باب في التطوع بما لا يلزم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
هذا أمر قد جاء في الشعر القديم والمولّد جميعًا مجيئًا واسعًا.
وهو أن يلتزم الشاعر ما لا يجب عليه ليدل بذلك على غُزره1 وسعة ما عنده.
فمن ذلك ما أنشده الأصمعي لبعض الرجاز:
وحسدٍ أوشلت من حظاظها ... على أحاسي الغيظ واكتظاظها2
حتى ترى الجوّاظ من فظاظها ... مدلوليًّا بعد شدا أفظاظها3
وخُطَّةٍ لا روح كظاظها ... أنشطت عني عروتي شظاظها4
بعد احتكاء أربتي أشظاظها ... بعزمة جلت غشا إلظاظها5
بجك كرش الناب لافتظاظها6
فالتزم في جميعها ما تراه من الظاء الأولى مع كون الرويّ ظاء, على عزة ذلك مفردًا من الظاء الأول, فكيف به إذا انضمَّ إليه ظاء قبله1.
وقلَّما رأيت في قوة الشاعر مثل هذا.
وأنشد الأصمعي أيضًا من مشطور السريع رائية طويلة التزم قائلها2 تصغير قوافيها في أكثر الأمر, إلا القليل النزر, وأولها:
عزَّ على ليلى بذي سدَير ... سوء مبيتي ليلة الغُمير3
مقبضًا نفسي في طمير ... تجمع القنفذ في الحجير4
تنتهض الرعدة في ظهيري ... يهفو إلى الزور من صديري5
مثل هرير الهرّ للهرير ... ظمآن في ريح وفي مطير
وأرز قرّ ليس بالقرير ... من لدما ظهر إلى سحير6
حتى بدت لي جبهة القمير ... لأربع غبرن من شهير7
ثم غدوت غرضًا من فوري ... وقطقط البلة في شعيري1 يقذفني مور إلى ذي مور ... حتى إذا ورَّكت من أيبري2 سواد ضيفيه إلى القصير ... رأت شحوبي وبذاذ شوري3 وجردبت في سمل عفير ... راهبة تكنَّى بأم الخير4 جافية معوى ملاث الكور ... تتحزم فوق الثوب بالزنير5
تقسم أستيّا لها بنير ... وتضرب الناقوس وسط الدير1 قبل الدجاج وزقاء الطير ... قالت ترثِّي لي ويح غيري إني أراك هاربًا من جور ... من هذه السلطان قلت جير2 ما زلت في منكظة وسير ... لصبية أغيرهم بغير3 كلهم أمعط كالنغير ... وأرملاتٍ ينتظرن ميري4 قالت ألا أبشر بكل خير ... ودهنت وسرحت ضفيري5 وأدمت خبزي من صبير ... من صير مصرين أو البحير6 وبزييت نمس مرير ... وعدس قشّر من قشير7
وقبصات من فغى تمير ... وأتأرتني نظرة الشفير1 وجعلت تقذف بالحجير ... شطري وما شطري وما شطيري حتى إذا ما استنتفدت خبيري ... قامت إلى جنبي تمسّ أيري2 فزفَّ رألى واستطير طيري ... وقلت: حاجاتك عند غيري3 حُقِّرت ألا يوم قُدَّ سيري ... إذ أنا مثل الفلتان العير4 حمسًا ولا إضت كالنسير ... وحين أقعيت على قبيري5 أنتظر المحتوم من قديري ... كلا ومن منفعتي وخيري6 بكفه ومبدئي وحوري7 أفلا ترى إلى قلة غير المصغّر في قوافيها, وهذا أفخر ما فيها، وأدله على قوة قائلها، وأنه إنما لزم التصغير في أكثرها سباطة وطبعًا، لا تكلفًا وكرهًا؛ ألا ترى أنه
لو كان ذلك منه تجشمًا وصنعة لتحامي غير المصغَّر ليتمَّ له غرضه، ولا ينتقض عليه ما اعتزمه.
