باب في الأصلين "يتقاربان في التركيب بالتقديم والتأخير"
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن جني
- الكتاب
- الخصائص
- المؤلف
- أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
- الناشر
- الهيئة المصرية العامة للكتاب
- الطبعة
- الرابعة
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
اعلم أن كل لفظين وجد فيهما تقديم وتأخير فأمكن أن يكونا جميعًا3 أصلين ليس أحدهما مقلوبًا عن صابحه فهو4 القياس الذي لا يجوز غيره, وإن لم يمكن ذلك حكمت بأن5 أحدهما مقلوب عن صاحبه, ثم أريت أيهما الأصل وأيهما الفرع.
وسنذكر وجوه ذلك.
فمما تركيباه أصلان لا قلب فيهما قولهم6: جذب وجبذ, ليس أحدهما
مقلوبًا عن صاحبه.
وذلك أنهما جميعًا يتصرَّفان تصرفًا واحدًا نحو: جذب يجذب جذباَ فهو جاذب, والمفعول مجذوب, وجبذ يجبذ جبذًا فهو جابذ والمفعول مجبوذ.
فإن جعلت مع هذا أحدهما أصلًا لصاحبه فسد ذلك؛ لأنك لو فعلته لم يكن أحدهما أسعد بهذه الحال من الآخر.
فإذا وقفت الحال بينهما1 ولم يؤثر2 بالمزية أحدهما وجب أن يتوازيا3, وأن يمثلا بصفحتيهما معًا.
وكذلك ما هذه سبيله.
فإن قصر4 أجدهما عن تصرف صاحبه ولم5 يساوه فيه كان أوسعهما تصرفًا أصلًا لصاحبه.
وذلك كقولهم: أنى الشيء يأني وآنٍ يئين, فآن مقلوب عن أنى, والدليل على ذلك وجودك مصدر أنى يأنى وهو الإنَى, ولا تجد لآن مصدرًا, كذا قال الأصمعي.
فأما الأين فليس من هذا في شيء, إنما الأين: الإعياء والتعب.
فلما عدم من "آن" المصدر الذي هو أصل للفعل, عُلِمَ أنه مقلوب عن أنى يأنى إنىّ, قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ 6 أي: بلوغه وإدراكه.
قال أبو علي: ومنه سموا الإناء؛ لأنه لا يستعمل إلّا بعد بلوغه حظّه من خرزه أو صياغته أو نجارته أو نحو ذلك.
غير أن أبا زيد قد حكى لآن مصدرًا وهو الأين.
فإن كان الأمر كذلك فهما إذًا أصلان متساويان7 وليس أحدهما أصلًا لصاحبه.
ومثل ذلك "في القلب"8 قولهم: "أيست من كذا" فهو مقلوب9 من "يئست" لأمرين, ذكر أبو علي أحدهما وهو ما ذهب إليه من أن "أيست" لا مصدر له،
وإنما المصدر "ليئست" وهو اليأس واليآسة.
قال: فأمّا قولهم في اسم الرجل "إياس" فليس مصدرًا لأيست, ولا هو أيضًا من لفظه, وإنما هو مصدر "أست الرجل"1 أؤوسه إياسًا سموه به كما سموه عطاء تفاؤلًا بالعطية.
ومثل ذلك عندي تسميتهم إياه "عياضًا", وإنما هو مصدر عُضْته, أي: أعطيته, قال:
عاضها الله غلامًا بعد ما ... شابت الأصداغ والضرس نقد2
عطف3 جملة من مبتدأ وخبر على أخرى من فعل وفاعل, أعني: قوله: "والضرس نقد" أي: ونقد الضرس.
وأما الآخر فعندي أنه لو لم يكن مقلوبًا
لوجب إعلاله, وأن يقول: إست أآس, كهبت أهاب.
فظهوره صحيحًا يدلّ على أنه إنما صحَّ؛ لأنه مقلوب عمَّا تصح عينه وهو "يئست", لتكون الصحة دليلًا على ذلك المعنى, كما كانت صحة "عور" دليلًا على أنه في معنى ما لا بُدَّ من صحته وهو "أعورّ".
فأمّا تسميتهم الرجل "أَوْسا" فإنه يحتمل أمرين, أحدهما: أن يكون مصدر "أسته" أي: أعطيته كما سموه عطاء وعطية, والآخر: أن يكون سموه به كما سموه ذئبًا.
