الخصائصصفحات 216-255

باب في الرد على من ادعى على العرب

صفحات 216-255
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني: اعلم أن هذا الباب من أشرف فصول العربية وأكرمها وأعلاها وأنزهها.
وإذا تأملته عرفت منه وبه ما يؤنقك ويذهب1 في الاستحسان له كل مذهب بك.
وذلك أن العرب كما تعنى بألفاظها فتصلحها وتهذبها وتراعيها2، وتلاحظ أحكامها بالشعر تارة وبالخطب أخرى وبالأسجاع التي تلتزمها وتتكلف استمرارها فإن المعاني أقوى عندها وأكرم عليها وأفخم قدرًا في نفوسها.
فأول ذلك عنايتها بألفاظها.
فإنها لما كانت عنوان معانيها وطريقًا إلى إظهار أغراضها ومراميها أصلحوها ورتبوها3، وبالغوا في تحبيرها وتحسينها؛ ليكون

ذلك أوقع لها في السمع وأذهب بها في الدلالة على القصد ألا ترى أن المثل إذا كان مسجوعا لذ لسامعه فحفظه فإذا هو حفظه كان جديرًا باستعماله ولو لم يكن مسجوعًا لم تأنس النفس به1، ولا أنقت لمستمعه2، وإذا كان كذلك لم تحفظه وإذا لم تحفظه لم تطالب أنفسها باستعمال ما وضع له وجيء به من أجله.
وقال لنا أبو علي يومًا: قال لنا أبو بكر 3: إذا لم تفهموا كلامي فاحفظوه فإنكم إذا حفظتموه فهمتموه.
وكذلك الشعر: النفس له أحفظ وإليه أسرع ألا ترى أن الشاعر قد يكون راعيًا جلفًا أو عبدًا عسيفًا تنبو صورته وتمج جملته4، فيقول ما يقوله من الشعر فلأجل قبوله وما يورده عليه من طلاوته5، وعذوبة مستمعه6 ما يصير قوله حكمًا يرجع إليه ويقتاس7 به ألا ترى إلى قول العبد الأسود 8: إن كنت عبدًا فنفسي حرة كرمًا ... أو أسود اللون إني أبيض الخلق وقول نصيب 9: سودت فلم10 أملك سوادي وتحته ... قميص من القوهي بيض بنائقه11

وقول الآخر 1: إني وإن كنت صغيرًا2 سني ... وكان في العين نبوٌ عني فإن شيطاني أمير الجن ... يذهب بي في الشعر كل فن حتى يزيل عني التظني فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها وحموا حواشيها وهذبوها وصقلوا غروبها3 وأرهفوها فلا ترين أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني وتنويه "بها"4 وتشريف منها.
ونظير ذلك إصلاح الوعاء وتحصينه وتزكيته5، وتقديسه وإنما المبغي6 بذلك منه7 الاحتياط للموعى عليه8 وجواره بما يعطر بشره9 ولا10 يعر جوهره كما قد نجد من المعاني الفاخرة السامية ما يهجنه11 ويغض منه كدرة12 لفظه وسوء العبارة عنه.
فإن قلت: فإنا نجد من ألفاظهم ما قد نمقوه وزخرفوه ووشوه ودبجوه ولسنا نجد مع ذلك تحته معنى شريفًا بل لا نجد قصدًا13 ولا مقاربًا؛ ألا ترى إلى قوله 14:

ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح فقد ترى إلى علو هذا اللفظ ومائه, وصقاله وتلامح1 أنحائه, ومعناه مع هذا ما تحسه وتراه: إنما هو: لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين, وتحدثنا على ظهور الإبل.
ولهذا نظائر كثيرة شريفة الألفاظ رفيعتها مشروفة المعاني خفيضتها.
قيل: هذا الموضع قد سبق إلى التعلق به من لم ينعم النظر فيه, ولا رأى ما أراه2 القوم منه, وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر, وخفاء غرض الناطق.
وذلك أن في قوله " كل حاجة" "ما"3 يفيد منه أهل النسيب والرقة، وذوو4 الأهواء والمقة ما لا يفيده غيرهم, ولا يشاركهم فيه من ليس منهم ألا ترى أن من حوائج "منى" أشياء كثيرة غير ما الظاهر عليه والمعتاد فيه سواها5؛ لأن منها التلاقي، ومنها التشاكي6، ومنها التخلي8، إلى غير ذلك مما هو تال له ومعقود الكون به.
وكأنه صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه وعقد غرضه عليه بقوله في آخر البيت: ومسح بالأركان من هو ماسح7

أي إنما كانت حوائجنا التي قضيناها, وآرابنا التي أنضيناها1، من هذا النحو الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به وجار في القربة من الله مجراه أي لم يتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح.
وأما البيت الثاني فإن فيه: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وفي هذا ما أذكره لتراه فتعجب ممن عجب منه ووضع من معناه.
وذلك أنه لو قال: أخذنا في أحاديثنا ونحو ذلك لكان فيه معنى يكبره أهل النسيب وتعنو له ميعة2 الماضي الصليب.
وذلك أنهم قد شاع عنهم واتسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الأليفين والفكاهة بجمع شمل المتواصلين؛ ألا ترى إلى قول الهذلي 3: وإن حديثًا منك لو تعلمينه ... جنى النخل في ألبان عوذ مطافل4 وقال آخر: وحديثها كالغيث يسمعه ... راعى سنين تتابعت جدبا فأصاخ يرجو أن يكون حيًّا ... ويقول من فرح هيا ربا5 وقال الآخر 6: وحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... جنونًا فزدني من حديثك يا سعد

وقال المولد 1: وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز الأبيات الثلاثة.
فإذا كان قدر الحديث -مرسلا- عندهم هذا, على ما ترى فكيف به إذا قيده بقوله "بأطراف الأحاديث ". وذلك أن قوله2: "أطراف الأحاديث " وحيًا خفيًّا ورمزًا حلوًا ألا ترى أنه يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون ويتفاوضه3 ذوو الصبابة المتيمون من التعريض والتلويح والإيماء دون التصريح وذلك أحلى وأدمث وأغزل وأنسب من أن يكون مشافهة وكشفًا, ومصارحة وجهرًا وإذا كان كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم وأشد تقدمًا في نفوسهم من لفظهما وإن عذب موقعه وأنق له مستمعه.
نعم، وفي قوله: وسالت بأعناق المطي الأباطح من الفصاحة ما لا خفاء به.
والأمر في هذا أسير، وأعرف وأشهر.
فكأن العرب إنما تحلى ألفاظها وتدبجها وتشيها وتزخرفها عناية بالمعاني التي وراءها وتوصلا بها إلى إدراك مطالبها وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر لحكمًا وإن من البيان لسحرًا" 4. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقد هذا في ألفاظ هؤلاء القوم التي جعلت مصايد وأشراكًا للقلوب وسببًا وسلمًا إلى تحصيل المطلوب عرف بذلك أن الألفاظ خدم للمعاني والمخدوم -لا شك- أشرف من الخادم.