وكذلك ما أنشده الأصمعي من قول الآخر:
قالوا ارتحل فاخطب فقلت هلَّا ... إذ أنا روقاي معًا ما انفلاَ1
وإذ أؤل المشي ألْا ألَّا ... وإذ أنا أرى ثوب الصبا رفلاَ2
علي أحوي نديًّا مخضلّا ... حتى إذا ثوب الشباب ولَّى
وانضمَّ بدن الشيخ واسمألَّا ... وانشنج العلباء فاقفعلّا3
مثل نضي السقم حين بلّا ... وحرّ صدر الشيخ حتى صلّا4
على حبيب بان إذ تولَّى ... غادر شغلًا شاغلًا وولَّى5
قلت تعلق فيلقًا هوجلّا ... عجاجة هجاجة6 تألَّى
لأصبحنّ الأحقر الأذلَّا ... وأن أعلَّ الرغم علَّا علَّا1 فإن أقل يا ظبي حلَّا حلَّا ... تقلق وتعقد حبلها المنحلّا2 وحملقت حوليّ حتى احولَّا ... مأقان كرهان لها واقبلّا3 إذا أتت جارتها تفلَّى ... تريك أشغى قلحًا أفلّا4 مركَّبًا راو وله مثعلّا ... كأن كلبًا لثقًا مبتلّا5 وغلفة معطونة وجلّا ... أنداه يوم ماطر فطلّا6 وعلهبا من التيوس علّا ... يغل تحت الردن منها غلّا7 منتوفة الوجه كأن ملاّ ... يمل وجه العرس فيه ملاّ8 كأن صابًا آل حتى امطلّا ... تسفه وشبرما وخلّا9 إن حلَّ يومًا رحله محلّا ... حَمْوٌ لها أزجت إليه صِلّا10
وعقربًا تمتلّ ملًّا ملَّا ... ذاك وإن ذو رحمها استقلّا1 من عثرة ماتت جوى وسلّا ... أو كثر الشيء له أو قلّا قالت لقد أثرى فلا تملَّى ... وإن تقل يا ليته استبلّا من مرض أحرضه وبلّا ... تقل لأنفيه ولا تعلَّى2 تسر إن يلق البلاد فلّا ... مجروزة نفاسة وغلّا3 وإن وصلت الأقرب الأخلّا ... جنت جنونًا واستخفت4 قلّا وأجللت من ناقع أفكلّا ... إذا ظبي الكنسات انغلّا5 تحت الإران سلبته الظلّا ... وإن رأت صوت السباب علَّى6 سحابة ترعد أو قسطلّا ... أجت إليه عنقًا مثلّا7 أج الظلم رعته فانشلّا ... ترى لها رأسا وأي قندلّا8
لو تنطح الكنادر العتلّا ... للكندر الزوازي الصملّا1 الصتم والشنظيرة المتلّا ... فمضت شئون رأسه وأفتلّا2 تقول لأبنيها إذا ما سلّا ... سليلة من سرق أو غلّا3 أو فجعا جيرتها فشلّا ... وسيقة فكرّشا وملّا4 أحسنتما الصنع فلا تشلّا ... لا تعدما أخرى ولا تكلّا5 يا ربِّ ربَّ الحج إذ أهلّا ... محرمه ملبيًا وصلَّى وحلّ حَبْلَى رحله إذ حلّا ... بالله قد أنضى وقد أكلّا وأنقب الأشعر والأظلّا ... من نافه قد انضوى واختلّا6 يحمل بلو سفر قد بلَّى ... أجلاده صيامه وألّا7
يزال نضو غزوة مملّا ... وصّال أرحام إذا ما ولَّى1 ذو رحم وصّله وبلّا ... سقاء رحم منه كان صلّا2 وينفق الأكثر والأقلّا ... من كسب ما طاب وما قد حلّا إذا الشحيح غلّ كفًّا غلّا ... بسط كفيه معًا وبلّا3 وحلّ زاد الرحل حلًّا حلّا ... يرقب قرن الشمس إذ تدلَّى حتى إذا ما حاجباها انفلَّا ... تحت الحجاب بادر المصلَّى4 أحذى القطيع الشارف الهبلّا ... فجال مخطوف الحشَى شملّا6 حتى إذا أوفى بلالًا بلّا ... بدمعه لحيته وانغلّا7 بها وفاض شرقًا فابتلّا ... جيب الرداء منه فارمعلّا8 وحفز الشأنين فاستهلَّّا ... كما رأيت الوشلين انهلّا95
حتى إذا حبل الدعاء انحلّا ... وانقاض زبرا جاله فابتلّا1
أثنى على الله علا وجلّا ... ثم انثنى من بعد ذا فصلَّى2
على النبي نهلًا وعلّا ... وعمّ في دعائه وخلّا3
ليس كمن فارق واستحلّا ... دماء أهل دينه وولَّى
وجهته سوى الهدى مولَّى ... مجتنبًا كبرى الذنوب الجلّى
مستغفرًا إذا أصاب القلَّى ... لما أتى المزدلفات صلَّى4
سبعًا تباعًا حلهن حلّا ... حتى إذا أنف الفجير جلَّى
برقعه ولم يسرّ الجلّا ... هب إلى نضيه فعلَّى5
رحيله عليه فاستقلّا
التزم اللام المشددة من أولها إلى آخرها؛ وقد "كان"6 يجوز له معها7 نحو: قبلًا ونخلًا، ومحلًا، فلم يأت به.
