باب في الامتناع من نقض الغرض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
اعلم أن هذا المعنى الذي تحامته العرب -أعني امتناعها من نقض أغراضها1- يشبه البداء2 الذي تروم اليهود إلزامنا إياه في نسخ الشرائع وامتناعهم منه إلا3 أن الذي رامته العرب من4 ذلك صحيح على السير، والذي ذهبوا هم إليه فاسد غير مستقيم.
وذلك أن نسخ الشرائع ليس ببداءٍ5 عندنا؛ لأنه ليس نهيا عما أمر الله تعالى به، وإنما هو6 نهى عن مثل ما أمر الله تعالى به في وقت آخر غير الوقت الذي كان -سبحانه- أمر بالأول فيه؛ ألا ترى أنه -عز اسمه- لو قال لهم: صوموا يوم كذا ثم نهاهم عن الصوم فيه فيما بعد لكان إنما نهاهم عن مثل ذلك الصوم، لا عنه نفسه.
فهذا7 ليس بداء8.
لكنه لو قال: صوموا يوم الجمعة ثم قال لهم قبل مضيه: لا تصوموه9 لكان -لعمري- بداء10 وتنقلا، والله -سبحانه- يجل عن هذا؛ لأن فيه انتكاثا، وتراجعا، واستدراكا، وتتبعا.
فكذلك11 امتناع العرب من نقض أغارضها هو في الفساد12 مثل ما نزهنا القديم -سبحانه- عنه من البداء13.
فمن ذلك امتناعهم من ادغام الملحق؛ نحو جلبب14، وشملل، وشربب "ورمدد ومهدد"15 وذلك أنك إنما16 أردت بالزيادة والتكثير17 البلوغ إلى مثال معلوم، فلوا ادغمت
في نحو شربب فقلت: شرب لا تنقض غرضك الذي اعتزمته: من مقابلة الساكن بالساكن والمتحرك بالمتحرك فأدى ذلك إلى ضد ما اعتزمته ونقض ما رمته.
فاحتمل التقاء المثلين متحركين لما ذكرنا من حراسة هذا الموضع وحفظه.
ومن ذلك امتناعهم من تعريف الفعل.
وذلك أنه إنما الغرض فيه إفادته فلابد من1 أن يكون منكورا لا يسوغ تعريفه2؛ لأنه لو كان معرفة لما كان مستفادا لأن المعروف قد غنى بتعريفه عن اجتلابه3 ليفاد من جملة الكلام.
ولذلك قال أصحابنا: اعلم أن حكم الجزء المستفاد من الجملة أن يكون منكورا، والمفاد هو الفعل لا الفاعل.
ولذلك4 لو أخبر بما لا شك فيه لعجب منه وهزئ "من قوله"5.
فلما كان كذلك لم يجز تعريف ما وضعه على التنكير؛ ألا تراه يجرى وصفا على النكرة وذلك6 نحو مررت برجل يقرأ، فهذا كقولك: قارئٍ، ولو كان معرفة لاستحال جريه وصفا على النكرة.
ومن ذلك امتناعهم من إلحاق "من" بأفعل7 إذا عرفته باللام؛ نحو الأحسن منه8، والأطول منه.
وذلك أن "من" -لعمري-9 تكسب ما يتصل به: من أفعل هذا10 تخصيصا ما، ألا تراك لو قلت: دخلت البصرة فرأيت أفضل من ابن سيرين لم يسبق
الوهم إلا إلى الحسن رضي الله عنه "فبمن ما صحت لك"1 هذه الفائدة، وإذا قلت: الأحسن أو الأفضل أو نحو ذلك فقد استوعبت اللام من التعريف أكثر مما تفيده "من" حصتها من التخصيص، فكرهوا أن يتراجعوا بعد ما حكموا به من قوة التعريف إلى الاعتراف بضعفه، إذا هم أتبعوه من الدالة2 على حاجته إليها، وإلى قد ما تفيده: من التخصيص المفاد منه.
فأما ما ظن أبو عثمان الجاحظ من أنه يدخل على قول أصحابنا "في هذا من قول الشاعر"3:
فلست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
فساقط عنهم4.
وذلك أن "من" هذه ليست هي التي تصحب "أفعل" هذا5 لتخصيصه، فيكون ما رامه أبو عثمان من جمعها مع لام التعريف.
وذلك لأنها إنما6 هي حال من تاء "لست"؛ كقولك: لست فيهم بالكثير مالا، ولا أنت منهم7 بالحسن وجها، أي لست من بينهم وفي جملتهم بهذه8 الصفة، كقولك: أنت والله من بين الناس حر وزيد من جملة رهطه كريم.
