الخصائصباب في الاشتقاق الأكبر

باب في الاشتقاق الأكبر

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: هذا موضع لم يسمِّه أحد من أصحابنا غير أن أبا علي -رحمه الله- كان يستعين به ويخلد إليه, مع إعواز الاشتقاق الأصغر. لكنه مع هذا لم يسمِّه, وإنما كان يعتاده عند الضرورة, ويستروح إليه ويتعلل به. وإنما هذا التلقيب لنا نحن, وستراه فتعلم أنه لقب مستحسن1.
وذلك أن الاشتقاق عندي على ضربين: كبير وصغير.

فالصغير ما في أيدي الناس وكتبهم, كأن تأخذ1 أصلًا من الأصول فتتقرّاه فتجمع1 بين معانيه, وإن اختلفت صيغه ومبانيه.
وذلك كتركيب "س ل م ", فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه؛ نحو: سلم ويسلم وسالم وسلمان وسلمى والسلامة والسليم: اللديغ, أطلق عليه تفاؤلًا بالسلامة.
وعلى ذلك بقية الباب إذا تأولته, وبقية الأصول غيره كتركيب "ض ر ب " و "ج ل س " و "ز ب ل " على ما في أيدي الناس من ذلك.
فهذا هو الاشتقاق الأصغر, وقد قدم أبو بكر2 -رحمه الله- رسالته فيه بما أغنى عن إعادته؛ لأن أبا بكر لم يأل فيه نصحًا وإحكامًا وصنعة وتأنيسًا.
وأمَّا الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلًا من الأصول الثلاثية3، فتعقد عليه وعلى تقاليبه4 الستة معنًى واحدًا, تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه, وإن تباعد شيء من ذلك "عنه"5 رُدَّ بلطف الصنعة والتأويل إليه, كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد.
وقد كنا قدمنا ذكر طرف من هذا الضرب من الاشتقاق في أول هذا الكتاب عند ذكرنا أصل الكلام, والقول وما يجيء من تقليب6 تراكيبهما نحو: "ك ل م " "ك م ل " "م ك ل " "م ل ك " "ل ك م " "ل م ك " وكذلك "ق ول " "ق ل و " "وق ل " "ول ق " "ل ق و " "ل وق " وهذا أعوص7 مذهبًا، وأحزن مضطربًا.
وذلك8 أنا عقدنا تقاليب

الكلام الستة على القوة والشدة، وتقاليب القول الستة على الإسراع والخفة, وقد مضى ذلك في صدر الكتاب.
لكن بقي علينا "أن نحضر هنا"1 مما يتصل به أحرفًا تؤنس بالأول، وتشجّع2 منه المتأمل.
فمن ذلك تقليب "ج ب ر " فهي -أين3 وقعت- للقوة والشدة, منها: "جبرت العظم والفقير" إذا قويتهما وشددت منهما, والجبر: الملك لقوته وتقويته لغيره, ومنها: "رجل مجرب" إذا جرَّسته4 الأمور ونجذته5، فقويت منّته واشتدت شكيمته, ومنه الجراب؛ لأنه يحفظ ما فيه, وإذا حفظ الشيء وروعي اشتدَّ وقوي, وإذا أغفل وأهمل تساقط ورذي6.
ومنها: "الأبجر والبجرة" وهو القوي السرة.
ومنه قول علي -رضي الله عنه: إلى الله أشكو عجري وبجري, تأويله: همومي وأحزاني, وطريقه أن العجرة كل عقدة في الجسد, فإذا كانت في البطن والسرة فهي البجرة, "والبجرة"7 تأويله أن السرة غلظت ونتأت فاشتد مسّها وأمرها.
وفُسِّر أيضًا قوله: عجري وبجري, أي: ما أبدي وأخفي من أحوالي.
و"منه البُرْج لقوته في نفسه وقوة ما يليه"8 به، وكذلك البَرَج لنقاء بياض العين وصفاء سوادها هو قوة أمرها،

وأنه ليس بلون مستضعف, ومنها رجَّبت الرجل1 إذا عظَّمته وقوَّيت أمره, ومنه رجب لتعظيمهم إياه عن القتال فيه, وإذا كرمت النخلة على أهلها فمالت دعموها بالرجبة, وهو شيء تسند إليه لتقوى به.
والراجبة: أحد فصوص الأصابع وهي مقوية لها.
ومنها الرباجي وهو الرجل يفخر بأكثر من فعله, قال: وتلقَّاه رباجيًّا فخورا2 تأويله أنه يعظِّم نفسه ويقوّي أمره.
ومن ذلك تراكيب "ق س و " "ق وس " "وق س " "وس ق " "س وق "3 وأهمل " س ق و " , وجميع ذلك إلى القوة والاجتماع.
منها: "القسوة" وهي شدة القلب واجتماعه, ألَا ترى إلى قوله: يا ليت شعري -والمنى لا تنفع ... هل أغدون يومًا وأمري مجمع4 أي: قوى مجتمع5، ومنها "القوس" لشدتها، واجتماع طرفيها, ومنها "الوقس" لابتداء الجرب، وذلك لأنه يجمع الجلد ويقحله6، ومنها "الوَسْق" للحمل، وذلك لاجتماعه وشدته, ومنه استوسق الأمر أي اجتمع ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ 7 أي: جمع،

