا من قوله:
وهنّ من الإخلاف قبلك والمطل4
و"قوله"5:
وهن من الإخلاف والولعان6
وأقوى التأويلين في قولها 7:
فإنما هي إقبالٌ وإدبار
أن يكون8 من هذا، أي: كأنها مخلوقة9 من الإقبال والإدبار لا على أن يكون من باب حذف المضاف, أي: ذات إقبال وذات إدبار.
ويكفيك من هذا كله قول الله -عز وجل: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ 10 وذلك لكثرة فعله إياه واعتياده له, وهذا أقوى معنى من أن يكون أراد: خلق العجل من الإنسان؛ لأنه أمر قد
اطَّرد واتَّسع, فحمله على القلب يبعد في الصنعة و"يصغِّر المعنى"1.
وكأن هذا الموضع لما خفي على بعضهم قال في تأويله: إن العَجَل هنا الطين.
ولعمري إنه في اللغة كما ذكر غير أنه في هذا الموضع لا يراد به إلّا نفس العجلة والسرعة, ألا تراه عزَّ اسمه كيف قال عقبه: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ 2 فنظيره قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ 3 ﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ 4؛ لأن العجلة ضرب من الضعف لما تؤذن5 به من الضرورة والحاجة.
فلمَّا كان الغرض في قولهم: رجل عدل وامرأة عدل إنما هو إرادة المصدر والجنس, جعل الإفراد والتذكير أمارة للمصدر6 المذكر.
فإن قلت: فإن نفس6 لفظ المصدر قد جاء مؤنثًا نحو: الزيادة والعبادة7، والضئولة، والجهومة والمحمية والموجدة والطلاقة، والسياطة.
وهو كثير جدًّا.
فإذا كان نفس المصدر قد جاء مؤنثًا فما هو في معناه ومحمول بالتأويل عليه أحجى بتأنيثه.
قيل: الأصل لقوّته أحمل لهذا المعنى من الفرع لضعفه.
وذلك أن الزيادة، والعبادة8، والجهومة والطلاقة ونحو ذلك مصادر غير مشكوك فيها, فلحاق التاء لها8 لا يخرجها عمَّا ثبت في النفس من مصدريتها.
وليس كذلك الصفة؛ لأنه ليست في الحقيقة مصدرًا, وإنما هي متأولة عليه ومردودة بالصنعة إليه.
فلو قيل: رجل عدل, وامرأة عدلة, وقد جرت صفة9
كما ترى لم يؤمن أن يظن بها1 أنها صفة حقيقية؛ كصَعْبة من صعب, وندبة من ندب, وفخمة من فخم, ورطبة من رطب.
فلم يكن فيها من قوة الدلالة على المصدرية ما في نفس المصدر نحو: الجهومة والشهومة والطلاقة والخلاقة.
فالأصول2 لقوّتها يتصرف فيها, والفروع لضعفها يتوقف بها، ويقصر عن بعض ما تسوغه القوة لأصولها.
فإن قلت: فقد قالوا: رجل عدل, وامرأة عدلة, وفرس طوعة القياد, وقال أمية -أنشدناه:
والحيّة الحتفة الرّقشاء أخرجها ... من بيتها آمِنَات الله والكلم2
قيل: هذا مِمَّا خرج على صورة الصفة؛ لأنهم لم يؤثروا أن يبعدوا كل البعد عن أصل الوصف الذي بابه أن يقع الفرق فيه بين مذكره ومؤنثه, فجرى هذا في حفظ3 الأصول والتلفت إليها، "للمباقاة لها"4، والتنبيه عليها, مجرى إخراج بعض المعتل على أصله نحو: استحوذ وضننوا -وقد تقدَّم ذكره- ومجرى إعمال صغته وعدته، وإن كان قد نقل إلى "فَعُلت" لما كان أصله "فَعَلت".
وعلى ذلك أنَّث بعضهم فقال: خصمة وضيفة؛ وجمع5، فقال 6:
يا عين هلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد
وعليه قول الآخر:
إذا نزل الأضياف كان عذورًا ... على الحي حتى تستقلّ مراجله7
الأضياف هنا بلفظ القلة ومعناها أيضًا, وليس كقوله 1:
وأسيافنا يقطرن من نجدة دمًا
في أن المراد به2 معنى الكثرة, وذلك أمدح؛ لأنه إذا قرى الأضياف وهم قليل بمراجل الحي أجمع, فما ظنك به3 لو نزل به الضيفان الكثيرون!
فإن قيل: فلم أنَّث المصدر أصلًا؟ وما الذي سوَّغ التأنيث فيه مع معنى العموم والجنس وكلاهما إلى التذكير, حتى احتجت إلى الاعتذار له بقولك 4: إنه أصل, وإن الأصول تحمل ما لا تحمله الفروع.
قيل: علة جواز تأنيث المصدر مع ما ذكرته من وجوب تذكيره أن المصادر أجناس للمعاني "كما غيرها"5 أجناس للأعيان, نحو: رجل وفرس وغلام ودار وبستان.