ومن ذلك امتناعهم من إلحاق علم التأنيث لما فيه علمه، حتى دعاهم ذلك إلى أن قالوا: مسلمات، ولم يقولوا مسلمتات، لئلا يلحقوا "علامة تأنيث مثلها"1.
وذلك أن إلحاق علامة2 التأنيث إنما هو ليخرج المذكر قبله إليه وينقله إلى حكمه فهذا3 أمر يجب عنه وله أن يكون ما نقل إلى التأنيث قبل نقله إليه مذكرا كقائم من4 قائمة وظريف من4 ظريفة.
فلو ذهبت تلحق العلامة العلامة5 لنقضت الغرض.
وذلك أن التاء في قائمة قد أفادت تأنيثه وحصلت له حكمه فلو ذهبت تلحقها علامة أخرى فتقول: قائمتات لنقضت ما أثبت6 من التأنيث الأول، بما تجشمته من إلحاق علم التأنيث الثاني له؛ لأن في ذلك إيذانا بأن الأول به لم يكن مؤنثا، وكنت أعطيت اليد بصحة تأنيثه لحصول ما حصل فيه من علمه، وهذا هو النقض والبداء7 البتة.
ولذلك أيضا لم يثن الاسم المثنى؛ لأن ما حصل فيه من علم التثنية مؤذن بكونه إثنين، وما يلحقه من علم التثنية ثانيا يؤذن بكونه في الحال الأولى مفردا؛ وهذا هو الانتقاض والانتكاث لا غير.
فإن قلت: فقد يجمع الجمع؛ نحو أكلب وأكالب "وأسقية وأساقٍ"8 فكيف القول في ذلك؟
قيل له: فرق بينهما أن علمي1 التأنيث في "مسلمات لو قيل مسلمتات"2 لكانا لمعنى واحدٍ3 وهو التأنيث فيهما جميعًا، وليس كذلك معنيا التكسير في أكلب وأكالب.
وذلك أن معنى أكلب أنها دون العشرة ومعنى أكالب أنها للكثرة التي4 أول رتبتها5 فوق العشرة. فهذان معنيان -كما تراهما- اثنان، فلم ينكر اجتماع لفظيهما، لاختلاف معنييهما6.
فإن قلت: فهلا أجازوا -على هذا- مسلمتات، فكانت7 التاء الأولى لتأنيث الواحد، والتاء8 الثانية لتأنيث الجماعة؟
قيل: كيف تصرفت الحال فلم تفد واحدة من التاءين شيئًا غير التأنيث البتة.
فأما عدة المؤنث في إفراده وجمعه فلم يفده العلمان فيجوز اجتماعهما؛ كما جاز تكسير التكسير في نحو أكلب وأكالب.
فإن قلت: فقد يجمع أيضًا الكثرة، نحو بيوت وبيوتات وحُمُر وحُمُرات ونحو قولهم: صواحبات يوسف، ومواليات العرب؛ وقوله:
قد جرت الطير أيامنينا9
فهذا جمع أيامن، وأنشدوا:
فهن يعلكن حدائداتها10
وكسروا أيضا مُثُل1 الكثرة؛ قال2:
عقابين يوم الدجن تعلو وتسفل
وقال آخر3:
ستشرب كأسا مرة تترك الفتى ... تليلا لفيه للغرابين والرخم4
وأجاز أبو الحسن في قوله:
في ليلة من جمادى ذات أندية5
أن يكون كسر ندى على نداء؛ كجبل وجبال، ثمم كسر نداء على أندية، كرداء وأردية.
قيل: جميع ذلك و"ما كان"6 مثله -وما أكثره! - "إنما7 جاز" لأنه لا ينكر أن يكون جمعان أحدهما أكثر من صاحبه وكلاهما مثال الكثرة ألا ترى أن مائة للكثرة وألفا أيضا كذلك وعشرة آلاف أيضا كذلك ثم على8 هذا ونحوه.
فكأن بيوتا مائة، وبيوتات مائة ألف، وكأن عقبانا خمسون وعقابين أضعاف ذلك.
وإذا كان ذلك علمت اختلاف المعنيين لاختلاف اللفظين.
وإذا آل بك الأمر إلى هذا لم "تبق وراءه مضطربا"9 فهذا قول10.