والأخبار في التلطف بعذوبة الألفاظ إلى قضاء الحوائج أكثر من أن يؤتى عليها أو يتجشم للحال "نعت لها"1، ألا ترى إلى قول بعضهم وقد سأل آخر حاجة فقال المسئول: إن علي يمينًا ألا أفعل هذا.
فقال له السائل: إن كنت -أيدك الله- لم تحلف يمينًا قط على أمر فرأيت غيره خيرًا منه فكفرت عنها له وأمضيته فما أحب أن أحنثك وإن كان ذلك قد كان منك فلا تجعلني أدون الرجلين عندك.
فقال له: سحرتني, وقضى حاجته.
وندع هذا ونحوه لوضوحه, ولنأخذ لما كنا عليه فتقول: مما يدل على اهتمام العرب بمعانيها وتقدمها2 في أنفسها على3 ألفاظها أنهم قالوا في شمللت4, وصعررت5، وبيطرت، وحوقلت6، ودهورت7، وسلقيت8، وجعبيت 9: إنها ملحقة بباب دحرجت.
وذلك أنهم وجدوها على سمتها10: عدد حروف وموافقة بالحركة والسكون, فكانت هذه صناعة لفظية, ليس فيها أكثر من إلحاقها ببنائها, واتساع العرب بها في محاوراتها, وطرق كلامها.
والدليل على أن فعللت وفعيلت وفوعلت وفعليت ملحقة بباب دحرجت مجيء مصادرها على مثل مصادر باب دحرجت.
وذلك قولهم: الشمللة والبيطرة والحوقلة والدهورة والسلقاة والجعباة.
فهذا "ونحوه"11 كالدحرجة والهملجة12،

والقوقاة والزوزاة.
فلما جاءت مصادرها1 الرباعية والمصادر أصول للأفعال حكم بإلحاقها بها ولذلك استمرت في تصريفها استمرار ذوات الأربعة.
فقولك: بيطر يبيطر بيطرة كدحرج يدحرج دحرجة ومبيطر كمدحرج.
وكذلك شملل يشملل شمللة وهو مشملل.
فظهور2 تضعيفه على هذا الوجه أوضح دليل على إرادة إلحاقه.
ثم إنهم قالوا: قاتل يقاتل قتالًا ومقاتلة وأكرم يكرم إكرامًا وقطع يقطع تقطيعًا فجاءوا بأفعل وفاعل وفعل غير ملحقة بدحرج وإن كانت على سمته وبوزنه كما كانت فعلل وفيعل وفوعل وفعول وفعلى على سمته ووزنه ملحقة 3. والدليل على أن فاعل وأفعل وفعل غير ملحقة بدحرج وبابه امتناع مصادرها أن تأتي على مثال الفعللة ألا تراهم لا يقولون: ضارب ضاربة ولا أكرم أكرمة ولا قطع قطعة فلما امتنع فيها هذا -وهو العبرة في صحة الإلحاق- علم أنها ليست ملحقة بباب دحرج.
فإذا قيل: فقد تجيء مصادرها من غير هذا الوجه على مثال مصادر ذوات الأربعة ألا تراهم يقولون: قاتل قيتالا4، وأكرم إكرامًا ﴿وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ فهذا بوزن الدحراج, والسرهاف, والزلزال, والقلقال؛ قال 5: سرهفته ما شئت من سرهاف

قيل: الاعتبار بالإلحاق بها ليس إلا من جهة الفعللة, دون الفعلال, وبه كان يعتبر سيبويه.
ويدل على صحة ذلك أن مثال الفعللة لا زيادة فيه فهو بفعلل أشبه من مثال الفعلال والاعتبار1 بأصول أشبه منه وأوكد منه بالفروع.
فإن قلت: ففي الفعللة الهاء زائدة قيل: الهاء في غالب أمرها وأكثر أحوالها غير معتدة من حيث كانت في تقدير المنفصلة.
فإن قيل: فقد صح إذًا أن فاعل وأفعل وفعّل -وإن كانت بوزن دحرج- غير ملحقة به, فلم لم تلحق به؟ قيل: العلة في ذلك أن كل واحد من هذه المثل جاء بمعنى.
فأفعل للنقل وجعل الفاعل مفعولا؛ نحو دخل وأدخلته, وخرج, وأخرجته.
ويكون أيضًا للبلوغ نحو أحصد الزرع, وأركب المهر, وأقطف الزرع, ولغير ذلك من المعاني.
وأما فاعل فلكونه من اثنين فصاعدًا نحو ضارب زيد عمرًا وشاتم جعفر بشرًا 2. وأما فعّل فللتكثير نحو غلّق الأبواب وقطّع الحبال وكسّر الجرار.
فلما كانت هذه الزوائد في هذه المثل إنما جيء بها للمعاني خشوا إن هم جعلوها ملحقة بذوات الأربعة أن يقدر أن غرضهم فيها إنما هو إلحاق اللفظ باللفظ؛ نحو شملل, وجهور, وبيطر, فتنكبوا إلحاقها بها؛ صونًا للمعنى وذبًّا عنه أن يستهلك ويسقط حكمه, فأخلوا بالإلحاق لما كان صناعة لفظية، ووقروا3 المعنى = "سرهفته": أحسنت غذاءه، يريد جهده في تربيته.
و"أعراف" جمع عرف -بضم فسكون- وهو الشعر من العنق.
و"الكودن" من الخيل ما لم ينتج من العراب، وقوله: "صوافي" جمع صاف أي خالص لي، "والعصف": الكسب، و"الاصطراف"، التصرف في كسب المال، يقول: أحسنت تربيته حتى إذا شب وترعرع وصار كالبرذون طمع في مالي وزعم أنه خالص له.
وذلك مع أنه لم يتعب في كسب هذا المال وجمعه.
وانظر الجزء الثاني من مجموع أشعار العرب طبعة أوروبا ص40.

ورجبوه؛ لشرفه عندهم وتقدمه في أنفسهم.
فرأوا الإخلال باللفظ في جنب الإخلال بالمعنى يسيرًا سهلا وحجمًا محتقرًا.
وهذا الشمس إنارة مع أدنى تأمل.
ومن ذلك أيضًا أنهم لا يلحقون الكلمة من أولها إلا أن يكون مع الحرف الأول غيره ألا ترى أن "مَفعلًا " لما كانت زيادته في أوله لم يكن ملحقًا بها1، نحو: مَضرب ومَقتل.
وكذلك "مِفعل " نحو: مِقطع ومِنسج وإن كان مَفعل بوزن جعفر ومِفعل بوزن هِجرع 2. يدل على أنهما ليسا ملحقين بهما ما نشاهده من ادغامهما3 نحو مسد ومرد ومتل4 ومشل 5. ولو كانا ملحقين لكانا حري أن يخرجا على أصولهما كما خرج شملل وصعرر على أصله.
فأما محبب فعلم خرج شاذًا كتهلل ومكوزة ونحو ذلك مما احتمل لعلميته.
وسبب امتناع مَفعل ومِفعل أن يكونا ملحقين -وإن كانا على وزن جعفر, وهجرع- أن الحرف الزائد في أولهما6، وهو لمعنى؛ وذلك أن مَفعلا يأتي للمصادر نحو ذهب مذهبًا ودخل مدخلا وخرج مخرجًا.
ومِفعلا يأتي للآلات7، والمستعملات؛ نحو مِطرق ومِروح8 ومِخصف9 ومئزر.
فلما كانت الميمان ذواتي معنى خشوا إن هم ألحقوا بهما أن يتوهم أن الغرض فيهما إنما هو الإلحاق حسب فيستهلك المعنى المقصود بهما فتحاموا الإلحاق بهما ليكون ذلك موفرًا على المعنى لهما.
ويدلك على تمكن المعنى في أنفسهم وتقدمه للفظ عندهم تقديمهم لحرف المعنى في أول الكلمة, وذلك لقوة العناية به فقدموا دليله ليكون ذلك أمارة لتمكنه عندهم.