فكما6 أن أسماء أجناس الأعيان قد تأتي مؤنثة الألفاظ, ولا حقيقة تأنيث في معناها نحو: غرفة، ومشرقة7، وعلية ومروحة، ومِقْرَمَة8؛ وكذلك جاءت أيضًا أجناس المعاني مؤنثًا بعضها لفظًا لا معنى, وذلك نحو: المحمدة والموجدة والرشاقة، والجباسة9، والضئولة، والجهومة.
نعم، وإذا جاز تأنيث المصدر وهو على مصدريته غير موصوف به، لم يكن تأنيثه وجمعه, وقد ورد1 وصفًا2 على المحل الذي من عادته أن يفرق فيه بين مذكره ومؤنثه, وواحده وجماعته قبيحًا ولا مستكرهًا, أعني: ضيفة3 وخصمة، وأضيافًا وخصومًا, وإن كان التذكير والإفراد أقوى في اللغة وأعلى في الصنعة, قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ 4.
وإنما كان التذكير والإفراد أقوى من قبل أنك لما وصفت بالمصدر أردت المبالغة بذلك, فكان من تمام المعنى وكماله أن تؤكد ذلك بترك التأنيث والجمع, كما يجب للمصدر في أول أحواله, ألا ترى أنك إذا أنثت وجمعت سلكت به مذهب الصفة الحقيقة التي لا معنى للمبالغة5 فيها، نحو: قائمة ومنطلقة وضاربات ومكرمات, فكان ذلك يكون نقضًا للغرض أو كالنقض له.
فلذلك قلَّ حتى وقع الاعتذار لما جاء منه مؤنثًا أو مجموعًا.
ومما جاء من المصادر مجموعًا ومعملًا أيضًا قوله 6:
مواعيد عرقوب أخاه بيثرب7
و"بيترب".
ومنه عندي قولهم: تركته بملاحس البقر أولادها.
فالملاحس جمع ملحس, ولا يخلو أن يكون مكانًا أو مصدرًا, فلا يجوز أن يكون هنا مكانًا، لأنه قد عمل
في الأولاد فنصبها, والمكان لا يعمل في المفعول به, كما أنَّ الزمان لا يعمل فيه.
وإذا كان الأمر على ما ذكرنا كان المضاف هنا محذوفًا مقدَّرًا, وكأنه قال: تركته بمكان ملاحس البقر أولادها, كما أن قوله:
وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حيِّ خَثْعَما1
محذوف المضاف, أي: وقت إغارة ابن همام على حيِّ خثعم, ألا تراه قد عداه إلى "على في"2 قوله: "على حيِّ خثعما".
ف"ملاحس البقر" إذًا مصدر مجموع معمل في المفعول به، كما أن "مواعيد عرقوب أخاه بيثرب" كذلك.
وهو غريب.
وكان أبو علي -رحمه الله- يورد "مواعيد عرقوب" مورد الطريف المتعجَّب منه.
فأما قوله:
قد جرَّبوه فما زادت تجاربهم ... أبا قدامة إلّا المجد والفنعا3
فقد يجوز أن يكون من هذا, وقد يجوز أن يكون "أبا قدامة" منصوبًا ب"زادت", أي: فما زادت أبا قدامة تجاربهم إيّاه إلا المجد.
والوجه أن ينصب1 ب"تجاربهم"؛ لأنه2 العامل الأقرب, ولأنه لو أراد إعمال الأوَّل لكان حريّ أن يعمل الثاني أيضًا, فيقول: فما زادت تجاربهم إياه أبا قدامة إلّا كذا, كما تقول 3: "ضربت فأوجعته زيدًا"، وتضعَّف4 "ضربت فأوجعت زيدًا" على إعمال الأول.
وذلك أنك إذا كنت تعمل الأول على بعده وجب إعمال الثاني أيضًا لقربه؛ لأنه لا يكون الأبعد أقوى حالًا من الأقرب.
فإن قلت: أكتفي بمفعول5 العامل الأول من مفعول العامل الثاني؛ قيل لك: فإذا كنت مكتفيًا مختصرًا فاكتفاؤك بإعمال الثاني الأقرب أولى من اكتفائك بإعمال الأول الأبعد.
وليس لك في هذا مالك في الفاعل لأنك تقول: لا أضمر على غير تقدّم6 ذكر إلا مستكرهًا, فتعمل الأول فتقول: "قام وقعدا أخواك".
فأما المفعول فمنه بُدّ, فلا ينبغي أن تتباعد بالعمل إليه وتترك ما هو أقرب إلى المعمول7 فيه منه.
ومن ذلك "فرس وساعٌ" الذكر والأنثى فيه سواء, وفرس جواد, وناقة ضامر, وجمل ضامر، وناقة بازل، وجمل بازل، وهو لباب قومه، وهي لباب قومها، وهم لباب قومهم؛ قال جرير:
تذري فوق متنيها قرونًا ... على بشر وآنسة لباب8
وقال ذو الرمة:
سبحلا أبا شرخين أحيا بناته ... مقاليتها فهي اللباب الحبائس1
فأما ناقة هجان, ونوق هجان, ودرع دلاص, وأدرع دلاص, فليس من هذا الباب, فإن فعالًا منه في الجمع تكسير فعال في الواحد.
وقد تقدَّم ذكر ذلك في باب ما اتفق لفظه واختلف تقديره.