الخصائصباب في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول, ما لم يَدْعُ داعٍ إلى الترك 1 والتحول:

باب في إقرار الألفاظ على أوضاعها الأول, ما لم يَدْعُ داعٍ إلى الترك 1 والتحول:

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

من ذلك2 "أو" إنما أصل وضعها أن تكون لأحد الشيئين أين كانت وكيف3 تصرفت, فهي عندنا على ذلك وإن كان بعضهم قد خفي عليه هذا من حالها في بعض الأحوال, حتى دعاه إلى أن4 نقلها عن أصل بابها, وذلك أن الفراء قال: إنها قد تأتي بمعنى بل, وأنشد بيت ذي الرمة:1

بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح1 وقال: معناه: بل أنت في العين أملح.
وإذا أرينا أنها في موضعها وعلى2 بابها -بل إذا كانت هنا على بابها كانت أحسن معنًى وأعلى مذهبًا- فقد وفَّينا ما3 علينا.
وذلك أنها على بابها من الشك, ألا ترى أنه لو أراد بها معنى بل فقال: بل أنت في العين "أملح لم يف بمعنى أو في الشك؛ لأنه إذا قطع بيقين أنها في العين أملح"4 كان في ذلك سرف منه ودعاء إلى التهمة في الإفراط له، وإذا أخرج الكلام مخرج الشك كان في صورة المقتصد غير المتحامل ولا المتعجرف.
فكان5 أعذب للفظه، وأقرب إلى تقبُّل قوله, ألا تراه نفسه أيضًا6 قال: أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أَمْ أُمّ سالم7

فكما1 لا يشك2 في3 أن كلامه ههنا خرج مخرج الشك لما فيه من عذوبته وظرف مذهبه, فكذلك ينبغي أن يكون قوله: أو أنت في العين أملح "أو" فيه باقية في موضعها وعلى شكلها.
وبعد فهذا مذهب الشعراء: أن يظهروا في هذا ونحوه شكًّا وتخالجًا4 ليروا قوة الشبه واستتكام الشبهة, ولا يقطعوا قطع اليقين البتة فينسبوا بذلك إلى الإفراط وغلوّ الأشطاط, وإن كانوا هم ومن بحضرتهم5 ومن يقرأ من6 بعد أشعارهم يعلمون أن لا حيرة هناك ولا شبهة, ولكن "كذا خرج"7 الكلام على الإحاطة بمحصول الحال.
وقال أيضًا: ذكرتك أن مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح8 وقال الآخر 9: أقول لظبي يرتعي وسط روضة ... أأنت أخو ليلى فقال يقال وما أحسن ما جاء به الطائي الصغير "في قوله"10: عارضننا أصلًا فقلنا الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب11

وقال الآخر 1: فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... سوى أنّ عظم الساق منكِ دقيق وذهب قُطْرُب إلى أن "أو" قد تكون بمعنى الواو, وأنشد بيت النابغة: قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد2 فقال: معناه: ونصفه.
ولعمري إن كذا معناه.
وكيف لا يكون كذلك, ولا بُدَّ منه وقد كثرت فيه الرواية أيضًا بالواو: ونصفه.
لكن هناك مذهب يمكن معه أن يبقى الحرف على أصل وضعه: من كون لا شَكَّ فيه, وهو أن يكون تقديره: ليتما هذا الحمام لنا "إلى حمامتنا"3 أو هو ونصفه.
فحذف المعطوف عليها وحرف العطف, على ما قدمناه في قوله عز وجل: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ 4 أي5 فضرب فانفجرت.
وعليه قول6 الآخر: ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذا كما ما غيبتني غيابيا أي: شهرين أو شهرين ونصف ثالث, ألا تراك لا تقول مبتدئًا: لبثت نصف ثالث؛ لأن ثالثًا من الأسماء المضمنة7 بما معها.
ودعانا إلى هذا التأوّل8 السعي في9 إقرار "هذه" اللفظة على أول أحوالها.