وعلى ذلك تقدمت حروف المضارعة في أول الفعل إذ كن دلائل على الفاعلين: من هم وما هم وكم عدتهم نحو أفعل ونفعل وتفعل ويفعل وحكموا بضد " هذا لِلّفظ"1؛ ألا ترى إلى2 ما قاله أبو عثمان3 في الإلحاق: إن أقيَسه أن يكون بتكرير اللام فقال: باب شمللت وصعررت أقيس من باب حوقلت وبيطرت وجهورت.
أفلا ترى إلى حروف المعاني: كيف بابها التقدم وإلى حروف الإلحاق والصناعة: كيف بابها التأخر.
فلو لم يعرف سبق المعنى عندهم وعلوه في تصورهم إلا بتقديم دليله وتأخر دليل نقيضه لكان مغنيًا من غيره كافيًا.
وعلى هذا حشوا بحروف المعاني فحصنوها بكونها حشوًا وأمنوا عليها ما لا يؤمن على الأطراف المعرضة للحذف والإجحاف.
وذلك كألف التكسير وياء التصغير نحو دارهم ودريهم وقماطر وقميطر.
فجرت في ذلك -لكونها حشوًا- مجرى عين الفعل المحصنة في غالب الأمر المرفوعة عن حال الطرفين من الحذف ألا ترى إلى كثرة باب عدة وزنة وناس4، والله في أظهر5 قولي سيبويه، وما حكاه أبو زيد من قولهم لاب6 لك وويلِمّهِ7،

ويا با1 المغيرة وكثرة باب يد ودم وأخ وأب وغَد وهَن وحِر واست وباب ثُبة وقُلة وعِزَة وقلة باب2 مُذ وسَه: إنما هما هذان الحرفان بلا خلاف.
وأما ثُبة3 ولِثة فعلى الخلاف.
فهذا يدلك على ضنهم بحروف المعاني وشحهم عليها: حتى قدموها عناية بها أو وسطوها تحصينًا لها.
فإن قلت: فقد نجد حرف المعنى آخرًا كما نجده أولا ووسطًا.
وذلك تاء التأنيث وألف التثنية وواو الجمع على حده والألف والتاء في المؤنث4، وألفا التأنيث في حمراء وبابها وسكرى وبابها وياء الإضافة كهني5، فما ذلك؟ قيل: ليس شيء مما تأخرت فيه علامة معناه إلا لعاذر مقنع.
وذلك أن تاء التأنيث إنما جاءت في طلحة6 وبابها آخرًا من قبل أنهم أرادوا أن يعرفونا تأنيث ما هو وما مذكره فجاءوا بصورة المذكر كاملة مصححة ثم ألحقوها تاء التأنيث ليعلموا حال صورة التذكير وأنه قد استحال بما لحقه إلى التأنيث فجمعوا بين الأمرين ودلوا على الغرضين.
ولو جاءوا بعلم التأنيث حشوًا لانكسر المثال ولم يعلم تأنيث أي شيء هو.

فإن قلت: فإن ألف التكسير وياء التحقير قد تكسران مثال الواحد والمكبر وتخترمان صورتيهما لأنهما حشو لا آخر.
وذلك قولك دفاتر ودفيتر وكذلك كليب وحجير ونحو ذلك قيل: أما التحقير فإنه أحفظ للصورة من التكسير ألا تراك تقول في تحقير حبلى: حبيلى وفي صحراء: صحيراء فتقر ألف التأنيث بحالها فإذا كسرت قلت: حبالى وصحارى وأصل حبالى حبال كدعاو وتكسير دعوى فتغير علم التأنيث.
وإنما كان الأمر كذلك من حيث كان تحقير الاسم لا يخرجه عن رتبته الأولى -أعني الإفراد- فأقر "بعض لفظه"1 لذلك وأما التكسير فيبعده عن الواحد الذي هو الأصل فيحتمل التغيير لا سيما مع اختلاف معاني الجمع فوجب اختلاف اللفظ.
وأما ألف2 التأنيث المقصورة والممدودة فمحمولتان على تاء التأنيث وكذلك علم التثنية والجمع على حده لاحق بالهاء أيضًا.
وكذلك ياء النسب.
وإذا كان الزائد غير ذي المعنى قد قوي سببه حتى لحق بالأصول عندهم فما ظنك بالزائد ذي المعنى وذلك قولهم في اشتقاق الفعل من قلنسوة تارة: تقلنس وأخرى: تقلسى فأقروا النون وإن كانت زائدة وأقروا أيضًا الواو حتى قلبوها ياء في تقلسيت.
وكذلك قالوا: قَرنُوة3 فلما اشتقوا الفعل منها قالوا قرنيت السقاء فأثبتوا الواو كما أثبتوا بقية حروف الأصل: من القاف والراء والنون ثم قلبوها ياء في قرنيت.
هذا مع أن الواو في قرنوة زائدة للتكثير والصيغة لا للإلحاق ولا للمعنى وكذلك الواو في قلنسوة للزيادة غير الإلحاق وغير المعنى.
وقالوا في نحوه: تعفرت الرجل إذا

صار عفريتًا فهذا تفعلت؛ وعليه جاء تمسكن وتمدرع1، وتمنطق وتمندل2، ومخرق3، وكان يسمى محمدًا ثم تمسلم أي صار يسمى مسلمًا و "مرحبك الله ومسهلك "4 فتحملوا ما فيه تبقية الزائد مع الأصل في حال الاشتقاق كل ذلك توفية5 للمعنى وحراسة له ودلالة عليه.
ألا تراهم إذ قالوا: تدرع وتسكن وإن كانت أقوى اللغتين عند أصحابنا فقد عرضوا أنفسهم لئلا يعرف غرضهم: أمن الدرع والسكون أم من المدرعة والمسكنة وكذلك بقية الباب.
ففي هذا شيئان: أحدهما حرمة الزائد في الكلمة عندهم حتى أقروه إقرار الأصول.
والآخر ما يوجبه ويقضى به: من ضعف تحقير الترخيم وتكسيره عندهم لما يقضى به ويفضي بك إليه: من حذف الزوائد على معرفتك بحرمتها عندهم.
فإن قلت: فإذا كان الزائد إذا وقع أولا للإلحاق فكيف ألحقوا بالهمزة في ألَندد6 وألَنجج7 والياء في يلَندد6 ويلَنجج7 والدليل على الإلحاق ظهور التضعيف؟ قيل: قد قلنا قبل: إنهم لا يلحقون الزائد من أول الكلمة إلا أن يكون معه زائد آخر فلذلك جاز الإلحاق بالهمزة والياء في ألندد ويلندد لما انضم إلى الهمزة والياء والنون.

وكذلك ما جاء عنهم1 من إنقحل2 -في قول صاحب3 الكتاب- ينبغي أن تكون الهمزة في أوله للإلحاق -بما اقترن بها من النون- بباب جِردَحل.
ومثله ما رويناه عنهم من قولهم: رجل إنزَهوٌ، وامرأة إنزَهوة، ورجال إنزهوون، ونساء إنزهوات إذا كان4 ذا زهو فهذا إذًا إنفعل.
ولم يحك سيبويه من هذا الوزن إلا إنقحلا وحده وأنشد الأصمعي5 -رحمه الله: لما رأتني خَلَقًا إنقَحلا ويجوز عندي في إنزهوٍ غير هذا, وهو أن تكون همزته بدلا من عين, فيكون أصله عِنزَهو: فِنعلو من العزهاة وهو الذي لا يقرب النساء.
والتقاؤهما أن فيه انقباضًا وإعراضًا وذلك طرف من أطراف الزهو؛ قال 6: إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا ... فكن حجرًا من يابس الصخر جلمدا وإذا حملته على هذا لحق بباب أوسع من إنقحل وهو باب7 قِندأو8، وسِندأو9، وحِنطأو10، وكِنتأو 11. فإن قيل: ولم لما كان مع الحرف الزائد إذا وقع أولًا زائد ثان غيره صارا جميعًا للإلحاق وإذا انفرد الأول لم يكن له قيل: لما كنا عليه من غلبة المعاني للألفاظ على ما تقدم.