ومنها "السوق"، وذلك لأنه استحثاث وجمع للمسوق بعضه؛ وعليه قال1: مستوسقات لو يجدن سائقًا2 فهذا كقولك: مجتمعاتٍ لو يجدن جامعًا فإن شد شيء من شعب هذه الأصول عن عقده ظاهرًا رُدَّ بالتأويل إليه, وعطف بالملاطفة عليه.
بل إذا كان هذا قد3 يعرض في الأصل الواحد حتى يحتاج فيه إلى ما قلناه, كان فيما انتشرت أصوله بالتقديم والتأخير أولى باحتمال وأجدر بالتأوّل له.
ومن ذلك تقليب "س م ل " "س ل م " "م س ل " "م ل س " "ل م س " "ل س م " والمعنى الجامع لها المشتمل عليها الإصحاب والملاينة, ومنها الثوب السمل وهو الخلق.
وذلك لأنه ليس عليه من الوبر والزئبر ما على الجديد.
فاليد إذا مرَّت عليه للمس لم يستوقفها عنه جدَّة4 المنسج ولا خشنة الملمس.
والسمَل: الماء القليل؛ كأنه شيء قد أخْلَق وضعف عن قوة المضطرب, وجمة المرتكض, ولذلك قال: حوضًا كأنَّ ماءه إذا عسل ... من آخر الليل رويزي سمل5 وقال آخر: ورّاد أسمال المياه السُدْم ... في أخريات الغبش المغمّ6

ومنها السلامة.
وذلك أن السليم ليس فيه عيب تقف النفس عليه, ولا يعترض عليها به.
ومنها "المَسْل و"1 المَسَل والمَسِيل كله واحد, وذلك أن الماء لا يجري إلّا في مذهب له, وإمام منقاد به, ولو صادف حاجزًا2 لإعتاقه فلم يجد متسرَّبا معه.
ومنها الأملس والملساء.
وذلك أنه لا اعتراض على الناظر فيه والمتصفح له.
ومنها اللمس, وذلك أنه إن عارض اليد شيء حائل بينها وبين الملموس لم يصح هناك لمس؛ فإنما هو3 إهواء باليد نحوه, ووصول منها إليه, لا حاجز ولا مانع, ولا بُدَّ مع اللمس من إمرار اليد وتحريكها على الملموس, ولو كان هناك حائل لاستوقفت به عنه.
ومنه الملامسة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ 4 أي: جامعتم، وذلك أنه لا بُدَّ هناك من حركات واعتمال, وهذا واضح.
فأما "ل س م " فمهمل, وعلى أنهم قد قالوا: نسمت الريح إذا مرَّت مرًّا سهلًا ضعيفًا, والنون أخت اللام, وسترى نحو ذلك.
" ومرَّ بنا أيضًا أَلْسَمْتُ الرجل حجته إذا لقَّنته وألزمته إياها.
قال: لا تُلْسِمَنَّ أبا عمران حُجَّته ... ولا تكوننَّ له عونًا على عمرا5 فهذا من ذلك, أي: سهلتها وأوضحتها"6.
واعلم أنا لا ندعي أن هذا مستمر في جميع اللغة, كما لا ندعي للاشتقاق الأصغر أنه في جميع اللغة.
بل إذا كان ذلك "الذي هو"7 في القسمة سدس هذا أو خمسه متعذرًا صعبًا, كان تطبيق هذا وإحاطته أصعب مذهبًا وأعز ملتمسًا8.
بل لو صحَّ

من هذا النحو, وهذه الصنعة المادة الواحدة تتقلّب على ضروب التقلب كان غريبًا معجبًا.
فكيف به وهو يكاد يساوق الاشتقاق الأصغر ويجاريه إلى المدى الأبعد.
وقد رسمتُ لك منه رسمًا فاحتذه1، وتقيّله2 تحظ به، وتكثر إعظام هذه اللغة الكريمة من أجله.
نعم, وتسترفده في بعض الحاجة إليه فيعينك ويأخذ بيديك, ألا ترى أن أبا علي -رحمه الله- كان يقوِّي كون لام "أثفية" فيمن جعلها "أفعولة" واوًا بقولهم: جاء يثفه, ويقول: "هذا"3 من الواو لا محالة كيعِده.
فيرجَّح4 بذلك الواو على الياء التي ساوقتها في يثفوه ويثفيه, أفلا تراه كيف استعان على لام ثفا بفاء وثف.
وإنما ذلك لأنها مادّة واحدة شُكِّلت على صور مختلفة, فكأنها لفظة واحدة.
وقلت مرة للمتنبئ: أراك تستعمل في شعرك ذا وتا وذي كثيرًا, ففكر شيئًا ثم قال: إن هذا الشعر لم يعمل كله في وقت واحد.
فقلت له: أجل لكن5 المادة واحدة.
فأمسك البتة.
والشيء يذكر لنظيره, فإن المعاني وإن اختلفت معنياتها آوية إلى مضجع غير مقضّ, وآخذ بعضها برقاب بعض.

جارٍ التحميل