فأما ما أنشدناه1 من قول الآخر 2:
لي كل يوم من ذؤاله ... ضغثٌ يزيد على إباله3
فلا حشأنّك مشقصًا ... أوسًا أويس من الهباله4
ف"أوسًا" منه ينتصب على المصدر بفعلٍ دلَّ عليه قوله: "لأحشأنك", فكأنه قال: "لأؤوسنك أوسًا" كقول الله سبحان: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ﴾ 5 لأن مرورها يدل على صنع الله, فكأنه قال: صنع الله ذلك صنعًا, وأضاف المصدر إلى فاعله, كما لو ظهر الفعل الناصب لهذا المصدر لكان مسندًا إلى اسم الله تعالى.
وأما قوله "أويس" فنداء, أراد: يا أويس, يخاطب الذئب وهو اسم6 له مصغرًا, كما أنه اسم6 له مكبر, قال:
يا ليت شعري عنك -والأمر أمم ... ما فعل اليوم أويس في الغنم1
فأمَّا ما يتعلق به "من " فإن شئت علقته بنفس أوسًا, ولم يعتدد2 بالنداء فاصلًا لكثرته في الكلام وكونه معترضًا به للتسديد, كما ذكرنا من هذا الطرز3 في باب الاعتراض في قوله:
يا عمر الخير جزيت الجنه ... اكس بُنَيَّاتي وأمّهُنّه4
أو يا -أبا حفص- لأمضينه
فاعترض بالنداء بين "أو" والفعل, وإن شئت علقته بمحذوف يدل عليه "أوسًا", فكأنه قال: أؤوسك من الهبالة, أي: أعطيك من5 الهبالة.
وإن شئت جعلت حرف الجر هذا وصفًا لأوسًا, فعلقته بمحذوف وضمَّنته ضمير الموصوف.
ومن المقلوب قولهم: امضحلَّ وهو مقلوب5 عن اضمحلَّ, ألا ترى أن المصدر إنما هو على اضمحلَّ وهو الاضمحلال, ولا يقولون: امضحلا.
وكذلك قولهم: اكفهرَّ واكرهفَّ, الثاني مقلوب عن الأول؛ لأن التصرف "على اكفهرَّ وقع"6، ومصدره الاكفهرار, ولم يمرر بنا الأكرهفاف, قال النابغة:
أو فازجروا مكفهرًا لا كفاء له ... كالليل يخلط أصرامًا بأصرام1
وقد حكى بعضهم2 مكرهف.
فإن ساواه في الاستعمال فهما -على ما ترى- أصلان.
ومن ذلك: هذا لحم شخم3 وخشم، وفيه تشخيم4، ولم أسمع تخشيم6.
فهذا يدل على أن "شخم أصل الخشم"6.
ومن ذلك قولهم: اطمأن.
ذهب سيبويه فيه إلى أنه مقلوب, وأن أصله من طأمن, وخالفه أبو عمر8 فرأى9 ضد ذلك.
وحجة سيبويه فيه أن "طأمن" غير ذي زيادة, واطمأنّ ذو زيادة, والزيادة إذا لحقت الكلمة لحقها ضرب من الوهن لذلك, وذلك لأنّ مخالطتها شيء10 ليس من أصلها مزاحمة لها وتسوية في التزامه بينها وبينه, وهو "و"11إن لم تبلغ الزيادة على الأصول فحش الحذف57
منها فإنه -على كل حال- على1 صدد من التوهين لها؛ إذ كان زيادة عليها تحتاج إلى تحملها كما يتحامل بحذف ما حذف منها.
وإذا كان في الزيادة طرف من الإعلال للأصل كان أن يكون القلب مع الزيادة أولى.
وذلك أن الكلمة إذا لحقها ضرب من الضعف أسرع إليها ضعف آخر2؛ وذلك كحذفهم ياء حنيفة في الإضافة إليها لحذف تائها3 في قولهم: حنفي, ولما لم يكن في حنيف تاء تحذف فيحذف ياؤها جاء في الإضافة إليه على أصله فقالوا: حنيفيّ.
فإن قال أبو عمر: جرى المصدر4 على اطمأنّ يدل على أنه هو الأصل, وذلك قولهم 5: الاطمئنان, قيل: قولهم "الطأمنة" بإزاء قولك: الاطمئنان، فمصدر6 بمصدر، وبقي على أبي عمر أن الزيادة جرت في المصدر جريها في الفعل, والعلة7 في الموضعين واحدة, وكذلك الطمأنينة ذات زيادة فهي إلى الاعتلال قرب.