وذلك أن أصل الزيادة في أول الكلمة إنما هو للفعل.
وتلك حروف المضارعة في أفعلُ ونفعلُ وتفعلُ ويفعلُ وكل واحد من أدلة المضارعة إنما هو حرف واحد فلما انضم إليه حرف آخر فارق بذلك طريقه في باب الدلالة على المعنى فلم ينكر أن يصار به حينئذ إلى صنعة اللفظ وهي الإلحاق.
ويدلك على تمكن الزيادة إذا وقعت أولًا في الدلالة على المعنى تركهم صرف أحمد وأرمل، وأزمل1، وتنضب ونرجس معرفة لأن هذه الزوائد في أوائل الأسماء وقعت موقع ما هو أقعد منها في ذلك الموضع وهي حروف المضارعة.
فضارع أحمد أركب وتنضب تقتل ونرجس نضرب فحمل زوائد الأسماء في هذا على أحكام زوائد الأفعال دلالة على أن الزيادة في أوئل الكلم إنما بابها الفعل 2. فإن قلت: فقد نجدها3 للمعنى ومعها زائد آخر غيرها وذلك نحو ينطلق, وأنطلق وأحرنجم ويخرنطم ويقعنسس.
قيل: المزيد للمضارعة هو حرفها وحده فأما النون فمصوغة في حشو الكلمة في الماضي نحو احرنجم ولم تجتمع مع حرف المضارعة في وقت واحد, كما التقت الهمزة والياء مع النون في ألنجج ويلندد في وقت واحد.
فإن قلت: فقد تقول: رجل ألد ثم تلحق النون فيما بعد فتقول: ألندد, فقد رأيت الهمزة والنون غير مصطحبتين.
قيل: هاتان حالان متعاديتان؛ وذلك أن ألد ليس من صيغة ألندد في شيء، إنما ألد مذكر لفداء؛ كما أن أصم تذكير صماء.
وأما ألندد فهمزته مرتجلة مع النون في حال واحدة, ولا يمكنك أن تدعي أن احرنجم لما صرت إلى مضارعه فككت يده عما كان فيها من الزوائد ثم ارتجلت

له زوائد غيرها؛ ألا ترى أن المضارع مبناه على أن ينتظم جميع حروف الماضي من أصل أو زائد كبيطر ويبيطر وحوقل ويحوقل وجهور ويجهور وسلقى ويسلقي وقطع ويقطع، و"تكسر ويتكسر"1 وضارب ويضارب.
فأما أكرم يكرم فلولا ما كره من التقاء الهمزتين في أؤكرم لو جيء به على أصله للزم أن يؤتى بزيادته فيه كما جيء بالزيادة في نحو يتدحرج وينطلق.
وأما همزة انطلق فإنما حذفت في ينطلق للاستغناء عنها بل قد كانت في حال ثباتها في حكم الساقط أصلًا فهذا واضح.
ولأجل ما قلناه: من أن الحرف المفرد في أول الكلمة لا يكون للإلحاق ما حمل أصحابنا تهلل2 على أن ظهور تضعيفه إنما جاز لأنه عَلَم والأعلام تغير كثيرًا.
ومثله عندهم3 محبب لما ذكرناه.
وسألت يومًا أبا علي -رحمه الله- عن تجفاف 4: أتاؤه للإلحاق بباب قرطاس؟ فقال: نعم واحتج في ذلك بما انضاف إليها من زيادة الألف معها.
فعلى هذا يجوز أن يكون ما جاء عنهم من باب أُملود5 وأُظفور ملحقًا بباب عُسلوج6 ودُملوج7، وأن يكون إطريح8 وإسليح9 ملحقًا بباب شِنظيز10 وخنزير.
ويبعد هذا عندي لأنه يلزم منه أن

يكون باب إعصار وإسنام1 ملحقًا بباب حِدبار2 وهِلقام3 وباب إفعال لا يكون ملحقًا ألا ترى أنه في الأصل للمصدر نحو إكرام وإحسان وإجمال وإنعام وهذا مصدر فعل غير ملحق فيجب أن يكون المصدر في ذلك على سمت فعله غير مخالف له.
وكأن هذا ونحوه إنما لا يجوز أن يكون ملحقًا من قبل أن ما زيد على الزيادة الأولى في أوله إنما هو حرف لين وحرف5 اللين لا يكون للإلحاق إنما جيء به لمعنى وهو امتداد الصوت به وهذا حديث غير حديث الإلحاق ألا ترى أنك إنما تقابل بالملحق الأصل وباب المد إنما هو الزيادة أبدًا فالأمران على ما ترى في البعد غايتان.
فإن قلت على هذا: فما6 تقول في باب إزمَول7، وإدرَون8، أملحق هو أم غير ملحق وفيه -كما ترى- مع الهمزة الزائدة؟ الواو زائدة قيل: لا بل هو ملحق بباب جردحل وحنزقر 9. وذلك أن الواو التي فيه ليست مدًا لأنها مفتوح ما قبلها فشابهت الأصول بذلك فألحقت بها.
فإن قلت: فقد قال10 في طومار: إنه ملحق بقسطاس والواو كما ترى بعد الضمة أفلا تراه كيف ألحق بها مضمومًا ما قبلها.
قيل: الأمر كذلك؛ وذلك4

أن موضع المد إنما هو قبيل الطرف مجاورًا له كألف عماد وياء سعيد وواو عمود.
فأما واو طومار وياء ديماس1 فيمن قال دياميس فليستا للمد لأنهما لم تجاورا الطرف.
وعلى ذلك قال في طومار: إنه ملحق لما تقدمت الواو فيه، فلم تجاور طرفه.
فلو بنيت على هذا من "سألت " مثل طومار وديماس لقلت: سوءال وسيئال.
فإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على الحرفين قبلها ولم تحتشم ذلك2، فقلت: سوال وسيال ولم تجرهما3 مجرى واو مقروءة وياء خطيئة في إبدالك الهمزة بعدهما إلى لفظهما وادغامك إياهما فيها في نحو مقروة وخطية.
فلذلك لم يقل في تخفيف سوءال وسيئال: سُوّال ولا سِيّال.
فاعرفه.
فإن قيل: ولم لم يتمكن حال المد إلا أن يجاور الطرف قيل: إنما جيء بالمد في هذه المواضع لنعمته4 وللين الصوت به.
وذلك أن آخر الكلمة موضع الوقف, ومكان الاستراحة والأون5؛ فقدموا أمام الحرف الموقوف عليه ما يؤذن بسكونه, وما يخفض من غلواء6 الناطق واستمراره على سنن جريه7، وتتابع نطقه.
ولذلك كثرت