وجواب1 ثان: أنك إنما تكسر نحو أكلب وعقبان ونداء لمجئ كل واحد من ذلك على أمثلة الآحاد وفي طريقها، فلما جاءت هذا المجئ جرت مجرى الآحاد فجاز تكسيرها، كما يجوز تكسيرها2؛ ألا ترى أن لذلك ما جاز صرفها، وترك الاعتداد بمعنى الجمعية فيها، لما3 جاءت مجيء الآحاد، فصرف كلاب؛ لشبهه بكتاب، وصرف بيوت، لشبهه "بأتى وسدوس"4 ومرور5؛ وصرف عقبان؛ لشبهه بعصيان وضبعان. وصرف قضبان لأنه على مثال قرطان6.
وصرف أكلب؛ لأنه قد جاء عنهم أصبع وأرز7 وأسنمة8 ولأنه9 أيضا لما كان لجمع القلة أشبه في المعنى الواحد؛ لأن محل مثال القلة من مثال الكثرة في المعنى محل الواحد من الجمع فكما كسروا الواحد كذلك كسروا ما قاربه من الجمع.
وفي هذا كاف.
فإن قلت: فهلا ثنيت التثية كما جمعت الجمع قيل: قد كفتنا العرب بقولهم: أربعة "عن قولهم"10 اثنانان.
وأيضا فكرهوا أن يجمعوا في "اثنانان" ونحوه بين إعرابين متفقين كانا أو مختلفين؛ وليس شيء من ذلك في أكلب وأكالب.
ومن ذلك ما قال أصحابنا: إن وصف العلم جارٍ مجرى نقض الغرض.
وذلك أن العلم إنما وضع ليغنى عن الأوصاف الكثيرة؛ ألا ترى أنك إذا قلت: قال
الحسن في هذه المسئلة كذا فقد استغنيت "بقولك: الحسن"1 عن قولك2: الرجل الفقيه القاضي العالم الزاهد البصري الذي كان من حاله كذا، ومن أمره كذا، فلما قلت: الحسن أغناك عن جميع ذلك.
فإذا وصف العلم4 فلأنه كثر المسمون به، فدخله اللبس فيما بعد، فلذلك وصف؛ ألا ترى أن ما كان من الأعلام لا شريك له في العلمية فإنه لا يوصف.
وذلك كقولنا: الفرزدق فإنه لا يوصف فيقال: التميمي ولا نحو ذلك؛ لأنه لم يسم به أحد غيره.
وإذا ذكرته باسمه الذي هو همام جاز وصفه فقلت همام بن غالب لأن هماما شورك5 فيه، فجاز لذلك لحاق الوصف له.
فإن قلت: فقد يكثر في الأنساب وصف كثيرٍ من الأعلام التي لا شركة فيها؛ نحو قولهم: فلان بن يشجب بن يعرب بن قحطان ونظائره5 كثيرة قيل: ليس "الغرض إلا التنقل به"6 والتصعد7 إلى فوق، وإعلام السامع وجه النسب، وأن فلانا اسم أبيه كذا، واسم جده كذا، واسم أبي جده كذا.
فإنما البغية بذلك استمرار النسب، وذكر الآباء شيئا فشيئا على توالٍ.
وعلى هذا يجوز أيضا أن يقال8: الفرزدق بن غالب؛ فأما على التخليص "والتخصيص"9 فلا.3
ومن ذلك امتناعهم من تنوين الفعل.
وذلك أنه قد استمر فيه الحذف والجزم بالسكون1 لثقله.
فلما كان موضعا للنقص منه لم تلق به الزيادة فيه، فهذا قول.
وإن شئت قلت: إن التنوين إنما لحق في الوقف مؤذنا بالتمام، والفعل أحوج شيء إلى الفاعل، فإذا كان من الحاجة إليه من بعده على هذه الحال لم يلق به التنوين اللاحق للإيذان بالتكامل والتمام، فالحالان إذًا كما ترى ضدان.
ولأجل ذلك ما2 امتنعوا من لحاق التنوين للمضاف.
وذلك أن المضاف على غاية الحاجة إلى3 المضاف إليه من بعده.
فلو ألحقته التنوين المؤذن بالوقف وهو متناهٍ في قوة الحاجة إلى الوصل جمعت بين الضدين.
وهذا جلي غير خاف.
وأيضا فإن التنوين دليل التنكير والإضافة موضوعة للتخصيص فكيف لك باجتماعهما مع ما ذكرنا من حالهما.
فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك فما بالهم نونوا الأعلام كزيد وبكر؟.
قيل: جاز لك؛ لأنها ضارعت بألفاظها النكرات؛ إذ كان تعرفها معنويا لا لفظيا لأنه لا لام تعريف4 فيها5 ولا إضافة، كما صرفوا من الجمع ما ضارع الواحد ببنائه نحو كلاب "لأنه ككتاب"6، وشيوخ لأنه كسدوس ودخول وخروج.
وهذا7 باب مطرد فاعرفه.