ولم يقنع أبا عمر أن يقول: إنهما أصلان متقاودان8 كجبذ وجذب, حتى مكّن خلافه لصاحب الكتاب بأن عكس الأمر عليه البتة.
وذهب سيبويه9 في قولهم: "أينق" مذهبين: أحدهما أن تكون عين أنوق قلبت إلى ما قبل الفاء فصارت في التقدير "أونق", ثم أبدلت الواو ياء لأنها كما أعلت
بالقلب كذلك أعلت أيضًا بالإبدال على ما مضى, والآخر أن تكون العين حذفت ثم عوضت الياء منها قبل الفاء.
فمثالها على هذا القول "أيفل", وعلى القول الأول "أعْفُل".
وذهب الفرّاء في "الجاه" إلى أنه مقلوب من الوجه, وروينا عن الفراء أنه قال: سمعت أعرابية من غطفان وزجرها ابنها فقلت لها: ردي عليه, فقالت: أخاف أن يجوهني بأكثر من هذا.
قال 1: وهو من الوجه أرادت: يواجهني, وكان أبو علي -رحمه الله- يرى أن الجاه مقلوب عن الوجه أيضًا.
قال: ولما أعلّوه بالقلب أعلّوه أيضًا بتحريك عينه ونقله من فَعْلٍ إلى فَعَل, "يريد أنه" صار من وجه إلى جَوْهٍ, ثم حركت عينه فصار إلى جَوَهٍ, ثم أبدلت عينه لتحركها وانفتاح ما قبلها, فصار "جاه" كما ترى.
وحكى أبو زيد: قد وجه الرجل وجاهة عند السلطان، وهو وجيه.
وهذا يقوي القلب لأنهم لم يقولوا "جَوِيه" ولا نحو ذلك.
ومن المقلوب "قِسِيّ" و"أشياء" في قول الخليل.
وقوله:
مروان مروان أخو اليوم اليمي3
فيه قولان: أحدهما أنه أراد: أخو اليوم السهل اليوم الصعب, يقال: يوم أيوم, ويوم كأشعث4 وشعث4 وأخشن وخشن, وأوجل ووجل, فقلب فصار2
"يموّ" فانقلبت العين لانكسار ما قبلها طرفًا, والآخر أنه أراد: أخو اليوم اليوم, كما يقال عند الشدة والأمر العظيم: اليوم اليوم, فقلب فصار "اليمو" ثم نقله من فَعْل إلى فَعِل, كما أنشده أبو زيد من قوله:
علام قتل مسلم تعبدًا ... مذ سنة وخَمِسون عددا1
-يريد خَمْسونَ- فلما انكسر ما قبل الواو قلبت ياء فصار اليَمِى.
هذان قولان فيه مقولان.
ويجوز عندي فيه وجه ثالث لم يقل به, وهو أن يكون أصله على ما قيل في المذهب الثاني: أخو اليوم اليوم, ثم قلب فصار "اليَمْوُ", ثم نقلت الضمة إلى الميم على حد قولك: هذا بَكُرْ, فصارت اليَمُو, فلما وقعت الواو طرفًا بعد ضمَّة في الاسم أبدلوا من الضمَّة كسرة, ثم من الواو ياء, فصارت اليَمِى كأحقٍ2 وأدْلٍ.
فإن قيل: هلَّا, لم تُستنكَر الواو هنا بعد الضمة لمَّا لم تكن الضمة لازمة.
قيل: هذا وإن كان على ما ذكرته فإنهم قد أجروه في هذا النحو مجرى اللازم, ألا تراهم يقولون على هذه اللغة: هذه هند, ومررت بجمل, فيتبعون الكسر الكسر, والضم الضم, كراهية للخروج من كسرة هاء هند إلى ضمة النون, وإن كانت الضمة عارضة.
وكذلك كرهوا مررت بجمل لئلّا يصيروا في الأسماء إلى لفظ فِعلُ.
فكما3 أجروا النقل في هذين الموضعين مجرى اللازم فكذلك يجوز أن يجرى اليمو مجرى "أدلو وأحقو", فيغيركما غيّرا, فقيل: "اليمِِى" حملا على الأدلي والأحقي.
" فإن قيل: نحو زيد وعون
لا ينقل إلى عينه حركة لامه, واليوم كعون, قيل: جاز ذلك ضرورة لما يعقب من صلاح القافية, وأكثر ما فيه إجراء المعتل مجرى الصحيح لضرورة الشعر"1.