حروف المد قبل حرف الرويّ -كالتأسيس والردف- ليكون ذلك مؤذنًا بالوقوف ومؤديًا إلى الراحة والسكون.
وكلما جاور حرف المد الروي كان آنس به وأشد إنعامًا لمستمعه.
نعم وقد نجد1 حرف اللين في القافية عوضًا عن حرف متحرك أوزنة حرف متحرك حذف من آخر البيت في أتم أبيات ذلك البحر؛ كثالث الطويل وثاني البسيط والكامل.
فلذلك كان موضع حرف اللين إنما هو لما جاور الطرف.
فأما ألف فاعل وفاعال وفاعول ونحو ذلك فإنها وإن كانت راسخة في اللين وعريقة في المد فليس ذلك لاعتزامهم المد بها بل المد فيها -أين وقعت- شيء يرجع إليها في ذوقها وحسن النطق بها ألا تراها دخولها2 في " فاعل" لتجعل الفعل من اثنين فصاعدًا نحو ضارب وشاتم فهذا معنى غير معنى المد وحديث غير حديثه.
وقد ذكرت هذا الموضع في كتابي في شرح تصريف أبي عثمان وغيره من كتبي وما خرج من كلامي.
فإن قلت: فإذا كان الأمر كذا فهلا زيدت المدات في أواخر الكلم للمد, فإن ذلك أنأى لهن وأشد تماديًا بهن؟ قيل: يفسد ذاك من حيث كان مؤديًا إلى نقض الغرض وذلك أنهن لو تطرفن لتسلط الحذف عليهن فكان يكون ما أرادوه من زيادة الصوت بهن داعيًا إلى استهلاكه بحذفهن ألا ترى أن ما جاء في آخره الياء والواو قد حفظن3 عليه، وارتبطن له بما زيد عليهن من التاء من بعدهن وذلك كعفرية، وحدرية4، وعفارية وقراسية5، وعلانية، ورفاهية،

وبُلهنية وسُحفنية1، وكذلك عرقوة، وترقوة وقلنسوة وقمحدوة 2. فأما رباع3 وثمان وشناح4 فإنما احتمل ذلك فيه للفرق بين المذكر والمؤنث في رباعية وثمانية وشناحية.
وأيضًا فلو زادوا الواو طرفًا لوجب قلبها ياء ألا تراها لما حذفت التاء عنها في الجمع قلبوها ياء قال: أهل الرباط البيض والقلنسي5 وقال المجنون: وبيض القلنسي من رجال أطاول وقال: حتى تقُضّي6 عرقي الدُلي وأيضًا فلو زيدت هذه الحروف طرفًا للمد بها لانتقض الغرض من موضع آخر.
وذلك أن الوقف على حرف اللين ينقصه ويستهلك بعض مده ولذلك احتاجوا لهن إلى الهاء في الوقف ليبين بها حرف المد.
وذلك قولك: وازيداه7، وواغلامهموه، وواغلام غلامهيه.
وهذا شيء اعترض فقلنا فيه ولنعد.

فإن قيل زيادة على ما مضى: إذا كان موضع زيادة الفعل أوله؛ بما قدمته, وبدلالة اجتماع ثلاث زوائد فيه, نحو استفعل؛ وباب زيادة الاسم آخرًا بدلالة اجتماع ثلاث زوائد فيه؛ نحو عِنظيان1 وخِنذيان2، وخُنزوان3، وعُنفوان، فما بالهم جعلوا الميم -وهي من زوائد الأسماء- مخصوصًا بها أول المثال نحو مفعل ومفعول ومِفعال ومُفعِل وذلك الباب على طوله؟ قيل: لما جاءت لمعنى ضارعت بذلك حروف المضارعة فقدمت وجعل ذلك عوضًا من غلبة زيادة الفعل على أول الجزء كما جعل قلب الياء واوًا في التقوى والبقوى عوضًا من كثرة دخول الواو على الياء.
وعلى الجملة فالاسم أحمل للزيادة في آخره من الفعل وذلك لقوة الاسم وخفته فاحتمل سحب الزيادة من آخره.
والفعل -لضعفه وثقله- لا يتحامل بما يتحامل به الاسم من ذلك لقوته.
ويدلك على ثقل الزيادة في آخر الكلمة أنك لا تجد في ذوات الخمسة ما زيد4 فيه5 من آخره إلا الألف لخفتها وذلك قبعثرى6 وضبغطرى7 وإنما ذلك لطول ذوات الخمسة فلا ينتهي8 إلى آخرها إلا وقد ملت لطولها.
فلم يجمعوا على آخرها تماديه وتحميله الزيادة عليه.
فإنما زيادتها في حشوها؛ نحو عضرفوط9، وقرطبوس10، ويستعور11، وصهصليق12، وجعفليق13، وعندليب، وحنبريت 14. وذلك أنهم لما أرادوا ألا يخلوا ذوات الخمسة

من الزيادة كما لم يخلوا منها الأصلين اللذين قبلها حشوا بالزيادة تقديمًا لها كراهية أن ينتهي إلى آخر الكلمة على طولها ثم يتجشموا حينئذ زيادة هناك فيثقل أمرها ويتشنع1 عليهم تحملها.
فقد رأيت -بما أوردناه- غلبة المعنى للفظ وكون اللفظ خادمًا له مشيدًا2 به وأنه3 إنما جيء به له ومن أجله.
وأما غير هذه الطريق: من الحمل على المعنى وترك اللفظ كتذكير المؤنث, وتأنيث المذكر, وإضمار الفاعل لدلالة المعنى عليه وإضمار المصدر لدلالة الفعل عليه وحذف الحروف والأجزاء التوام والجمل وغير ذلك حملا عليه وتصورًا له وغير ذلك مما يطول ذكره ويمل أيسره فأمر مستقر, ومذهب مستنكر.
باب في أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها، وحملناه عليها: اعلم أن هذا موضع في تثبيته وتمكينه منفعة ظاهرة وللنفس به مسكة وعصمة؛ لأن فيه تصحيح ما ندعيه على العرب: من أنها أرادت كذا لكذا وفعلت كذا لكذا.
وهو أحزم لها وأجمل بها وأدل على الحكمة المنسوبة إليها، من4 أن تكون تكلفت ما تكلفته: من استمرارها على وتيرة واحدة وتقريها منهجًا واحدًا، تراعيه

وتلاحظه وتتحمل لذلك مشاقه وكلفه وتعتذر من تقصير إن جرى وقتًا منها في شيء منه.
وليس يجوز أن يكون ذلك كله في كل لغة لهم، و1عند كل قوم منهم حتى2 لا يختلف ولا ينتقض ولا يتهاجر على كثرتهم وسعة بلادهم وطول عهد زمان هذه اللغة لهم وتصرفها على ألسنتهم اتفاقًا3 وقع حتى لم يختلف فيه اثنان, ولا تنازعه فريقان إلا وهم له مريدون وبسياقه4 على أوضاعهم فيه معنيون؛ ألا ترى إلى اطراد رفع الفاعل ونصب المفعول والجر بحروف الجر والنصب بحروفه والجزم بحروفه وغير ذلك من حديث التثنية والجمع والإضافة والنسب والتحقير وما يطول شرحه فهل يحسن بذي لب أن يعتقد أن هذا كله اتفاق وقع, وتوارد اتجه.
فإن قلت "فما تنكر "5 أن يكون ذلك شيئًا طبعوا عليه وأجيئوا إليه من غير اعتقاد منهم لعلله6، ولا لقصد من القصود التي تنسبها إليهم في قوانينه وأغراضه بل لأن آخرًا منهم حذا على ما نهج الأول فقال به وقام الأول للثاني في كونه إمامًا له فيه مقام من هدى الأول إليه وبعثه عليه ملكًا كان أو خاطرًا؟ قيل: لن يخلو ذلك أن يكون خبرًا روسلوا به أو تيقظًا نبهوا على وجه الحكمة فيه.
فإن كان وحيًا أو ما يجري مجراه فهو أنبه له وأذهب في شرف الحال