فأما قول الله سبحانه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ 1 فلا يكون فيه "أو" على مذهب الفراء بمعنى بل, ولا على2 مذهب قطرب في أنها بمعنى الواو.
لكنها عندنا على بابها في كونها شكًّا.
وذلك أن هذا كلام خرج حكاية من الله -عز وجل- لقول المخلوقين.
وتأويله عند أهل النظر: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموهم لقلتم أنتم فيهم: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون.
ومثله مما مخرجه منه تعالى على3 الحكاية قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وإنما هو في الحقيقة الذليل المهان لكن معناه: ذق إنك أنت الذي كان يقال له: العزيز الكريم.
ومثله قوله -عز وجل: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ 5 أي: يا أيها الساحر عندهم لا عندنا؛ وكيف6 يكون ساحرًا عندهم وهم به مهتدون, وكذلك قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ 7 أي: شركائي عندكم.
وأنشدنا أبو علي لبعض اليمانية8 يهجو جريرًا: أبلغ كليبًا وأبلغ عنك شاعرها ... أني الأغرّ وأني زهرة اليمن قال: فأجابه جرير فقال: ألم تكن في وسوم قد وسمت بها ... من حان موعظة يا زهرة اليمن 9 فسماه زهرة اليمن10 متابعة له وحكاية للفظه, وقد تقدَّم القول على هذا الموضع.4

ومن ذلك ما يدعيه الكوفيون من زيادة واو العطف؛ نحو قول الله -عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ 1 "قالوا: هنا زائدة مخرجة عن العطف, والتقدير عندهم فيها: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها"2.
وزيادة الواو أمر3 لا يثبته البصريون, لكنه عندنا على حذف الجواب, أي: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها كذا وكذا صدقوا وعدهم وطابت نفوسهم, ونحو ذلك مما يقال في مثل هذا.
وأجاز أبو الحسن زيادة الواو في خبر كان؛ نحو قولهم: كان ولا مال له, أي: كان لا مال له.
ووجه جوازه عندي شبه خبر كان بالحال، فجرى مجرى4 قولهم: جاءني ولا ثوب عليه, أي: جاءني عاريًا.
فأما "هل " فقد أخرجت عن بابها إلى معنى قد, نحو قول الله سبحانه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ 5 قالوا: معناه: قد أتى عليه ذلك.
وقد يمكن عندي أن تكون مبقاة في هذا الموضع على بابها من الاستفهام، فكأنه قال -والله أعلم: هل أتى على الإنسان هذا؟ فلا بُدَّ في جوابه من "نعم" ملفوظًا بها أو مقدرة، أي:6 فكما أن ذلك كذلك فينبغي للإنسان أن يحتقر نفسه، ولا يبأى7 بما فتح له.
وهذا كقولك لمن تريد الاحتجاج عليه: بالله هل سألتني فأعطيتك! أم هل زرتني فأكرمتك! , أي:6 فكما أن ذلك كذلك فيجب أن تعرف حقي عليك وإحساني إليك.
ويؤكد هذا عندك قوله تعالى: ﴿إِنَّا 8 خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ 8 أفلا تراه -عز اسمه- كيف عدد عليه أياديه وألطافه له.

