باب في الاستخلاص من الأعلام معاني الأوصاف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
من ذلك ما أنشدناه1 أبو علي -رحمه الله- من قول الشاعر:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان ... ليس علي حسبي بضؤلان2
أنشدنيه -رحمه الله- ونحن في دار الملك.
وسألني عما يتعلق به الظرف الذي هو "بعض الأحيان" فخضنا3 فيه إلى أن برد في اليد من جهته أنه يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون أراد: أنا مثل أبي المنهال، فيعمل في الظرف على هذا معنى التشبيه، أي أشبه أبا المنهال في بعض الأحيان.
والآخر أن يكون قد عرف
من أبي المنهال هذا الغناء والنجدة فإذا ذكر فكأنه1 قد ذكرا2، فيصير معناه إلى أنه كأنه قال: أنا المغني في بعض الأحيان، أو أنا النجد3 في بعض تلك الأوقات. أفلا تراك كيف انتزعت من العلم الذي هو "أبو المنهال" معنى الصفة والفعلية. ومنه قولهم في الخبر. إنما سميت هانئًا لنهنأ4.
وعليه جاء نابغة؛ لأنه نبغ فسمي بذلك.
فهذا5 -لعمري- صفة غلبت، فبقي عليها بعد التسمية بها بعض ما كانت تفيده من معنى الفعل من قبل.
وعليه مذهب6 الكتاب في ترك صرف أحمر إذا سمي به، ثم نكر.
وقد ذكرنا ذلك في غير موضع "إلا أنك"7 على الأحوال8 قد انتزعت من العلم معنى الصفة.
وقد مر بهذا الموضع الطائي الكبير فأحسن فيه واستوفى معناه فقال:
فلا تحسبًا هندًا لها الغدر وحدها ... سجية نفسٍ كل غانية هند9
فقوله: "كل غانية هند" مثناه في معناه، وآخذ لأقصى مداه؛ ألا "ترى10 أنه" كأنه قال، كل غانية غادرة أو قاطعة "أو خائنة"11 أو نحو ذلك.
ومنه قول الآخر:
إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا1
أى إذا شبعوا تعادوا وتغادروا لأن بكرًا هكذا فعلها.
ونحو من هذا -وإن لم يكن الاسم2 المقول3 عليه علمًا- قول الآخر:
ما أمك اجتاحت المنايا ... كل فؤادٍ عليك أم
كأنه4 قال: كل فؤاد عليك حزين أو كئيب، إذ كانت الأم هكذا غالب أمرها لا سيما مع المصيبة، وعند نزول الشدة.
ومثله في النكرة أيضًا قولهم: مررت برجل صوفٍ تكته، أي خشنة، ونظرت إلى رجل خز قميصه أي ناعم، ومررت بقاع عرفجٍ كله أي جافٍ وخشن5.
وإن جعلت "كله" توكيدًا لما في "عرفج" من الضمير فالحال واحدة؛ لأنه لم يتضمن الضمير إلا فيه من معنى الصفة.
ومن العلم أيضًا قوله:
أنا أبو بردة إذ جد الوهل6
أي أنا المغني7 والمجدي8 عند اشتداد الأمر.
وقريب منه قوله:
أنا أبوها حين تستبغي أبا9
أي أنا صاحبها10، وكافلها وقت حاجتها إلى ذلك.
ومثله وأحسن "صنعة11 منه":
لا ذعرت السوام في فلق الصبـ ... ـح مغيرًا ولا دعيت يزيدا12
أي لا دعيت الفاضل المغنى؛ هذا يريد13 وليس يتمدح بأن اسمه يزيد؛ لأن يزيد ليس موضوعًا بعد النقل عن الفعلية إلا للعلمية.
فإنما تمدح هنا بما عرف من فضله وغنائه.
وهو كثير.
فإذا مر بك14 شيء منه فقد عرفتك طريقه.