الخصائصباب ذكر الفرق بيت العلة الموجبة، وبين العلة المجوزة

باب ذكر الفرق بيت العلة الموجبة، وبين العلة المجوزة

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن جني
الكتاب
الخصائص
المؤلف
أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي (المتوفى: 392هـ)
الناشر
الهيئة المصرية العامة للكتاب
الطبعة
الرابعة
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

... باب ذكر الفرق بين العلة الموجبة، وبين العلة المجوزة: اعلم أن أكثر العلل عندنا مبناها على الإيجاب بها كنصب الفضلة أو ما شابه1 في اللفظ الفضلة, ورفع المبتدأ؛ والخبر, والفاعل, وجر المضاف إليه, وغير ذلك.
فعلل هذه الداعية إليها موجبة لها, غير مقتصر بها على تجويزها2؛ وعلى هذا مقاد كلام العرب.
وضرب آخر يسمى علة, وإنما هو في الحقيقة سبب يجوز ولا يوجب 4. من ذلك الأسباب الستة الداعية إلى الإمالة هي علة الجواز لا علة الوجوب ألا ترى أنه ليس في الدنيا أمر يوجب الإمالة لا بد منها وأن كل ممال لعلة من تلك الأسباب5 الستة لك أن تترك إمالته مع وجودها فيه.
فهذه إذًا علة الجواز لا علة الوجوب.
ومن ذلك أن يقال لك: ما علة قلب واو " أقتت " همزة؟ فتقول: علة ذلك أن الواو انضمت ضمًّا لازمًا.
وأنت مع هذا تجيز ظهورها واوًا غير3

مبدلة, فتقول: وقتت.
فهذه علة الجواز إذًا لا علة الوجوب.
وهذا وإن كان في ظاهر ما تراه1 فإنه معنى صحيح وذلك أن الجواز معنى تعقله النفس؛ كما أن الوجوب كذلك فكما أن هنا علة للوجوب فكذلك هنا علة للجواز.
هذا أمر لا ينكر، ومعنى مفهوم لا يتدافع.
ومن علل الجواز أن تقع النكرة بعد المعرفة التي يتم2 الكلام بها وتلك النكرة هي المعرفة في المعنى فتكون حينئذ مخيرًا في جعلك تلك النكرة -إن شئت- حالا -وإن شئت- بدلا؛ فتقول على هذا: مررت بزيد رجل صالح على البدل وإن شئت قلت: مررت بزيد رجلا صالحًا على الحال.
أفلا ترى كيف كان وقوع النكرة عقيب المعرفة على هذا الوصف علة لجواز كل واحد من الأمرين لا علة لوجوبه.
وكذلك كل ما جاز لك فيه من المسائل الجوابان, والثلاثة, وأكثر من ذلك على هذا الحد فوقوعه عليه علة لجواز ما جاز منه لا علة لوجوبه.
فلا تستنكر هذا الموضع.
فإن قلت: فهل تجيز أن يحل السواد محلًا ما فيكون ذلك علة لجواز اسوداده لا لوجوبه؟ قيل: هذا في هذا ونحوه لا يجوز بل لا بد من اسوداده3 البتة، وكذلك البياض والحركة والسكون ونحو ذلك متى حل شيء منها في محل لم يكن له بد من وجود حكمه فيه ووجوبه البتة له لأن هناك أمرًا لا بد من ظهور أثره.
وإذا تأملت ما قدمناه رأيته عائدًا إلى هذا الموضع غير مخالف له ولا بعيد عنه وذلك أن وقوع النكرة4 تلية المعرفة -على ما شرحناه من تلك الصفة- سبب لجواز

الحكمين اللذين جازا فيه فصار مجموع الأمرين في وجوب جوازهما كالمعنى المفرد الذي استبد به ما أريتناه: من تمسكك1 بكل واحد من السواد والبياض والحركة والسكون.
فقد زالت عنك إذًا شناعة هذا الظاهر وآلت بك الحال إلى صحة معنى ما قدمته: من كون الشيء علة للجواز لا للوجوب.
فاعرف ذلك وقسه فإنه2 باب واسع.

جارٍ التحميل