فإن قلت: فما تصنع بقول الشاعر 1: سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم ألا ترى إلى دخول همزة الاستفهام على هل, ولو كانت على ما فيها من الاستفهام لم تلاق همزته لاستحالة اجتماع حرفين لمعنى واحد, وهذا يدل على خروجها2 عن الاستفهام إلى معنى الخبر.
قيل: هذا قول يمكن أن يقوله صاحب هذا المذهب.
ومثله خروج الهمزة عن الاستفهام إلى التقرير, ألا ترى أن التقرير ضرب من الخبر، وذلك ضد3 الاستفهام, ويدل على أنه قد فارق الاستفهام امتناع النصب بالفاء "في جوابه"4 والجزم بغير الفاء في جوابه, ألا تراك لا تقول: ألست صاحبنا فنكرمك؛ كما تقول: لست صاحبنا5 فنكرمك, ولا تقول في التقرير: أأنت في الجيش أثبت اسمك.
كما تقول: ما اسمك أذكرك, أي: إن أعرفه أذكرك.
ولأجل ما ذكرنا من حديث همزة التقرير ما صارت تنقل النفي إلى الإثبات والإثبات إلى النفي, وذلك كقوله 6: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح

أي: "أنتم كذاكم"1 وكقول الله -عز وجل: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ 2 و ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ 3 أي: لم يأذن لكم، ولم تقل4 للناس: اتخذوني وأمي إلهين, ولو كانت استفهامًا محضًا لأقرت الإثبات على إثباته والنفي على نفيه.
فإذا دخلت5 على الموجب نفته "وإذا دخلت على النفي نفته"6 و"نفي النفي عائد"7 به إلى الإثبات.
ولذلك لم يجيزوا ما زال زيد إلّا قائمًا لما آل به المعنى "من النفي" إلى: ثبت زيد إلّا قائمًا.
فكما لا يقال هذا فكذلك لا يقال ذلك.
فاعرفه.
ويدل8 على صحة معنى التناكر في همزة التقرير أنها قد أخلصت للإنكار في نحو قولهم في جواب قوله9 ضربت عمر: أعمراه! ومررت بإبراهيم: أإبراهيماه.
ورأيت جعفرًا: "أجعفرنيه10، وأجعفرًا إنيه! ". وهذا واضح.
واعلم أنه ليس شيء يخرج عن بابه إلى غيره إلّا لأمر قد كان وهو على بابه ملاحظًا له, وعلى صدد من الهجوم عليه.
وذلك أن المستفهِم عن الشي قد يكون عارفًا به مع استفهامه في الظاهر عنه, لكن غرضه في الاستفهام عنه أشياء.
منها11 أن يرى المسئول أنه خفي عليه ليسمع جوابه عنه, ومنها أن يتعرف حال المسئول هل هو عارف بما السائل عارف به.
ومنها أن يرى الحاضر غيرهما أنه بصورة السائل المسترشد لما له في ذلك من

الغرض.
ومنها أن يعد ذلك لما بعده مما يتوقعه، حتى إن1 حلف بعد أنه قد2 سأله عنه حلف صادقًا فأوضح بذلك عذرًا.
و"لغير ذلك"3 من المعاني التي يسأل السائل عمَّا يعرفه لأجلها وبسببها.
فلمّا كان السائل في جميع هذه الأحوال قد يسأل4 عمَّا هو عارفه5، أخذ بذلك طرفًا من الإيجاب لا السؤال عن مجهول6 الحال.
وإذا كان ذلك كذلك جاز لأجله أن يجرّد في بعض الأحوال ذلك الحرف لصريح ذلك المعنى.
فمن هنا جاز أن تقع "هل" في بعض الأحوال موضع "قد"؛ كما جاز لأو أن تقع في "بعض الأحوال موقع"7 الواو؛ نحو قوله: وكان سيان ألا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبَّرت السوح8 جاز لك لما كنت تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، فيكون9 مع ذلك متى جالسهما جميعًا كان في ذلك مطيعًا, فمن هنا جاز أن يخرد في البيت ونحوه إلى معنى الواو.
وكل10 حرف فيما بعد يأتيك قد أخرج عن بابه إلى باب آخر فلا بُدَّ أن يكون قبل إخراجه إليه قد كان يرائيه ويلتفت إلى الشق الذي هو فيه.
فاعرف ذلك وقسه, فإنك إذا فعلته11 لم تجد الأمر إلا كما ذكرته, وعلى ما شرحته.

جارٍ التحميل