ومن المقلوب بيت القطامي:
ما اعتاد حب سليمى حين معتاد ... ولا تقصَّى بواقي دَيْنِها الطادي2
هو مقلوب عن الواطد, وهو الفاعل من وطد يطد أي ثبت.
فقلب عن "فاعل" إلى "عالف".
ومثله عندنا "الحادي"؛ لأنه فاعل من وحد وأصله الواحد, فنقل عن فاعل "إلى عالف"3 سواء, فانقلبت الواو التي هي في الأصل فاء4 ياء5، لانكسار ما قبلها في الموضعين6 جميعًا.
وحكى الفرَّاء: معي عشرة فأحدهن7 لي، أي: اجعلهن أحد عشر, فظاهر هذا يؤنس بأن "الحادي" فاعل.
والوجه إن كان المروي صحيحًا أن يكون الفعل مقلوبًا من وحدت إلى حدوت, وذلك أنهم لما رأوا الحادي في ظاهر الأمر على صورة فاعل, صار كأنه جارٍ8 على "حدوت" جريان غازٍ على غزوت, كما أنهم لما استمر استعمالهم "الملك" بتخفيف الهمزة صار كأن مَلَكًا على
فَعَل, فلما صار اللفظ بهم إلى هذا بنى الشاعر على ظاهر أمره فاعلًا منه, فقال حين ماتت نساؤه بعضهن إثر بعض:
غدا مالك يرمي نسائي كأنما ... نسائي لسهمي مالكٍ غَرَضَان1
يعني: ملك الموت ألّا تراه يقول بعد هذا:
فيا رب عَمِّر لي جهيمة أعصرًا ... فمالك الموت بالقضاء دهاني
وهذا ضرب من تدريج اللغة, وقد تقدَّم الباب2 الذي ذكرنا فيه طريقه في كلامهم, فليضمم هذا إليه فإنه كثير جدًّا.
ومثل قوله: "فاحْدُهُنَّ" في أنه مقلوب من "وحد" قول الأعرابية: "أخاف أن يَجُوهَني" "وهو"3 مقلوب من الوجه.
فأما وزن "مالك" على الحقيقة فليس فاعلًا, لكنه "مافل" ألا ترى أن أصل "مَلَك" ملأك: مفعل من تصريف ألكني إليها عَمْرَكَ الله, وأصله ألئكني, فخففت همزته فصار ألكني4، كما صار "ملأك" بعد التخفيف إلى ملك ووزن مَلَك "مَفَل".
ومن طريف المقلوب قولهم للقطعة الصعبة من الرمل "تَيْهُورة" وهي عندنا "فَيْعُولة" من تهور الجرف وانهار الرمل ونحوه, وقياسها أن تكون قبل تغييرها
"هَيْوُورة"1 فقدمت العين وياء "فيعول" إلى ما قبل الفاء فصارت "وَيْهُورة", ثم أبدلت الواو التي هي عين مقدمة قبل الياء تاء كتَيْقُور2 فصارت "تيهورة" كما ترى.
فوزنها على لفظها الآن "عيفولة".
أنشدنا أبو علي:
فعينيّ لا يبقى على الدهر فادر ... بتيهورة بين الطخا فالعصائب3
-"ويروى: الطخاف العصائب"- فهذا قول وهو لأبي علي -رحمه الله.
ويجوز عندي أن تكون في الأصل أيضًا "تفعولة" كتعضوضة5 وتدنوبة6, فيكون أصلها على هذا "تهوورة", فقدمت العين على الفاء إلى أن صار وزنها "تعفولة", وآل اللفظ بها إلى "توهورة", فأبدلت الواو التي هي عين7 مقدمة ياء, كما أبدلت عين "أينق" لما قدمت في مذهبي الكتاب8 ياء فنقلت من4
"أنوق" إلى "أونق", ومن "أونق" تقديرًا إلى "أينق"؛ لأنها كما أُعِلَّت بالقلب كذا أعلّت بالإبدال فصارت أينقا. وكذلك صارت توهورة "إلى تيهورة"1.
وإن شئت جعلتها من الياء لا من الواو, فقد حكى أبو الحسن عنهم: هار الجرف يهير, ولا تحمله على طاح يطيح, وتاه يتيه, في قول الخليل لقلة ذلك؛ ولأنهم قد قالوا أيضًا: تهير الجرف في معنى تهور, وحمله على تفعّل أولى من حمله على تَفَيْعَل كتحيز2.
فإذا كانت "تيهورة" من الياء على هذا القول فأصلها تهيورة, ثم قدمت العين التي هي الياء على الفاء فصار تيهورة.