ومثله ما رويناه لأبي العالية من قوله:
إني امرؤ أصفي الخليل الخلّه ... أمنحه ودّي وأرعى إلَّه8
وأبغض الزيارة المملَّه ... وأقطع المهامه المضلَّه
لست بها لركبها تعلَّه ... إلّا نجاء الناجيات الجلّهْ1 على هبلِّ أو على هِبِلَّهْ ... ذات هباب جسرة شملّه2 ناجية في الخرق مشمعلّهْ ... تنسلُّ بعد العقب المكلّه3 مثل انسلال العضب من ذي الخلَّه ... وكاشح رقيت منه صلّه4 بالصفح عن هفوته والزلَّه ... حتى استللت ضغنه وغلّه5 وطامح ذي نخوة مدلّه ... حملته على شباة ألّه6 ولم أملَّ الشر حتى ملَّه ... وشنج الراحة مقفعلَّه7 ما إن تبضّ كفه ببلّه ... أفاد دثرًا بعد طول خلّه8 وصار ربَّ إبل وثلَّه ... لما ذممت دقه وجلّه9 تركته ترك ظبيٍّ ظلّه ... ومعشر صيد ذوي تجلّه ترى عليهم للندى أدلّه ... سماؤهم بالخير مستهلّه
أوفى بهم دهر على مزلّه ... ثم تلفّاهم بمصمئلّه1
فبدّلت كثرتهم بقلّه ... وأعقبت عزتهم بذلّه
وغادروني بعدهم ذا غلَّه ... أبكيهم بعبرة منهلّه
ثم صبرت واعتصمت بالله ... نفسًا بحمل العبء مستقلَّه2
ودول الأيام مضمحلّه ... يشعبها ما يشعب الجبلّه
تتابع الأيام والأهلًّه
وأنشدنا أبو علي:
شلَّت يدًا قارية فرتها ... وفقئت عين التي أرتها3
مسك شبوب ثم وفَّرتها ... لو خافت النزع لأصغرتها4
فلزم التاء والراء، وليست واحدة منهما بلازمة.
والقطعة هائية لسكون ما قبل الهاء, والساكن لا وصل له.
ويجوز مع هذه القوافي ذرها5 ودعها.
وأنشد ابن الأعرابي ليزيد بن الأعور الشنيّ وكان أكرى بعيرًا له, فحمل عليه محملان أوّل ما علمت المحامل.
وهو7 قوله:6
لما رأيت محمليه أنَّا ... مخدّرين كدت أن أجنَّا1 قرّبت مثل العلم المبنَّى ... لا فاني السنِّ وقد أسنَّا2 ضخم الملاط سبطًا عبنَّا ... يطرح بالطرف هُنَا وهَنّا3 وافتنَّ من شأو النشاط فنَّا ... يدقّ حنو القتب المحنَّى5 إذا علا صوَّانة أرنَّا ... يرمعها والجندل الأغنَّا6 ضخم الجفور سهبلًا رفنَّا ... وفي الهباب سدمًا معنَّى7 كأنما صريفه إذ طنَّا ... في الضالتين أخطبانٌ غنَّى84
مستحملًا أعرف قد تبنّى ... كالصدع الأعصم لما اقتنّا1
يقطع بعد الفيف مهوأنّا ... وهو حديد القلب ما ارفأنّا2
كأن شنًا هزِمًا وشنّا ... قعقعه مهزج تغنَّى3
تحت لبان لم يكن أدنَّا4
ألتزم النون المشددة في جميعها على ما تقدم ذكره.
وقال آخر:
إليك أشكو مشيها تدافيا ... مشي العجوز تنقل الأثافيا5
فالتزم الفاء وليست واجبة.
وقال آخر:
كأن فاها واللجام شاحيه ... جنوا غبيط سلس نواحيه6
التزم الألف والحاء والياء, وليست واحدة منهنَّ لازمة؛ لأنه قد يجوز مع هذه القوافي نحو:1 يحدوه ويقفوه, وما كان مثله.
وأنشد أبو الحسن:
ارفعن أذيال الحقيّ وأربعن ... مشي حييات كأن لم يفزعن2
إن تمنع اليوم نساء تمنعن
فالتزم العين وليست بواجبة.
وقال آخر:
يا رُبَّ بكر بالرداقى واسج ... اضطره الليل إلى عواسج2
عواسج كالعجز النواسج
التزم الواو والسين وليست واحدة منهما بلازمة.