به؛ لأن الله سبحانه إنما هداهم لذلك ووقفهم عليه لأن في طباعهم قبولًا له وانطواء على صحة الوضع فيه لأنهم مع ما قدمناه من ذكر كونهم عليه في أول الكتاب من لطف الحس وصفائه ونصاعة جوهر الفكر ونقائه لم يؤتوا هذه اللغة الشريفة المنقادة الكريمة إلا ونفوسهم قابلة لها محسة لقوة الصنعة فيها معترفة بقدر1 النعمة عليهم بما وهب لهم منها ألا ترى إلى قول أبي مهدية 2: يقولون لي شنبِذ ولست مشنبِذا ... طوال الليالي ما أقام ثبير3 ولا قائلا زوذا ليعجل صاحبي ... وبستان في صدري على كبير4 ولا تاركًا لحني لأحسن لحنهم ... ولو دار صرف الدهر حيث يدور وحدثني المتنبي شاعرنا -وما عرفته إلا صادقًا- قال: كنت عند منصرفي من مصر في جماعة من العرب وأحدهم يتحدث.
فذكر في كلامه فلاة واسعة فقال: يحير فيها الطرف قال: وآخر5 منهم يلقنه سرًا من الجماعة بينه وبينه فيقول له: يحار يحار.
أفلا ترى إلى هداية بعضهم لبعض وتنبيهه إياه على الصواب.
وقال عمار6 الكلبي -وقد عيب عليه بيت من شعره فامتعض لذلك: ماذا لقينا من المستعربين ومن ... قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا7

إن قلت قافية بكرًا يكون بها ... بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا قالوا لحنت وهذا ليس منتصبًا ... وذاك خفض وهذا ليس يرتفع وحرضوا بين عبد الله من حمق ... وبين زيد فطال الضرب والوجع كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قوم على إعرابهم طبعوا ما كل قولي مشروحًا لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا لأن أرضي أرض لا تشب بها ... نار المجوس ولا تبنى بها البيع والخبر المشهور في هذا للنابغة وقد عيب عليه قوله في الدالية المجرورة: وبذاك خبرنا الغراب الأسود فلما لم يفهمه أتى بمغنية فغنته: من آل مية رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزود ومدت الوصل وأشبعته ثم قالت: وبذاك خبرنا الغراب الأسود ومطلت واو الوصل فلما أحسه عرفه واعتذر منه وغيره -فيما يقال- إلى قوله: وبذاك تنعاب الغراب الأسود وقال دخلت يثرب وفي شعري صنعة ثم خرجت منها وأنا أشعر العرب.
كذا الرواية.
وأما أبو الحسن فكان يرى ويعتقد أن العرب لا تستنكر الإقواء.
ويقول: قلت قصيدة إلا وفيها الإقواء.
ويعتل لذلك بأن يقول: إن كل بيت منها شعر قائم برأسه.
وهذا الاعتلال منه يضعف ويقبح التضمين في الشعر.
وأنشدنا أبو عبد الله الشجري يومًا لنفسه شعرًا مرفوعًا وهو قوله: نظرت بسنجار كنظرة ذي هوى ... رأى وطنًا فانهل بالماء غالبه

لأونس من أبناء سعد ظعائنا ... يزن الذي من نحوهن مناسبه1 يقول فيها يصف البعير: فقامت إليه خدلة الساق أعلقت ... به منه مسموما دوينة حاجبه2 فقلت: يا أبا عبد الله: أتقول " دوينة حاجبه " مع قولك "مناسبه " و "أشانبه "! فلم يفهم ما أردت فقال: فكيف3 أصنع؟ أليس ههنا تضع الجرير4 على القِرمة5، على الجِرفة6؟ وأمأ إلى أنفه فقلت: صدقت غير أنك قلت "أشانبه " و "غالبه " فلم يفهم وأعاد اعتذاره الأول.
فلما طال هذا قلت له: أيحسن أن يقول الشاعر 7: آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاوٍ يُمَل منه الثواء ومطلت الصوت ومكنته ثم يقول مع ذلك: ملك المنذر بن ماء السمائي8

فأحس حينئذ وقال: أهذا! أين هذا من ذاك! إن هذا طويل وذاك قصير.
فاستروح إلى قصر الحركة في "حاجبه " وأنها أقل من الحرف في "أسماء " و"السماء ". وسألته يومًا فقلت له: كيف تجمع "دكانًا "؟ فقال: دكاكين قلت: فسرحانًا؟ قال: سراحين قلت: فقرطانًا1؟ قال: قراطين قلت: فعثمان قال: عثمانون.
فقلت له: هلا قلت أيضًا عثامين قال: أيش عثامين! أرأيت إنسانًا يتكلم بما ليس من لغته والله لا أقولها أبدًا 2. والمروي عنهم في شغفهم3 بلغتهم وتعظيمهم لها واعتقادهم أجمل الجميل فيها أكثر من أن يورد أو جزء من أجزاء كثيرة منه.
فإن قلت: فإن العجم أيضًا بلغتهم مشغوفون ولها مؤثرون ولأن يدخلها شيء من العربي كارهون ألا ترى أنهم إذا أورد الشاعر منهم شعرًا فيه ألفاظ من العربي عيب به4، وطعن لأجل ذلك عليه.
فقد تساوت حال اللغتين في ذلك.
فأية فضيلة للعربية على العجمية؟ قيل: لو أحست العجم بلطف صناعة العرب في هذه اللغة وما فيها من الغموض والرقة والدقة لاعتذرت من اعترافها بلغتها فضلا عن التقديم لها والتنويه منها.
فإن قيل: لا, بل لو عرفت العرب مذاهب العجم في حسن لغتها, وسداد تصرفها وعذوبة طرائقها لم تبء5 بلغتها ولا رفعت من رءوسها باستحسانها وتقديمها.

قيل: قد اعتبرنا ما تقوله فوجدنا الأمر فيه بضده.
وذلك أنا نسأل علماء العربية مما أصله عجمي وقد تدرب بلغته قبل استعرابه عن حال اللغتين فلا يجمع بينهما بل لا يكاد يقبل السؤال عن ذلك لبعده في نفسه وتقدم لطف العربية في رأيه وحسه.
سألت غير مرة أبا علي -رضي الله عنه- عن ذلك فكان جوابه عنه نحوًا مما حكيته.
فإن قلت: ما تنكر أن يكون ذلك لأنه كان عالمًا بالعربية ولم يكن عالمًا باللغة العجمية ولعله لو كان عالمًا بها لأجاب بغير ما أجاب به.
قيل: نحن قد قطعنا بيقين وأنت إنما عارضت بشك ولعل هذا ليس قطعًا كقطعنا, ولا يقينًا كيقيننا.
وأيضًا فإن العجم العلماء بلغة العرب وإن لم يكونوا علماء بلغة العجم فإن قواهم في العربية تؤيد معرفتهم بالعجمية وتؤنسهم بها وتزيد في تنبيههم على أحوالها لاشتراك العلوم اللغوية واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها.
ولم نر أحدًا من أشياخنا فيها1 -كأبي حاتم2، وبندار3، وأبي علي, وفلان وفلان- يسوون بينهما ولا يقربون بين حاليهما.
وكأن هذا موضع ليس للخلاف فيه مجال لوضوحه عند الكافة.
وإنما أوردنا منه هذا القدر احتياطًا به واستظهارًا على مورد له عسى أن يورده.
فإن قلت: زعمت أن العرب تجتمع على لغتها فلا تختلف فيها وقد نراها ظاهرة الخلاف ألا ترى إلى الخلاف في "ما " الحجازية، والتميمية وإلى الحكاية في الاستفهام