وهذا القول3 إنما فيه التقديم من غير إبدال.
وإنما قدمنا القول الأول وإن كانت كلفة الصنعة فيه أكثر؛ لأنَّ كون عين هذه الكلمة هذه الكلمة واوًا في اللغة أكثر من كونها ياء.
ويجوز فيه عندي وجه ثالث, وهو أن يكون في الأصل "يفعولة" كيعسوبٍ ويربوعٍ, فيكون أصلها "يهوورة", ثم قدمت العين إلى صدر الكلمة فصارت "ويهورة: عيفولة", ثم أبدلت الواو التي هي عين مقدمة تاء على ما مضى فصارت "تيهورة".
ودعانا إلى اعتقاد القلب والتحريف في هذه الكلمة المعنى المتقاضيته4 هي.
وذلك أن الرمل مما ينهار ويتهور ويهور ويهير ويتهير.
فإن كسّرت هذه الكلمة أقررت تغييرها "عليها"5 كما أنّ "أينقا" لما كسرتها العرب أقرتها على تغييرها6 فقالت: أيانق, فقياس هذا أن تقول في تكسير "تيهورة"
على كل قول وكل تقدير: تياهير.
وكذلك المسموع عن العرب أيضًا في تكسيرها.
والقلب في كلامهم كثير.
وقد قدمنا في أول هذا الباب أنه متى أمكن1 تناول الكلمة على ظاهرها لم يجز العدول عن ذلك بها, وإن دعت ضرورة إلى القول بقلبها كان ذلك مضطرًا إليه لا مختارًا.
باب في الحرفين المتقاربين يستعمل أحدهما مكان صاحبه:
اعلم أن هذا الباب لاحق بما قبله وتالٍ له.
فمتى أمكن1 أن يكون الحرفان جميعًا أصلين "كل واحد منهما قائم برأسه"2 لم يسغ3 العدول عن الحكم بذلك, فإن دلَّ دال أو دعت ضرورة إلى القول بإبدال أحدهما من صاحبه عمل بموجب الدلالة, وصير إلى مقتضى الصنعة.
ومن ذلك سكر طبرزل وطبرزن 4: هما متساويان في الاستعمال, فلست بأن تجعل أحدهما أصلًا لصاحبه أولى منك بحمله على ضده.
ومن ذلك قولهم: هتلت السماء وهتنت: هما أصلان, ألا تراهما متساويين في التصرف, يقولون: هتنت السماء تهتن تهتانًا, وهتلت تهتل تهتالًا, وهي سحائب هتن وهتل, قال امرؤ القيس:
فسحت دموعي في الرداء كأنها ... كلي من شعيب ذات سح وتهتان1 وقال العجاج: عزّز منه وهو معطي الإسهال ... ضرب السواري متنه بالتهتال2 ومن ذلك ما حكاه الأصمعي من قولهم: دهمج البعير يدهمج دهمجة, ودهنج يدهنج دهنجة, إذا قارب الخطو وأسرع, وبعير دهامج ودهانج, وأنشد3 للعجاج: كأنَّ رعن الآل منه في الآل ... بين الضحا وبين قيل القيال4 إذا بدا دهانج ذو أعدال
وأنشد أيضًا:
وعير لها من بنات الكداد ... يدهنج بالوطب والمزود1
فأما قولهم: ما قام زيد بل عمرو, وبن عمرو, فالنون بدل من اللام, ألا ترى إلى كثرة استعمال "بل" وقلة استعمال "بن", والحكم على الأكثر لا على الأقل.
هذا هو الظاهر من أمره, ولست مع هذا أدفع أن يكون "بن" لغة قائمة برأسها.
وكذلك قولهم: رجل "خامل" و"خامن" النون فيه بدل من اللام, ألا ترى أنه أكثر, وأن الفعل عليه تصرف, وذلك قولهم: خمل يخمل خمولًا.
وكذلك قولهم: قام زيد فُمَّ عمرو, الفاء بدل من الثاء في ثم, ألا ترى أنه أكثر استعمالًا.
فأما قولهم "في الأثافي: الأثاثي"2 فقد ذكرناه3 في كتابنا في سر الصناعة, وقال الأصمعي: بنات
مخر وبنات بخر: سحائب يأتين قبل1 الصيف "بيض"2 منتصبات في السماء, قال طرفة:
كبنات المخر يمأدن إذا ... أنبت الصيف عساليج الخضر3
قال أبو علي -رحمه الله: كان أبو بكر يشتق هذه الأسماء من البخار, فالميم على هذا في "مخر" بدل من الباء في "بخر" لما ذكر أبو بكر.
