باب في التفسير على المعنى دون اللفظ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
اعلم أن هذا موضع قد أتعب كثيرًا من الناس واستهواهم، ودعاهم من سوء الرأي وفساد الاعتقاد إلى ما مذلوا به وتتابعوا1 فيه؛ حتى إن أكثر2 ما ترى3 من هذه الآراء المختلفة، والأقوال المستشنعة4، إنما دعا إليها القائلين بها تعلقهم بظواهر هذه الأماكن، دون أن يبحثوا عن سر معانيها، ومعاقد5 أغراضها.
فمن ذلك قول سيبويه في بعض ألفاظه: حتى الناصبة6 للفعل، يعني7 في8 نحو قولنا: اتق الله حتى يدخلك الجنة.
فإذا سمع هذا من يضعف9 نظره اعتدها في جملة
الحروف الناصبة للفعل، وإنما النصب بعدها بأن مضمرة.
وإنما جاز أن يتسمح بذلك من حيث كان الفعل بعدها منصوبا بحرف لا يذكر معها؛ فصارت1 في اللفظ كالخلف له، والعوض منه، وإنما هي في الحقيقة جارة لا ناصبة.
ومنه قوله أيضًا في قول الشاعر:
أنا اقتسمنا خطيتنا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجار2
إن فجار معدولة عن الفجرة.
وإنما غرضه أنها معدولة عن فجرة "معرفة علما"3 على ذا يدل هذا الموضع من الكتاب.
ويقويه ورود برة معه في البيت وهي -كما ترى- علم.
لكنه فسره4 على المعنى دون اللفظ.
وسوغه ذلك أنه لما أراد تعريف الكلمة المعدول5 عنها مثل ذلك "بما6 تعرف" باللام؛ لأنه لفظ معتاد، وترك لفظ فجرة، لأنه لا يعتاد ذلك علما، وإنما يعتاد نكرة وجنسا7 نحو فجرت فجرة كقولك8: تجرت تجرة؛ ولو عدلت برة هذه على هذا الحد لوجب أن يقال9 فيها10: برار كفجار.
ومنه قولهم: أهلك والليل، فإذا فسروه11 قالوا: أراد12: الحق أهلك قبل الليل.
وهذا -لعمري- تفسير المعنى لا تقدير الإعراب؛ فإنه على: الحق أهلك وسابق الليل.
ومنه ما حكاه الفراء من قولهم: معي عشرة فاحدهن1، أي اجعلهن أحد عشر.
وهذا تفسير المعنى، أي أتبعهن ما يليهن وهو2 من حدوث الشيء إذا جئت بعده.
وأما اللفظ فإنه من "وح د"؛ لأن أصل أحد وحد؛ ألا ترى إلى قول النابغة:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد3
أي منفرد، وكذلك الواحد إنما هو منفرد.
وقلب هذه الواو المفتوحة المنفردة4 شاذ ومذكور في التصريف.
وقال لي5 أبو علي -رحمه الله- بحلب سنة ست وأربعين: إن الهمزة في قولهم: ما بها أحد ونحو ذلك مما أحد فيه للعموم ليست بدلا من واو؛ بل هي أصل في موضعها.
قال: وذلك أنه6 ليس من معنى7 أحد في قولنا8: أحد عشر، وأحد وعشرون.
قال: لأن الغرض في9 هذه الانفراد، والذي هو نصف الاثنين، قال: وأما أحد في نحو قولنا: ما بها أحد وديار، فإنما10 هي للإحاطة11 والعموم.
"والمعنيان"12 -كما ترى- مختلفان.
وهكذا قال؛ وهو الظاهر.
ومنه قول المفسرين في قول الله تعالى: ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ 1 أي مع الله ليس أن "إلى" في اللغة بمعنى مع، ألا تراك لا تقول: سرت إلى زيد، وأنت تريد: سرت2 مع زيد، هذا لا يعرف في كلامهم.
وإنما جاز هذا التفسير في هذا الموضع؛ لأن النبي إذا كان له أنصار فقد3 انضموا في نصرته إلى الله، فكأنه قال: من أنصاري منضمين إلى الله، كما تقول: زيد إلى خير، وإلى دعة وستر، أي آوٍ إلى هذه الأشياء ومنضم إليها.
فإذا انضم إلى الله فهو معه لا محالة.
فعلى هذا فسر المفسرون هذا الموضع.
ومن ذلك قول الله -عز وجل: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ 4 قالوا معناه: قد امتلأت، وهذا أيضًا تفسير على المعنى دون اللفظ، و"هل" مبقاة على استفهامها.
وذلك كقولك للرجل لا تشك5 في ضعفه عن الأمر: هل ضعفت عنه، وللإنسان "يحب6 الحياة" هل تحب7 الحياة، أي فكما8 تحبها فليكن حفظك نفسك لها، وكما ضعفت عن هذا الأمر فلا تتعرض لمثله مما تضعف عنه.
وكأن الاستفهام إنما9 دخل هذا الموضع ليتبع10 الجواب عنه بأن يقال: نعم "فإن كان كذلك"11 فيحتج عليه باعترافه به12، فيجعل13 ذلك طريقا إلى وعظه أو تبكيته.
ولو لم يعترف في ظاهر الأمر به لم يقو توقيفه1 عليه، وتحذيرة من مثله، قوته إذا اعترف به؛ لأن الاحتجاج على المعترف أقوى منه على المنكر أو المتوقف؛ فكذلك قوله سبحانه: هل امتلأت، فكأنها قالت: لا، فقيل لها: بالغي2 في إحراق المنكر "كان3 لك" فيكون هذا خطابا في اللفظ لجهنم، وفي المعنى للكفار.
"وكذلك"4 جواب هذا من قولها: هل من مزيد، أي أتعلم يا ربنا أن عندي مزيدا؟.
فجواب هذا منه -عز اسمه- لا5، أي فكما تعلم أن لامزيد فحسبي ما عندي.
فعليه قالوا في تفسيره: قد امتلأت، فتقول6: ما من مزيد.
فاعرف هذا ونحوه.
وبالله التوفيق.