وقال آخر:
أعينيّ ساء الله من كان سرّه ... بكاؤكما ومن يحبّ أذاكما4
ولو أن منظورًا وحبّة أسلما ... لنزع القذى لم يبرئا لي قذاكما
التزم الذال والكاف, وقالوا: حبة, امرأة هويها رجل من الجن يقال له منظور، وكانت5 حبة لتطبب بما يعلمها منظور.3
وأنشد الأصمعيّ لغيلان الربعي: هل تعرف الدار بنعف الجرعاء ... بين رحا المثل وبين الميثاء1 كأنها باقي كتاب الإملاء ... غيَّرها بعذي مرّ الأنواء نوء الثريَّا أو ذراع الجوزاء ... قد اغتدى والطير فوق الأصواء2 مرتبئات فوق أعلى العلياء ... بمكرب الخلق سليم الأنقاء3 طرف تنقيناه خير الأفلاء ... لأمهاتٍ نسبت وآباء4 ثمَّت قاظ مرفها في إدناء ... مداخلًا في طولٍ وأغماء5 وفي الشعير والقضيم الأجباء ... وما أراد من ضروب الأشياء6 دون العيال وصغار الأبناء ... مقفى على الحي قصير الأظماء7
أمسوا فقادوهنّ نحو الميطاء ... بمائتين بغلاء الغلاء1 أوفيته الزرع وفوق الإيفاء ... قد فزّعوا غلمانها بالإيصاء2 مخافة السبق وجدّ الأنباء ... فلحقت أكبادهم بالأحشاء باتت وباتوا كبلايا الأبلاء ... مطلنفئين عندها كالأطلاء3 لا تطعم العيون نوم الإغفاء ... حتى إذا شقّ بهيم الظلماء وساق ليلًا مرجحنّ الأثناء ... غبره مثل حداء الحداء4 وزقت الديك بصوت زقاء ... ثمت أجلين وفوق الإجلاء5
مستويات كنعال الحذاء ... فهنّ يعبطن جديد البيداء1 ما لا يستوي عبطه بالرفاء ... يتبعن وقعًا عند رجع الأهواء2 بسلبات كمساحي البناء ... يتركن في متن أديم الصحراء3 مساحبًا مثل احتفار الكماء ... وأسهلوهنّ دقاق البطحاء4 يثرن من أكدارها بالدفعاء ... منتصبًا مثل حريق القصباء5 كأنها لما رآها الرآء ... وأنشرتهنّ علاة البيداء6 ورفع اللامع ثوب الإلواء ... عقبان دجن في ندى وأسداء7 كل أغرّ محكٍّ وغراء ... شادخة غرتها أو قرحاء8
قد لحقت عصمتها بالأطباء ... من شدة الركض وخلج الأنساء1
كأنما صوت حفيف المعزاء ... معزول شذان حصاها الأقصاء2
صوت نشيش اللحم عند القلاء3
اطَّرد4 جميع قوافيها على جر واضعها إلّا "بيتًا واحدًا وهو"5 قوله:
كأنها لما رآها الراء
فإنه مرفوع الموضع, وفيه مع ذلك سر لطيف يرجعه إلى حكم المجرور بالتأويل.
وذلك أن لمَّا مضافة إلى قوله: رآها الرآء, والفعل لذلك مجرور الموضع بإضافة الظرف الذي هو "لمّا" إليه, كما أن قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ 6 الفعل الذي هو "جاءَ" في موضع جر بإضافة الظرف "الذي" هو إذا إليه.
وإذا كان كذلك, وكان صاحب الجملة التي هي الفعل والفاعل إنما هو الفاعل, وإنما جيء بالفعل له ومن أجله, وكان أشرف جزءيها وأنبههما7, صارت الإضافة "كأنها"8 إليه, فكأن الفاعل لذلك في موضع جر, لا سيما وأنت لو لخَّصت الإضافة هنا وشرحتها لكان تقديرها: كأنها وقت رؤية الرآء لها.
" فالرآء"9 إذًا مع الشرح مجرور لا محالة.
نعم، وقد ثبت أن الفعل مع الفاعل في كثير من الأحكام والأماكن كالشيء الواحد.
وإذا كان الفعل مجرور الموضع, والفاعل معه كالجزء منه, دخل الفاعل منه في اعتقاد تلخيصه مجرورًا في اللفظ موضعه, كما أنّ النون من إذن لما كانت بعض حرف جرى عليها ما يجري على الحرف المفرد من إبداله في الوقف ألفًا, وذلك قولهم: لأقومنَّ إذًا كما تقول: ضربت زيدًا, ومع النون الخفيفة للواحد: إضربًا.
فكما أجريت على بعض الحرف ما يجري على جميعه من القلب كذلك أجريت على بعض الفعل -وهو الفاعل- ما يجري على جميعه من الحكم.
ومما أجري فيه بعض الحرف مجرى جميعه قوله 1:
فبات متصبًا وما تكردسا2
فأُجري "منتصبًا"3 مجرى فخذ, فأسكن ثانيه, وعليه حكاية الكتاب 4: أراك منتفخًا, ونحو من قوله: "لما رآها الرآء" في توهم جر الفاعل قول5 طرفة:
وسديف حين هاج الصنبر
كأنه أراد: الصنبر, ثم تصور معنى الإضافة, فصار إلى أنه كأنه قال:
حين هيج الصنّبر ثم نقل الكسرة على حدّ مررت ببكر, وأجرى صنَبِر من الصنّبر مجرى بكر على قوله: أراك منتفخًا.
وأعلى من هذا أن مجيء هذا البيت في هذه القصيدة مخالفًا لجميع أبياتها يدل على قوة شاعرها وشرف صناعته1، وأن ما وجد من تتالي قوافيها على جرِّ مواضعها ليس شيئًا سعى فيه, ولا أكره طبعه عليه, وإنما هو مذهب قاده إليه علوّ طبقته2، وجوهر فصاحته.