وليس ببعيد عندي أن تكون الميم أصلًا في هذا أيضًا, وذلك لقول الله سبحانه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ﴾ 4 أي: ذاهبة "وجائية"5 وهذا أمر قد يشاركها فيه السحائب, ألا ترى إلى قول الهذلي:
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج76
فهذا يدل على مخالطة السحائب عندهم البحر وتركضها فيه, وتصرفها على صفحة مائه.
وعلى كل حال فقول أبي بكر أظهر.
ومن ذلك قولهم: باهلة بن أعصر ويعصر, فالياء في "يعصر" بدل من الهمزة في "أعصر", يشهد بذلك ما ورد به الخبر من أنه إنما سمِّي بذلك لقوله 1:
أبنيّ إن أباك غير لونه ... كرّ الليالي واختلاف الأعصر
يريد: جمع عصر, وهذا واضح.
فأمّا2 قولهم: إناء قربان, وكربان, إذا دنا أن يمتلئ فينبغي أن يكونا أصلين؛ لأنك تجد لكل واحدة منهما متصرفًا, أي: قارب أن يمتلئ وكرب أن يمتلئ, إلّا أنهم قد قالوا: جمجمة3 قربى, ولم نسمعهم قالوا: "كربى". فإن غلبت القاف على الكاف من هنا فقياس ما4.
وقال الأصمعي: يقال: جعشوش5، وجعسوس5، وكل ذلك إلى قمأةٍ6 وقلةٍ وصغر, ويقال: هم من جعاسيس الناس, ولا يقال بالشين في هذا.
فضيق الشين مع سعة السين يؤذن بأن الشين بدل من السين.
نعم, والاشتقاق يعضد كون السين
-غير معجمة- هي الأصل, وكأنه أشتق من "الجعس" صفة على "فعلول", وذلك أنه شبه الساقط المهين1 من2 الرجل بالخرء؛ لذلِّه ونتنه.
ونحو من ذلك في البدل قولهم: فسطاط وفستاط, وفسّاط, وبكسر الفاء أيضًا, فذلك ست لغات.
فإذا صاروا إلى الجمع قالوا: "فساطيط وفساسيط" "ولا يقولون"3 "فساتيط" بالتاء.
فهذا يدل4 أن التاء في "فستاط" إنما هي بدل من طاء "فسطاط", أو من سين "فُسّاط".
فإن قلت: هلا اعتزمت أن تكون التاء في "فستاط" بدلًا من طاء "فسطاط"؛ لأن التاء أشبه بالطاء منها بالسين؟ قيل: بإزاء ذلك أيضًا: إنك إذا حكمت بأنها بدل من سين "فسّاط" ففيه شيئان جيدان: أحدهما: تغيير للثاني5 من المثلين, وهو أقيس من تغيير الأول من المثلين؛ لأنَّ الاستكراه في الثاني يكون لا في الأول, والآخر أن السينين في 6"فسّاط" ملتقيتان، والطاءين في7 "فسطاط" منفصلتان بالألف بينهما, واستثقال المثلين ملتقيين أحرى من استثقالهما مفترقين, "وأيضًا فإن السين والتاء جميعًا مهموستان والطاء مجهورة"8.
فعلى هذا الاعتبار ينبغي أن يتلقّى9 ما يرد من حديث الإبدال إن كان هناك إبدال, أو اعتقاد أصلية الحرفين إن كانا أصلين, وعلى ما ذكرناه في الباب الذي
قبل هذا ينبغي أن تعتبر الكلمتان في التقديم والتأخير نحو: اضمحلّ وامضحلّ, وطأمن واطمأنّ.
والأمر واسع.
وفيما أوردناه من مقاييسه كافٍ بإذن الله.
ونحن نعتقد إن أصبنا فسحة أن نشرح كتاب يعقوب1 بن السكيت في القلب والإبدال, فإن معرفة هذه الحال فيه "أمثل من معرفة عشرة أمثال لغته, وذلك أن مسألة واحدة من القياس"2، أنبل وأنبه من كتاب لغة عند عيون الناس.
قال لي أبو علي -رحمه الله- "بحلب"3 سنة ست وأربعين: أخطئ في خمسين مسألة في اللغة ولا أخطئ في واحدة من القياس.
ومن الله المعونة وعليه الاعتماد.