عن الأعلام1 في الحجازية وترك ذلك في التميمية إلى غير ذلك قيل: هذا القدر من2 الخلاف لقلته ونزارته محتقر غير محتفل به ولا معيج3 عليه وإنما هو في شيء من الفروع يسير.
فأما الأصول وما عليه العامة والجمهور فلا خلاف فيه ولا مذهب للطاعن به.
وأيضًا فإن أهل كل واحدة من اللغتين عدد كثير وخلق "من الله "4 عظيم وكل واحد منهم محافظ على لغته لا يخالف شيئًا منها ولا يوجد عنده تعاد فيها.
فهل ذلك إلا لأنهم يحتاطون ويقتاسون ولا يفرطون ولا يخلطون.
ومع هذا فليس شيء مما يختلفون فيه -على قلته وخفته- إلا له من القياس وجه يؤخذ به.
ولو كانت هذه اللغة حشوًا4 مكيلا، وحثوًا5 مهيلا لكثر خلافها وتعادت أوصافها: فجاء عنهم جر الفاعل ورفع المضاف إليه والمفعول به والجزم بحروف النصب والنصب بحروف الجزم بل جاء عنهم الكلام سدى غير محصل وغفلا من الإعراب ولاستغنى بإرساله وإهماله عن إقامة إعرابه والكلف الظاهرة بالمحاماة على طرد أحكامه.
هذا كله وما أكني عنه من مثله -تحاميًا للإطالة به- إن كانت هذه اللغة شيئًا خوطبوا به6، وأخذوا باستعماله.
وإن كانت شيئًا اصطلحوا عليه، وترافدوا7

بخواطرهم ومواد حكمهم على عمله وترتيبه وقسمة أنحائه وتقديمهم أصوله وإتباعهم إياها فروعه -وكذا ينبغي أن يعتقد ذلك منهم لما نذكره آنفًا- فهو مفخر لهم ومعلم من معالم السداد دل على فضيلتهم.
والذي يدل على أنهم قد أحسوا ما أحسسنا، وأرادوا "وقصدوا"1 ما نسبنا إليهم إرادته وقصده شيئان: أحدهما حاضر معنا والآخر غائب عنا إلا أنه مع أدنى تأمل في حكم الحاضر معنا.
فالغائب ما كانت الجماعة من علمائنا تشاهده من احوال العرب "ووجوهها"2، وتضطر إلى معرفته من أغراضها وقصودها: من استخفافها شيئًا أو استثقاله وتقبله أو إنكاره والأنس به أو الاستيحاش منه والرضا به أو التعجب من قائله وغير ذلك من الأحوال الشاهدة بالقصود بل الحالفة على ما في النفوس ألا ترى إلى قوله 3: تقول وصكت وجهها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس 4 فلو قال حاكيًا عنها: أبعلي هذا بالرحى المتقاعس -من غير أن يذكر صك الوجه- لأعلمنا بذلك أنها كانت متعجبة منكرة لكنه لما حكى الحال فقال: "وصكت وجهها " علم بذلك قوة إنكارها وتعاظم الصورة لها.
هذا مع أنك سامع لحكاية الحال غير مشاهد لها ولو شاهدتها لكنت بها أعرف ولعظم الحال في نفس تلك

المرأة أبين, وقد قيل "ليس المخبر كالمعاين "1 ولو لم ينقل إلينا هذا الشاعر حال هذه المرأة بقوله: وصكت وجهها لم نعرف به حقيقة تعاظم الأمر لها.
وليست كل حكاية تروى لنا ولا كل خبر ينقل إلينا يشفع به شرح الأحوال التابعة له, المقترنة -كانت- به.
نعم ولو نقلت إلينا لم نفد بسماعها ما كنا نفيده لو حضرناها.
وكذلك قول الآخر: قلنا لها قفي لنا قالت قاف2 لو نقل إلينا هذا الشاعر شيئًا آخر من جملة الحال فقال مع قوله "قالت قاف ": "وأمسكت بزمام بعيرها" أو " وعاجته علينا" لكان أبين لما كانوا عليه وأدل على أنها أرادت: وقفت أو توقفت دون أن يظن أنها أرادت: قفي لنا! أي يقول لي: قفي لنا! متعجبة منه.
وهو إذا شاهدها وقد وقفت علم3 أن قولها "قاف" إجابة له لا رد لقوله وتعجب منه في قوله "قفي لنا ". وبعد فالحمالون والحماميون والساسة4، والوقادون ومن يليهم ويعتد منهم يستوضحون من مشاهدة الأحوال ما لا يحصله أبو عمرو من شعر الفرزدق إذا أخبر به عنه ولم يحضره ينشده.
أولا تعلم أن الإنسان إذا عناه أمر فأراد أن يخاطب به صاحبه وينعم تصويره له في نفسه استعطفه ليقبل عليه فيقول له:

يا فلان أين أنت أرني وجهك أقبل علي أحدثك أما أنت حاضر يا هناه.
فإذا أقبل عليه وأصغى إليه اندفع يحدثه أو يأمره أو ينهاه أو نحو ذلك.
فلو كان استماع الأذن مغنيًا عن مقابلة العين مجزئًا عنه لما تكلف القائل ولا كلف1 صاحبه الإقبال عليه والإصغاء إليه.
وعلى ذلك قال: العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من العداوة أو ود إذا كانا2 وقال الهذلي 3: رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم4 أفلا ترى إلى اعتباره بمشاهدة الوجوه وجعلها دليلا على ما في النفوس.
وعلى ذلك قالوا: "رب إشارة أبلغ من عبارة " وحكاية5 الكتاب من هذا الحديث, وهي قوله: "ألا تا " و"بلى فا ". وقال لي بعض مشايخنا رحمه الله: أنا لا أحسن أن أكلم إنسانًا في الظلمة.

ولهذا الموضع نفسه ما توقف1 أبو بكر عن كثير مما أسرع إليه أبو إسحاق من ارتكاب طريق الاشتقاق واحتج أبو بكر عليه بأنه لا يؤمن أن تكون هذه الألفاظ المنقولة إلينا قد كانت لها أسباب لم نشاهدها ولم ندر ما حديثها ومثل له بقولهم " رفع عقيرته " إذا رفع صوته.
قال له أبو بكر: فلو ذهبنا نشتق لقولهم "ع ق ر " من معنى الصوت لبعد الأمر جدًا وإنما هو أن رجلًا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى ثم نادى وصرخ بأعلى صوته فقال الناس: رفع عقيرته أي رجله المعقورة.
قال أبو بكر: فقال أبو إسحاق: لست أدفع هذا.
ولذلك قال سيبويه في نحو من هذا: أو لأن الأول وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر يعني ما نحن عليه من مشاهدة الأحوال والأوائل.
فليت شعري إذا شاهد أبو عمرو وابن أبي إسحاق ويونس, وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه وأبو الحسن وأبو زيد وخلف الأحمر والأصمعي, ومن في الطبقة والوقت من علماء البلدين وجوه العرب فيما تتعاطاه2 من كلامها وتقصد له من أغراضها ألا تستفيد3 بتلك المشاهدة وذلك الحضور ما لا تؤديه الحكايات ولا تضبطه الروايات فتضطر إلى قصود العرب وغوامض ما في أنفسها حتى لو حلف منهم حالف على غرض دلته عليه إشارة لا عبارة لكان عند نفسه وعند جميع من يحضر حاله صادقًا فيه غير متهم الرأي والنحيزة والعقل.
فهذا حديث ما غاب عنا فلم ينقل إلينا وكأنه حاضر معنا، مناج4 لنا.