وعلى ذلك ما أنشدناه أبو بكر3 محمد بن علي عن أبي إسحاق لعبيد4 من قوله:
يا خليليّ أربعًا واستخبرا ال ... منزل الدارس من أهل الحلال5
مثل سحق البرد عفّى بعدك ال ... قطر مغناه وتأويب الشمال6
ولقد يفنى به جيرانك ال ... ممسكو منك بأسباب الوصال7
ثم أودى ودّهم إذ أزمعوا ال ... بين والأيام حال بعد حال8
فانصرف عنهم بعنس كالوأي ال ... جاب ذي العانة أو شاة الرمال9
نحن قدنا من أهاضيب الملا ال ... خيل في الأرسان أمثال السعالي1 شزّبًا يعسفن من مجهولة ال ... أرض وعثًا من سهول أو رمال2 فانتجعنا الحارث الأعرج في ... جحفل كالليل خطّار العوالي3 يوم غادرنا عديًّا بالقنا الذ ... بل السمر صريعًا في المجال4 ثم عجناهنّ خوصًا كالقطا ال ... قاربات الماء من أين الكلال5
نحو قوص يوم جالت حوله ال ... خيل قبًّا عن يمين أو شمال1 كم رئيس يقدم الألف على السا ... بح الأجرد ذي العقب الطوال2 قد أباحت جمعه أسيافنا ال ... بيض في الروعة من حيٍّ حلال3 ولنا دار ورثناها عن ال ... أقدم القدموس من عمّ وخال4 منزل دمّنه آباؤنا ال ... مورثونا المجد في أولَى الليالي5 ما لنا فيها حصون غير ما ال ... مقربات الخيل تعدو بالرجال6
في روابي عدمليّ شامخ ال ... أنف فيه إرث مجدٍ وجمال1
فاتَّبعنا ذات أولانا الألى ال ... موقدي الحرب وموفٍ بالحبال2
فقاد القصيدة كلها، على أن آخر مصراع كل بيت منها منتهٍ إلى لام التعريف، غير بيت واحد؛ وهو قوله:
فانتجعنا الحارث الأعرج في
فصار هذا البيت الذي نقض القصيدة أن تمضي على ترتيب واحد هو أفخر ما فيها, وذلك أنه دلَّ على أن هذا الشاعر إنما تساند إلى ما في طبعه ولم يتجشَّم إلّا ما في نهضته ووسعه من غير اغتصاب له ولا استكراه أجاءه إليه؛ إذ لو كان ذلك على خلاف ما حدَّدْناه, وأنه إنما صنع الشعر صنعًا, وقابله بها ترتيبًا ووضعًا؛ لكان قمنا ألا ينقض ذلك كله3 بيت واحد يوهيه ويقدح فيه.
وهذا واضح.
وأما قول الآخر:
قد جعل النعاس يغرنديني ... أدفعه عني ويسرنديني4
فلك فيه وجهان: إن شئت جعلت رويَّه النون؛ وهو الوجه.
وإن شئت الياء، وليس بالوجه.
وإن أنت جعلت النون هي الروي فقد التزم الشاعر فيها أربعة أحرف غير واجبة, وهي الراء والنون والدال والياء.
" ألا ترى أنه يجوز معها يعطيني
ويرضيني ويدعوني ويغزوني"1؛ ألا ترى أنك إذا جعلت الياء هي الروي فقد زالت الياء أن تكون ردفًا لبعدها عن الروي.
نعم وكذلك لما كانت النون رويًّا كانت الياء غير لازمة.
وإن أنت جعلت الياء الروي فقد التزم فيه خمسة أحرف غير لازمة, وهي الراء والنون والدال والياء والنون؛ لأن الواو يجوز معها "ألا ترى أنه يجوز معها"1 في القولين جميعًا يغزوني ويدعوني.
ومما يسأل عنه من هذا النحو قول الثقفي يزيد بن الحكم:
وكم منزل لولاي طحت كما هوى بها ... بأجرامه من قلّة النيق منهو2
التزم الواو والياء فيها كلّها.
والجواب أنها واوية لأمرين: أحدهما أنك إذا جعلتها واويَّة كانت مطلقة, ولو جعلتها يائية كانت مقيدة، والشعر المطلق أضعاف المقيد، والحمل3 إنما يجب أن يكون على4 الأكثر لا على الأقل.
والآخر أنه قد التزم الواو, فإن جعلت القصيدة واويَّة فقد التزم واجبًا, وإن جعلتها يائية فقد التزم غير واجب, واعتبرنا هذه اللغة وأحكامها ومقاييسها, فإذا الملتزم أكثره واجب "وأقله غير واجب"5 والحمل على الأكثر دون الأقل.
فإن قلت: فإن هذه القلّة أفخر من الكثرة, ألا ترى أنها دالة على قوة الشاعر.
وإذا كانت أنبه وأشرف كان الأخذ يجب أن يكون بها, ولم يحسن العدول عنها مع القدرة عليها.
