الخصائصباب في الحكم يقف بين الحكمين

باب في الحكم يقف بين الحكمين

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

هذا فصل موجود في العربية لفظًا, وقد أعطته مقادًا عليه وقياسًا.
وذلك نحو كسرة ما قبل ياء المتكلم في نحو3: غلامي وصاحبي.
فهذه الحركة لا إعراب ولا بناء.
أمّا كونها غير إعراب فلأنَّ الاسم يكون مرفوعًا ومنصوبًا وهي فيه, نحو: هذا غلامي, ورأيت صاحبي, وليس بين "الكسر وبين"4 الرفع والنصب5 في هذا ونحوه نسبة ولا مقاربة.
وأما كونها غير بناء فلأنَّ الكلمة معربة متمكنة, فليست الحركة إذن6 في آخرها7 ببناء, ألا ترى أن غلامي في التمكّن واستحقاق الإعراب كغلامك وغلامهم وغلامنا.

فإن قلت: فما الكسرة في نحو: مررت بغلامي, ونظرت إلى صاحبي, أإعراب هي أم من جنس الكسرة في الرفع والنصب؟ قيل: بل هي من جنس ما قبلها وليست إعرابًا, ألا تراها ثابتة في الرفع والنصب.
فعلمت بذلك أن هذه الكسرة يكره الحرف عليها, فيكون في الحالات ملازمًا لها, وإنما يستدل بالمعلوم على المجهول.
فكما لا يشك أن هذه الكسرة في الرفع والنصب ليست بإعراب, فكذلك يجب أن يحكم عليها في باب الجر؛ إذ الاسم واحد, فالحكم عليه إذًا في الحالات واحد.
إلّا أنَّ لفظ هذه الحركة في حال الجر وإن لم تكن إعرابًا لفظها1 لو كانت إعرابًا, كما أن كسرة الصاد في صِنْو غير كسرة الصاد في صِنْوان حكمًا وإن كانت إياها لفظًا2.
وقد مضى ذلك وسنفرد لما يتصل به بابًا.
ومن ذلك ما كانت فيه اللام أو الإضافة نحو: الرجل وغلامك وصاحب الرجل.
فهذه الأسماء كلها وما كان نحوها لا منصرفة3 ولا غير منصرفة.
وذلك أنها ليست بمنونة, فتكون منصرفة, ولا مِمَّا يجوز للتنوين4 حلوله للصرف, فإذا لم يوجد فيه كان عدمه منه أمارةً لكونه غير منصرف؛ كأحمد وعمر وإبراهيم, ونحو

ذلك.
وكذلك التثنية والجمع على حدها, نحو: الزيدان والعمرين والمحمدون, وليس شيء من ذلك منصرفًا1 ولا غير منصرف, معرفة كان2 أو نكرة؛ من حيث كانت هذه الأسماء ليس مما ينون مثلها, فإذا لم يوجد فيها التنوين كان ذهابه عنها أمارة لترك صرفها.
ومن ذلك بيت الكتاب: له زجل كأنه صوت حاد3 فحذف الواو من قوله4 "كأنه" لا على حد الوقف ولا على حد الوصل.
أما الوقف فيقضي بالسكون: "كأنْه", وأما الوصل فيقضي بالمَطْل وتمكين الواو "كأنهو", فقوله إذًا "كأنهُ"5 منزلة بين الوصل والوقف.
وكذلك أيضًا سواءً قوله: يا مرحباه بحمار ناجيه ... إذا أتى قربته للسانيه6

فثبات الهاء في "مرحباه" ليس على حد الوقف ولا على حد الوصل , أما الوقف فيؤذن بأنها1 ساكنة: يا مرحباهْ, وأما الوصل فيؤذن بحذفها أصلًا: يا مرحبا بحمار ناجية.
فثباتها إذًا في الوصل متحركة منزلة بين المنزلتين.
وكذلك سواء قوله 2: ببازلٍ وجناءَ أو عَيْهلِّ2 فإثبات الياء مع التضعيف طريف, وذلك أن التثقيل من أمارة الوقف, والياء من أمارة الإطلاق.
فظاهر هذا الجمع بين الضدين فهو إذًا منزلة بين المنزلتين, وسبب جواز الجمع بينهما أن كل واحد منهما قد كان جائزًا على انفراده, فإذا جمع بينهما فإنه على كل حال لم يكلف إلّا بما من عادته أن يأتي به مفردًا، وليس على4 النظر بحقيقة الضدين كالسواد والبياض, والحركة والسكون, فيستحيل اجتماعهما.
فتضادهما إذًا إنما هو في الصناعة لا في الطبيعة.
والطريق متلئّبة منقادة, والتأمل يوضحها ويمكنك منها.3

جارٍ التحميل