وأما ما روي لنا فكثير.
منه ما حكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها.
فقلت له: أتقول جاءته كتابي! قال: نعم أليس بصحيفة.
أفتراك تريد من أبي عمرو وطبقته وقد نظروا وتدربوا وقاسوا وتصرفوا أن يسمعوا أعرابيًّا جافيًا غفلا يعلل هذا الموضع بهذه العلة ويحتج لتأنيث المذكر بما ذكره فلا " يهتاجواهم "1 لمثله, ولا يسلكوا فيه طريقته فيقولوا: فعلوا كذا لكذا وصنعوا كذا لكذا وقد شرع لهم العربي ذلك ووقفهم على سمته وأمه.
وحدثنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس أنه قال: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقرأ ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ فقلت له ما تريد؟ قال: أردت: سابقٌ النهار.
فقلت له: فهلا قلته فقال: لو قلته لكان أوزن 2. ففي هذه الحكاية لنا ثلاثة أغراض مستنبطة منها: أحدها تصحيح قولنا: إن أصل كذا كذا والآخر قولنا: إنها فعلت3 كذا لكذا ألا تراه إنما طلب الخفة يدل عليه قوله: لكان أوزن: أي أثقل في النفس وأقوى من قولهم: هذا درهم وازن: أي ثقيل له وزن.
والثالث أنها قد تنطق بالشيء غيره في أنفسها4 أقوى منه لإيثارها التخفيف.
وقال سيبويه5 حدثنا من نثق به أن بعض العرب قيل له أما بمكان كذا وكذا وجذ6؟ فقال: بلى وِجاذًا أي أعرف7 بها وِجاذًا، وقال أيضًا: وسمعنا8 بعضهم

يدعو على غنم رجل فقال: اللهم ضبعًا وذئبًا فقلنا 1 له: ما أردت؟ فقال: أردت: اللهم اجمع فيها ضبعًا وذئبًا كلهم يفسر ما ينوي.
فهذا تصريح منهم بما ندعيه عليهم وننسبه إليهم.
وسألت الشجري2 يومًا فقلت: يا أبا عبد الله كيف تقول ضربت أخاك؟ فقال: كذاك.
فقلت: أفتقول: ضربت أخوك فقال: لا أقول: أخوك أبدًا.
قلت: فكيف تقول ضربني أخوك فقال: كذاك.
فقلت: ألست زعمت أنك لا تقول: أخوك أبدًا؟ فقال أيش ذا! اختلفت جهتا الكلام.
فهل هذا في معناه إلا كقولنا نحن: صار المفعول فاعلا وإن لم يكن بهذا اللفظ البتة, فإنه هو لا محالة.
ومن ذلك ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قومًا من العرب أتوه فقال لهم: "من أنتم" , فقالوا: نحن بنو غيان3، فقال: "بل أنتم بنو رشدان" 4. فهل هذا إلا كقول أهل الصناعة: إن الألف والنون زائدتان وإن كان -عليه السلام- لم يتفوه بذلك غير أن اشتقاقه إياه من الغي بمنزلة قولنا نحن: إن الألف

والنون فيه زائدتان.
وهذا واضح.
وكذلك قولهم 1: إنما سميت هانئًا لتهنأ قد عرفنا منه أنهم كأنهم قد قالوا: إن الألف في هانيء زائدة وكذلك قولهم: فجاء2 يدرم من تحتها -أي يقارب خطاه, لثقل الخريطة بما فيها, فسمى دارمًا- قد أفادنا اعتقادهم زيادة الألف في دارم عندهم.
باب في الحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره اعلم أن المذهب هو هذا الذي ذكرناه والعمل عليه والوصية به.
فإذا شاهدت ظاهرًا يكون مثله أصلا أمضيت الحكم على ما شاهدته من حاله, وإن أمكن أن تكون الحال في باطنه بخلافه؛ ألا ترى أن سيبويه حمل3 سيدًا على أنه مما عينه ياء فقال في تحقيره: سييد4، كديك ودييك وفيل وفييل.
وذلك أن عين الفعل5 لا ينكر أن تكون ياء وقد وجدت في سيد ياء فهي في6 ظاهر أمرها إلى أن يرد ما يستنزل عن بادي حالها.

فإن قلت: فإنا لا نعرف في الكلام تركيب "س ي د " فهلا لما لم يجد1 ذلك، حمل الكلمة على ما في الكلام مثله وهو ما عينه من هذا اللفظ واو, وهو السواد، والسودد2, ونحو ذلك؟ قيل: هذا يدلك على قوة الظاهر عندهم وأنه إذا كان مما تحتمله القسمة, وتنتظمه القضية, حكم به وصار أصلًا على بابه.
وليس يلزم إذا قاد الظاهر إلى إثبات حكم تقبله الأصول ولا تستنكره ألا3 يحكم به حتى يوجد له نظير.
وذلك أن النظير -لعمري- مما يؤنس به فأما ألا تثبت الأحكام إلا به فلا ألا ترى أنه4 قد أثبت في الكلام فعُلت تفعَل وهو كدت5 تكاد وإن لم يوجدنا6 غيره وأثبت بإنقحل7 باب "إنفعل " وإن لم يحك هو غيره وأثبت بسخاخين8 "فُعاعِيلا" وإن لم يأت بغيره.
فإن قلت: فإن "سيدًا " مما يمكن أن يكون من باب ريح وديمة فهلا توقف9 عن الحكم بكون عينه ياء لأنه لا يأمن أن تكون واوًا قيل: هذا الذي تقوله إنما تدعي فيه ألا10 يؤمن أن يكون من الواو وأما الظاهر فهو ما تراه.
ولسنا ندع حاضرًا له وجه من القياس لغائب مجوز ليس عليه دليل.
فإن قيل: كثرة عين الفعل واوًا تقود11 إلى الحكم بذاك قيل: إنما يحكم بذاك مع عدم الظاهر فأما والظاهر معك فلا معدل عنه بك.
لكن -لعمري-

إن لم يكن معك ظاهرًا احتجت إلى التعديل والحكم بالأليق, والحمل على الأكثر.
وذلك إذا كانت العين ألفًا مجهولة فحينئذ ما تحتاج إلى تعديل الأمر فتحمل على الأكثر.
فلذلك قال1 في ألف "آءة": إنها بدل من واو.
وكذلك ينبغي أن تكون ألف "الراء " لضرب من النبت وكذلك ألف " الصاب " لضرب من الشجر.
فأما ألا2 يجيء من ذلك اللفظ نظير فتعلل بغير نافع ولا مجد؛ ألا ترى أنك تجد من الأصول ما لم يتجاوز3 به موضع واحد كثيرًا.
من ذلك في الثلاثي حوشب4، وكوكب، ودودري5، وأبنبم6.
فهذه ونحوها لا تفارق موضعًا واحدًا ومع ذلك فالزوائد فيها لا تفارقها.
وعلى نحو مما جئنا به في "سيد " حمل سيبويه عيَّنًا7، فأثبت به8 "فيعلا " مما عينه ياء وقد كان يمكن أن يكون "فوعلا " و "فعولا " من لفظ العين ومعناها ولو حكم بأحد هذين المثالين لحمل على مألوف غير منكور "ألا ترى أن فوعلا وفعولا"9

لا مانع لكل واحد منهما أن يكون في المعتل كما يكون في الصحيح، وأما "فيعل " -بفتح العين- مما عينه معتلة فعزيز ثم لم يمنعه عزه ذلك أن حكم به على "عين " وعدل عن أن يحمله على أحد المثالين اللذين كل واحد منهما لا مانع له من كونه في المعتل العين كونه في الصحيحها 1. وهذا أيضًا مما يبصرك بقوة الأخذ بالظاهر عندهم وأنه مكين القدم راسيها في أنفسهم.
وكذلك يوجب القياس فيما جاء من الممدود2 لا يعرف له تصرف ولا مانع من الحكم بجعل همزته أصلًا فينبغي حينئذ أن يعتقد فيها أنها أصلية.
وكذلك همزة "قساء "3 فالقياس يقتضي اعتقاد كونها أصلًا اللهم إلا أن يكون "قساء " هو " قسى"4 في قوله 5: بجو من قسى ذفر الخزامى ... تداعى الجربياء به الحنينا6

جارٍ التحميل