وكما أن الحمل على الأكثر, فكذلك يجب أن يكون الحمل على الأقوى أولى من الحمل على الأدنى.
قيل: كيف تصرَّفت الحال فينبغي أن يعمل1 على الأكثر لا على الأقل, وإن كان الأقل أقوى قياسًا, ألا ترى إلى2 قوة قياس قول بني تميم في "ما ", وأنها ينبغي أن تكون غير عاملة3 في أقوى القياسين عن سيبويه.
ومع ذا فأكثر المسموع عنهم إنما هو لغة أهل الحجاز, وبها نزل القرآن.
وذلك "أننا بكلامهم ننطق"4, فينبغي أن يكون على ما استكثروا5 منه يحمل.
هذا هو "قياس مذهبهم" وطريق اقتفائهم.
ووجدت أكثر قافية رؤبة مجرورة الموضع.
وإذا تأملت ذلك وجدته, أعني: قوله:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
وقد التزم العجاج في رائيته:
قد جبر الدين إلاله فجبر
وذلك أنه التزم الفتح قبل رويّها البتة.
ولَعَمْري إن هذا مشروط في القوافي, غير أنك قلَّمَا تجد قافية مقيدة إلّا وأتت الحركات قبل رويها مختلفة, وإنما المستحسن من هذه الرائية سلامتها, مما لا يكاد يسلم منه غيرها.
فإن6 كانت المقيدة مؤسسة ازداد اختلاف الحركات قبل رويّها قبحًا.
وذلك أنه ينضاف إلى قبح اختلافه أن هناك
تأسيسًا؛ ألا ترى أنه يقبح اختلاف الإشباع1 إذا كان الروي مطلقًا نحو قوله 2: فالفوارع مع قوله: فالتدافع2.
فما ظنّك إذا كان الروي مقيدًا, وقد أحكمنا هذا في كتابنا المعرب3 في شرح قوافي أبي الحسن.
وقد قال هميان بن قحافة 4:
لما رأتني أم عمرو صدفت ... قد بلغت بي ذرأة فألحفت5
وهامة كأنها قد نُتِفْت ... وانعاجت الأحناء حتى احلنقفت6
وهي تسعة وثلاثون بيتًا التزم في جميعها الفاء وليست واجبة, وإن كانت قريبةً من صورة7 الوجوب.
وذلك أن هذه التاء في الفعل إذا صارت إلى الاسم صارت في الوقف هاء في قولك: صادفة وملحفة ومحلنقفة "فإذا صارت هاء"8 لم يكن الروي إلّا ما قبلها, فكأنها لما سقط حكمها مع الاسم من ذلك الفعل
صارت في الفعل نفسه قريبة من ذلك الحكم, وهذا الموضع لقطرب, وهو جيد.
ومن ذلك تائية كثيِّر:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا1
لزم2 في جميعها اللام والتاء.
ومنه قول منظور 3:
من لي من هجران ليلى من لي
لزم اللام المشدد إلى آخرها.
وفي المحدثين من يسلك هذا الطريق وينبغي أن يكونوا إليه أقرب وبه أحجى؛ إذ كانوا في صنعة الشعر أرحب ذراعًا وأوسع خناقًا؛ لأنهم فيه متأنون وعليه متلومون4، وليسوا بمرتجليه ولا مستكرهين فيه.
وقد كان ابن الرومي رام ذلك لسعة حفظه وشدة مأخذه.
فمن ذلك رائيته في وصف العنب وهي قوله:
ورازقيّ مُخْطَفِ الخصور ... كأنه مخازن البلور5
التزم فيها الواو البتَّة ولم يجاوزها غالبًا1.
وكذلك تائيته 2: أترفتها وخطرقتها وسفسفتها, التزم فيها الفاء وليست بواجبة, وكذلك ميميته التي يرثي بها أمه:
أفيضا دَمًا إن الرزايا لها قيَم2
أوجب على نفسه الفتحة قبل الميم على حدّ رائية العجاج:
قد جبر الدين الإله فجبر
غير أنِّي أظن أن4 في هذه الميمية بيتًا ليس من قبل رويّه مفتوحًا5.
وأنشدني مرة بعض أحداثنا شيئًا سماه شعرًا على رسم للمولدين6 في مثله، غير أنه عندي أنا قوافٍ منسوقة غير7 محشوة في معنى قول سلم الخاسر 8:
موسى القمر
غيث بكر
ثم انهمر
وقول الآخر 9:
طيف ألم
بذي سلم
يسري العتم10
بين الخيم
"جاد بفم"113
وقول الآخر1:
قالت حيل
شؤم الغزل
هذا الرجل
حين احتفل
أهدى بصل2
والقوافي المنسوقة التي أنشدنيها صاحبنا هذا ميمية في وزن قوله: طيف ألم, لا يحضرني الآن حفظها غير أنه التزم فيها الفتحة البتة إلّا قافية واحدة وهو3 قوله: فاسلم ودم، ورأيته قلقًا لاضطراره إلى مخالفة بقية القوافي بها4 فقلت له: لا عليك فلك أن تقول: فاسلم ودم، أمرًا من قولهم 5: دام يدام، وهي لغة، قال:
يا مي لا غرو ولا ملامًا ... في الحب إن الحب لن يداما6
فسر بذلك وقال: أسير بها إلى بلدي.
وأفضينا إلى هذا القدر لاتصاله بما كنا عليه، قال 7:
وعند سعيد غير أن لم أبح به ... ذكرتك إن الأمر يذكر للأمر
وأكثر هذه الالتزامات في الشعر؛ لأنه يخطر على نفسه ما تبيحه الصنعة إياه إدلالًا وتغطرفًا واقتدارًا وتعاليًا, وهو كثير.
وفيما أوردناه منه كافٍ.
فأما في غير الشعر فنحو قولك في جواب من سألك فقال لك 1: أي شيء عندك؟ زيد أو عمرو أو محمد الكريم أو علي العاقل.
فإنما جوابه الذي لا يقتضي السؤال غيره أن يجيبه بنكرة في غاية "شياع مثلها"2 فيقول 3: جسم.
ألا ترى أنه قد يجوز أن يكون في قوله: أيّ شيء عندك إنما أراد أن يستفصلك بين أن يكون عندك علم أو قراءة أو جود أو شجاعة, وأن يكون عندك جسم ما.
فإذا قلت: جسم فقد فصلت بين أمرين قد كان يجوز أن يريد منك فصلك بينهما, إلّا أن جسمًا وإن كان قد فصل بين المعنيين فإنه مبالغ في إبهامه.
فإن تطوّعت زيادة على هذا قلت: حيوان.
وذلك أن حيوانًا أخص من جسم, كما أن جسمًا أخص من شيء, فإن تطوع شيئًا آخر قال في جواب أي شيء عندك: إنسان؛ (لأنه أخص من حيوان, ألا تراك تقول: كل إنسان حيوان, وليس كل حيوان إنسانًا, كما تقول: كل إنسان جسم, وليس كل جسم إنسانًا.
فإن تطوَّع بشيء آخر قال: رجل.
فإن زاد في التطوع شيئًا آخر4 قال: رجل عاقل, أو نحو ذلك. فإن تطوع شيئًا آخر قال: زيد أو عمرو "أو نحو ذلك"5.
فهذا كله تطوع بما لا يوجبه سؤال هذا السائل.
ومنه قول أبي دواد:
فقصرن الشتاء بعد عليه ... وهو للذود أن يقسمن جار6
فهذا جواب كم؛ كأنه قال: كم قصرن عليه؟ وكم1 ظرف2 ومنصوبة الموضع, فكان3 قياسه أن يقول: ستة أشهر؛ لأن كم سؤال عن قدر من العدد محصور, فنكرة هذا كافية من معرفته, ألا ترى أن قولك: عشرون والعشرون وعشروك "ونحو ذلك"4 فائدته في العدد واحدة, لكن المعدود معرفة مرة ونكرة أخرى.
فاستعمل الشتاء وهو معرفة في جواب كم.
وهذا تطوّع بما لا يلزم.
وليس عيبًا بل هو زائد على المراد.
وإنما العيب أن يقصر في الجواب عن مقتضى السؤال, فأمَّا إذا زاد عليه فالفضل معه واليد له.
وجاز أن يكون الشتاء جوابًا "لكم" من حيث كان عددًا في المعنى, ألا تراه ستة أشهر.
وافقنا5 أبو علي -رحمه الله- على هذا الموضع من الكتاب وفسره ونحن بحلب, فقال: إلا في هذا البلد فإنه ثمانية أشهر.
يريد طول الشتاء بها.
ومن ذلك قولك في جواب من قال لك: الحسن6 أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية: الحسن أو قولك: الحسين.
وهذا تطوع من المجيب بما لا يلزم.
وذلك أن جوابه على ظاهر سؤاله أن يقول له: أحدهما ألا ترى أنه لما قال له: الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية فكأنه قال: [أ] 7أحدهما أفضل أم ابن الحنفية, فجوابه على ظاهر سؤاله أن يقول: أحدهما.
فقوله: "الحسن" أو قوله: الحسين فيه زيادة تطوع بها لم ينطو السؤال على استعلامها.
ونظير قوله في الجواب على اللفظ أن يقول: الحسن "أو الحسين"؛ لأن قوله: "أو الحسين" بمنزلة أن
يقول: أحدهما.
والجواب المتطوع فيه أن يقول: "الحسن" ويمسك, أو أن يقول: الحسين ويمسك.
فأما إن كان كيسانيًّا1 فإنه يقول: ابن الحنفية, هكذا كما ترى.
فإن قال: الحسن "أفضل أم الحسين"2 أو ابن الحنفية, فقال: الحسن, فهو جواب لا تطوع فيه.
فإن قال: أحدهما, فهو جواب لا تطوع فيه أيضًا.
فإن قال: "الحسين" ففيه3 تطوع.
وكذلك إن قال: "ابن الحنفية" فقد تطوّع أيضًا.
فإن قال: الحسن أو ابن الحنفية أفضل أم الحسين, فقال له المجيب: الحسين, فهو جواب لا تطوع فيه.
فإن قال: أحدهما, فهو أيضًا جواب لا تطوع فيه.
فإن قال: الحسن, أو قال: ابن الحنفية ناصًّا على أحدهما معينًا فهو جواب متطوع فيه على ما بينا فيما قبل.
ومن التطوع المشام للتوكيد قول الله سبحانه: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ 4، ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ 5، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ 6 وقولهم: مضى أمس الدابر وأمس المدبر.
وهو كثير.
وأنشد الأصمعي:
وأبي الذي ترك الملوك وجمعهم ... بصهاب هامدةً كأمس الدابر7
وقال 8:
خبلت غزالة قلبه بفوارسٍ ... تركت منازله كأمس الدابر9
ومن ذلك أيضًا الحال المؤكدة، كقوله 1:
كفى بالنأي من أسماء كاف
لأنه إذا2 كفى فهو كافٍ لا محالة.
ومنه قولهم: أخذته بدرهم فصاعدًا، هذه أيضًا حال مؤكدة, ألا ترى أن تقديره: فزاد الثمن صاعدًا, ومعلوم أنه إذا زاد الثمن لم يكن إلّا صاعدًا.
غير أن للحال هنا مزية عليها في قوله:
كفى بالنأي من أسماء كافٍ
لأن صاعدًا ناب في اللفظ عن الفعل الذي هو زاد، "وكافٍ" ليس بنائب في اللفظ عن شيء, ألا ترى أن الفعل الناصب له ملفوظ به معه.
ومن الحال المؤكدة قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ 3 وقول ابن دارة:
أنا ابن دارة معروفًا بها نسبي4
وهو باب منقاد.
فأما قوله سبحانه: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ 1 فيكون من هذا, وقد يجوز أن يكون قوله سبحانه: ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ مفيدًا.
وذلك أنه قد يقال في المثل:
طاروا علاهنّ فشل علاها2
وقال آخر:
وطرت بالرحل إلى شملة ... إلى أمون رحلةٍ فذلَّت
ومن أبيات الكتاب:
وطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا3
وقال القطامي:
ونفخوا عن مدائنهم فطاروا4
وقال العجاج:
طرا إلى كل طوال أعوجا1
وقال العنبري 2:
طاروا إليه زرافاتٍ وأُحدانا
وقال النابغة الذبياني:
يطير فضاضًا بينها كل قونسٍ3
فيكون قوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ على هذا مفيدًا, أي: ليس الغرض تشبيهه بالطائر ذي الجناحين, بل هو الطائر بجناحيه البتة.
وكذلك قوله -عز اسمه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ 4 قد يكون قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ مفيدًا.
وذلك أنه قد يستعمل في الأفعال الشاقة المستثقلة على قول من يقول: قد سرنا5 عشرًا وبقيت علينا ليلتان؛ وقد حفظت القرآن وبقيت عليّ منه سورتان, وقد صمنا عشرين من الشهر وبقي علينا عشر.
وكذلك يقال في الاعتداد على الإنسان بذنوبه
وقبيح1 أفعاله: قد أخرب عليّ ضيعتي وموّت2 عليّ عواملي وأبطل عليّ انتفاعي3, فعلى هذا لو قيل: فخرَّ عليهم السقف, ولم يقل: من فوقهم, لجاز أن يظن به أنه كقولك 4: قد خربت عليهم دارهم, وقد أهلكت5 عليهم مواشيهم وغلاتهم6, وقد تلفت عليهم تجاراتهم.
فإذا قال: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ زال ذلك المعنى المحتمل, وصار معناه: أنه سقط وهم من تحته.
فهذا معنى غير الأول.
وإنما "اطَّردت على"7 في الأفعال التي قدّمنا ذكرها, مثل: خربت عليه ضيعته, وموتت عليه عوامله, ونحو8 ذلك من حيث كانت "على" في الأصل للاستعلاء.
فلمَّا كانت هذه الأحوال "كلفًا و"9 مشاق تخفض الإنسان وتضعه وتعلوه وتفرعه10 حتى يخضع لها ويخنع11 لما يتسدّاه12 منها, كان ذلك من مواضع على, ألا تراهم يقولون: هذا لك, وهذا عليك, فتستعمل اللام فيما تؤثره13، وعلى فيما تكرهه13، قالت 14:
سأحمل نفسي على آلة ... فإما عليها وإما لها
وقال ابن حلزة:
فله هنالك لا عليه إذا ... دنعت أنوف القوم للتعس1
فمن هنا دخلت "على" هذه في هذه الأفعال التي معناها إلى الإخضاع والإذلال.
وما يُتَطوَّع به من غير وجوب كثير, وفيما مضى منه2 كافٍ ودالٍّ عليه بإذن الله.